عن مخترة جنبلاط وأمثاله

إنّ الزعامات الطائفية الوراثيّة والتوريثيّة في هذا المشرق، وجنبلاط أحد أمثلتها البارزة، لا يمكن بأيّ حال أن تشكّل مثالاً يُقتدى

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

باكستان الشرقية في فلسطين

عندما خطّط الانسحاب من قطاع غزّة كان يضع نصب عينيه شيئًا شبيهًا بما جرى في باكستان

الهوية المعقّدة للعرب في إسرائيل

الفوارق بين المكوّنات الطائفية لهذا المجتمع هي مجرّد أصداء لما هو حاصل في سائر المجتمعات العربية في هذا المشرق.

15.4.15

حازم صاغية || الثورات ”الأميركية“ والثورات ”السوڤياتية“

 مختارات

حازم صاغية || 
الثورات ”الأميركية“ والثورات ”السوڤياتية“

بانتهاء الحرب الباردة، تغيّر معنى «الثورة» في ما تغيّر. فقد تراجعت «الثورة» الطبقيّة المطعّمة قوميّاً، وتلك القوميّة المطعّمة طبقيّاً، لمصلحة «الثورة» الديموقراطيّة. وكانت تحوّلات أوروبا الوسطى والشرقيّة، معطوفة على سقوط الديكتاتوريّات العسكريّة في أميركا اللاتينيّة وإندونيسيا، وطيّ العنصريّة في جنوب إفريقيا، برهان التغيّر هذا. فـ«الحرّيّة» أزاحت «التحرّر»، و«السلميّة» أطاحت «العنف الثوريّ»، و«حقوق الإنسان» شغلت المساحات التي أخلتها «حقوق الأمّة» و «دور الطبقة»، بينما صعد «الناشط» وانحدر «الرفيق المناضل»، ومحلّ القبضات المشدودة العضل صارت الثورات تُكنّى بأنواع الزهر والمخمل.

وبعدما كان الاتّحاد السوفياتيّ، وجزئيًّا الصين الشعبيّة، مرجعيّة العمل الموصوف بالثوريّة، صارت الولايات المتّحدة هذه المرجعيّة المطابقة لصعود الأجندة الديموقراطيّة بدل الأجندتين الطبقيّة والقوميّة. فـ «الثوّار» الجدد في أقاصي الأرض لا يفوّتون فرصة لإعلان الشبه بالحياة السياسيّة في الغرب والتقرّب من واشنطن، وقادتُهم القابعون في سجون الديكتاتوريّات لا ينتظرون إلاّ إشادة أو تنويهًا من وزير الخارجيّة الأميركيّ. والأهمّ أنّ الراغبين في تغيير تمنعه بالقوّة أنظمة مستبدّة، لا يتردّدون في مطالبة الولايات المتّحدة بالتدخّل، ضاربين بعرض الحائط مبدأ «السيادة» الذي لطالما رفعه «القوميّون» في وجه «الإمبرياليّين».

لكنْ مثلما عرف الزمن المرجعيّ السوفياتيّ حُقبًا مختلفة فيها الطور «اليمينيّ» والطور «اليساريّ»، عرف الزمن المرجعيّ الأميركيّ، ويعرف، شيئًا من هذا. فمع بيل كلينتون كان التدخّل المضبوط الذي لم يشتطّ إلاّ في البلقان. ومنظورًا إلى تلك السياسة في عمومها، فإنّها تتبدّى أقرب إلى جسّ نبض للعالم بعد انتهاء القطبيّة الثنائيّة. ثمّ كانت المرحلة الراديكاليّة المفرطة والمتهوّرة مع جورج دبليو بوش، وعنواناها الكبيران حربان كبريان في أفغانستان والعراق، لتحلّ، بعد ذلك، مرحلة اللاتدخّل الأوباميّة، حيث يقتصر الفعل التدخّليّ على الجوّ، كما في ليبيا، فيما الطائرة من دون طيّار رمز التدخّل الأبرز.

ومثلما كان بعض «ثوريّي» الزمن المرجعيّ السوفياتيّ ينتقدون الكرملين ويتّهمونه ببيع ثوراتهم، وهو ما تردّد في إسبانيا الثلاثينات ويونان الأربعينات وعراق السبعينات وسواها، فإنّ «ثوريّي» الزمن المرجعيّ الأميركيّ لديهم الكثير يقولونه عن بيع البيت الأبيض ثوراتهم وتواطئه عليها. وهنا تلوح أزمة فهم متبادل: فالثوريّون يبالغون في تقديرهم حساب الأخلاق والمبادئ المعلنة فيما يقتصدون في تقديرهم الأكلاف، لا سيّما حين يكون دافعها نظاماً معنيّاً بمحاسبة ناخبيه وبرغباتهم، فضلاً عن الحدود التي أملتها عليه حساباته الاستراتيجيّة. والأميركيّون، بعد «أمميّة» بوش البسيطة، أسيرو نموذج للثورات لا يكتم تمركزه حول التجارب السلميّة للتغيير، حيث المنافع بلا أكلاف. وحيث الثورة إمكان لم يتحقّق بعد، تلوح «عقيدة أوباما»، كما سمّاها توماس فريدمان في حواره مع سيّد البيت الأبيض، انفتاحاً سلميّاً يمهّد لتحسين شروط الثورة. فـ «الجدران التي يهدمها أوباما» مع كوبا وإيران ربّما جرى تعقّلها أميركيّاً كشرط لتسريع الثورة، وكضمان مسبق لسلميّتها. فالسؤال الأوباميّ هو بالتالي: كيف نعبّد الطريق في بلدان ككوبا وإيران، عبر السلم والانفتاح واسترخاء الأعصاب والطمأنة إلى عدم تكرار الأفعال الأميركيّة إبّان الحرب الباردة، لظروف مثل ظروف أوروبا الوسطى؟ ويبدو أنّ هذا إنّما يعادل، أميركيّاً، «إنضاج الشرط الموضوعيّ» الذي يخفّف العبء الذاتيّ مقلّلاً الحاجة بالتالي إلى العنف وإلى التدخّل.

وفي معزل عن توتّر قد يطول أمده على هامش سوء التفاهم الكبير هذا، وعن ريبة يتبادلها الحلفاء «الموضوعيّون»، يبقى أنّ الثورات التي تستنكف أميركا عن الحماسة لها هي اليوم ثورات حُرمت مرجعيّتها الكونيّة حتّى بات سوء الحظّ رفيقاً ملازماً لها، تماماً كحال تلك المغدورة والمتخلّى عنها في زمن المرجعيّة السوفياتيّة. وهذا ممّا يغيب عن نقّاد الثورات من موقع أنّها «أميركيّة»، غير منتبهين إلى نقص أميركيّتها، وإلى نقص حماسة أميركا الأوباميّة لها، تبعاً لدفتر شروطها القاسي. لكنّ أكثر ما يفوت هؤلاء النقّاد أنّهم لا يزالون عالقين في الزمن ذي المرجعيّة السوفياتيّة للثورات، ووفقاً له يحاسبونها.
*
الحياة، 14 أبريل 2015


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • شوون عربية

    دول ومجتمعات بلا حدود

    جزيرة العرب هي مهد «العروبة»، بمعنى طبيعة الأفراد المنتمين إليها إثنيًّا وثقافيًّا. لقد خرج العرب من الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، مكتسحين مناطق شاسعة في الجوار ومستوطنين فيها. إنّ الخروج من الجزيرة العربية لم يشكّل بأيّ حال خروجًا من الطبيعة البريّة والصحراوية للأفراد.

    تتمة الكلام

    جلسة لمساءلة النفس

    ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    نكبة الليلة ونكبة البارحة

    مرت الأعوام تلو الأعوام فوجد الفلسطينيون أنفسهم مؤخّرًا أنّ النكبات لم تعد حكرًا عليهم دون غيرهم، فنكبات الآخرين - سورية مثالاً - لا تقلّ مأساوية وبشاعة عن نكباتهم...

    تتمة الكلام


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام