9 أبريل 2013

وائل السوّاح || كلمة السر لسوريا الجديدة: المواطنة


مختارات صحفية:


"قد تكون الفترة الانتقالية أخطر فترة في تاريخ البلاد، ولعلها أهم وأخطر حتى من فترة الثورة نفسها. إنها الفترة التي سوف تتنافس فيها القوى التي كانت متفقة على هدف إسقاط النظام وإحداث تغيير في بنية سوريا السياسية..."

وائل السوّاح ||


كلمة السر لسوريا الجديدة: المواطنة



يقول هيغل في أصول فلسفة الحق، "كل ما هو واقعي معقول، وكل ما هو معقول واقعي". النظام الحاكم في دمشق بات غير معقول، وبالتالي بات، بالمعنى التاريخي، نظاما غير واقعي. أما مسألة سقوطه الفعلي فليست أكثر من قضية وقت.


بعد رحيل النظام ستبدأ في سوريا عملية بناء الدولة، وستمر فترة عصيبة تستنفر فيها كل مكونات الشعب السوري وقواه السياسية والاجتماعية طاقاتها من أجل شد البساط كل باتجاهه. ولسوف تحدث تدخلات دولية وإقليمية كبيرة. وقتها ستقف سوريا على مفترق طرق: فإما أن تتجه نحو شكل آخر من الدكتاتورية أو من اقتسام السلطة، وإما أن تتجه نحو بناء دولة المواطنة والقانون. ثمة ثلاث كلمات مفتاحية تحمل السر في هذه القضية هي الفرد والحق والمساواة، وإذا أردنا اختصارها بكلمة واحدة، فسنتختار لها كلمة المواطنة.


قد تكون الفترة الانتقالية أخطر فترة في تاريخ البلاد، ولعلها أهم وأخطر حتى من فترة الثورة نفسها. إنها الفترة التي سوف تتنافس فيها القوى التي كانت متفقة على هدف إسقاط النظام وإحداث تغيير في بنية سوريا السياسية، وتحاول كل منها الحصول على أكبر حد من المكتسبات لصالح تمثيلها العقائدي أو السياسي أو الديني أو الطائفي أو القومي. وفي هذا السياق يمكن ببساطة أن يتم الدفع بالمستوى الوطني إلى الخلف أو تخبئته وارء شعارت ملونة.


سيتجه جمع كبير من السوريين باتجاه إعلاء كلمة الجماعة فوق كلمة الفرد. وفي ذلك يكمن المطب الأول الذي يمكن أن تقع فيه سوريا ما بعد الأسد. الحزب والجماعة والطائفة والقبيلة والأمة، كلها مسميات لمكونات اجتماعية وقومية تسرق حقوق الأفراد وتجيرها إلى الجماعات، ومن ثم تتلخص حقوق الجماعة في نخبة قليلة تنفرد من بين هذه الجماعة في احتكار تمثيلها، وينبت من بين النخبة فرد فذٌّ، فرد، اب ضابط للكل وناطق بلسانه، يتسيد المكان، فتتحول بذلك مصلحة الجماعة إلى مصلحة فرد واحد منها ويعيد التاريخ الكرة على شكل مهزلة. إن الفرد الحر الواعي المدرك لكينونته وموقعه الاجتماعي ينبغي أن يكون هو الأساس في عملية بناء المجتمع السوري الجديد، الذي سيكون في الحقيقة اتحادا بين أفراد متساوين في الحقوق والواجبات، تكمن مصلحتهم في عيشهم الواحد وتقديرهم المتبادل ومصلحتهم المشتركة.


وسيحاول بعض السوريين التراخي في موضوع المساواة بين الأفراد، وقد يقوم التفاوت على أساس الجنس أو الدين أو المذهب أو القومية.ولسوف يؤدي مثل هذا الاتجاه لو قيض له النجاح إلى تهميش المرأة السورية أو الأقليات الدينية والمذهبية أو المكونات القومية الصغيرة أو الفقراء والمرضى وأصحاب الاحتياجات الخاصة. يمكن للبعض أن يحاول أن يزج بالدين في هذا االخيار، مستخدما نصوصا دينية من هنا وهناك، غير أن هذا الخيار سوف يحول سوريا إلى دولة ذات لون واحد وصوت واحد. المساواة التامة بين الأفراد السوريين بغض الطرف عن لونهم أو دينهم أو جنسهم أو حالتهم الصحية هو المدخل الحقيقي لبناء دولة حديثة.


ولسوف يتم تقديم مفاهيم مختلفة للحق، ويتم التلاعب بالكلمات لشرح المفهوم بما ليس فيه، وتوضع قيود على الحقوق الأساسية المعترف بها دوليا، بحجة منافاتها للدين، أو بحجة اختلافها مع الأعراف والتقاليد، أو بحجة أنها بدعة مستوردة من الخارج، يريد الآخر فرضها علينا. لا يمكن أن يكون ثمة مساومة في الحقوق الأساسية، وهي الحق في الاعتقاد والتعبير والتجمع والتحزب والتنقل والتظاهر والتقاضي. وأي مساومة على أي من هذه الحقوق سوف تجعل السوريين يندمون في المستقبل، كما حدث مع عدد من الشعوب الأخرى التي مرت بظروف مشابهة.


إن دولة تقوم على أساس الحقوق والواجبات والمساواة في القانون أولا وأمام القانون ثانيا هي الوحيدة التي يمكنها أن تنقل سوريا من غياهب القمع والتسلط والفساد إلى رحابة الديمقراطية والتنمية الاقتصادية والفكرية والفنية. ومن المهم أن ينعكس ذلك في دستور يقوم على أعرق القيم الديمقراطية وأحدث الاجتهادات القانونية والدستورية، ويكون مبنيا على عقد اجتماعي يتجسد في مبادئ فوق دستورية تضمن المساواة التامة لكافة المواطنين، وتضمن لهم حقوقهم المدنية (الحياة والتعبير والمعتقد...) ومشاركتهم في العملية السياسية، وحقهم في العمل والتعليم والضمان الاجتماعي.


نقلاً عن: ”المدن“


مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


    فتوى علمانية

    فلو أنّ الأمور اقتصرت على هذه الفتاوى لضحكنا ومضينا في طريقنا غير آبهين بها. غير أنّ ما يثير الحفيظة هو توقُّف الكثيرين عند هذه المضحكات بينما يدسّون، كالنّعامات، رؤوسهم في الرّمال...
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    الأولى أم الأخيرة؟

    إنّ الطغم العسكرية التي اغتصبت البلاد والعباد وسيطرت على مقاليد الحكم في بعض الأقطار بعد جلاء الاستعمار، حوّلت الإتجار بالمسألة الفلسطينية إلى درع يقيها من أيّ محاولة لنقدها من جانب المواطنين.
أصوات
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • كاترينا إليوپولو

    حلمتُ عن امرأة
    امرأتي ليستْ أربعاء الرّماد
    كما ليستْ هي الجمعة الحزينة
    وليستْ أحدَ الصُّعُود
    امرأتي هي دَوْمًا الخميس.

  • ڤيسلاڤا شيمبورسكا

    نحنُ أبناءُ هذا العَصْر،
    إنّه عصرٌ سياسيّ.

    كلّ ما يحملُ يومُك من أعباء
    أو ليلُك، أعباؤك أعباؤنا، أعباؤكم
    هي أعباءُ سياسة.

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • حانوخ ليڤين

    الوالدُ اشْترَى جَريدَة،
    وذَهبَ مَعَها للمِرْحاض،

    جَلسَ، قَرَأَ، وفِي هذه الأثناء
    بُمْ، طَخْ، ضْراط، مِنَ الوَراء!
  • جهة الفيسبوك

    تعليقات أخيرة

  • زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء هنا الآن

  • مواضيع مختارة