15 أبريل 2015

حازم صاغية || الثورات ”الأميركية“ والثورات ”السوڤياتية“


مختارات



حازم صاغية ||



الثورات ”الأميركية“ والثورات ”السوڤياتية“






بانتهاء الحرب الباردة، تغيّر معنى «الثورة» في ما تغيّر. فقد تراجعت «الثورة» الطبقيّة المطعّمة قوميّاً، وتلك القوميّة المطعّمة طبقيّاً، لمصلحة «الثورة» الديموقراطيّة. وكانت تحوّلات أوروبا الوسطى والشرقيّة، معطوفة على سقوط الديكتاتوريّات العسكريّة في أميركا اللاتينيّة وإندونيسيا، وطيّ العنصريّة في جنوب إفريقيا، برهان التغيّر هذا. فـ«الحرّيّة» أزاحت «التحرّر»، و«السلميّة» أطاحت «العنف الثوريّ»، و«حقوق الإنسان» شغلت المساحات التي أخلتها «حقوق الأمّة» و «دور الطبقة»، بينما صعد «الناشط» وانحدر «الرفيق المناضل»، ومحلّ القبضات المشدودة العضل صارت الثورات تُكنّى بأنواع الزهر والمخمل.

وبعدما كان الاتّحاد السوفياتيّ، وجزئيًّا الصين الشعبيّة، مرجعيّة العمل الموصوف بالثوريّة، صارت الولايات المتّحدة هذه المرجعيّة المطابقة لصعود الأجندة الديموقراطيّة بدل الأجندتين الطبقيّة والقوميّة. فـ «الثوّار» الجدد في أقاصي الأرض لا يفوّتون فرصة لإعلان الشبه بالحياة السياسيّة في الغرب والتقرّب من واشنطن، وقادتُهم القابعون في سجون الديكتاتوريّات لا ينتظرون إلاّ إشادة أو تنويهًا من وزير الخارجيّة الأميركيّ. والأهمّ أنّ الراغبين في تغيير تمنعه بالقوّة أنظمة مستبدّة، لا يتردّدون في مطالبة الولايات المتّحدة بالتدخّل، ضاربين بعرض الحائط مبدأ «السيادة» الذي لطالما رفعه «القوميّون» في وجه «الإمبرياليّين».

لكنْ مثلما عرف الزمن المرجعيّ السوفياتيّ حُقبًا مختلفة فيها الطور «اليمينيّ» والطور «اليساريّ»، عرف الزمن المرجعيّ الأميركيّ، ويعرف، شيئًا من هذا. فمع بيل كلينتون كان التدخّل المضبوط الذي لم يشتطّ إلاّ في البلقان. ومنظورًا إلى تلك السياسة في عمومها، فإنّها تتبدّى أقرب إلى جسّ نبض للعالم بعد انتهاء القطبيّة الثنائيّة. ثمّ كانت المرحلة الراديكاليّة المفرطة والمتهوّرة مع جورج دبليو بوش، وعنواناها الكبيران حربان كبريان في أفغانستان والعراق، لتحلّ، بعد ذلك، مرحلة اللاتدخّل الأوباميّة، حيث يقتصر الفعل التدخّليّ على الجوّ، كما في ليبيا، فيما الطائرة من دون طيّار رمز التدخّل الأبرز.

ومثلما كان بعض «ثوريّي» الزمن المرجعيّ السوفياتيّ ينتقدون الكرملين ويتّهمونه ببيع ثوراتهم، وهو ما تردّد في إسبانيا الثلاثينات ويونان الأربعينات وعراق السبعينات وسواها، فإنّ «ثوريّي» الزمن المرجعيّ الأميركيّ لديهم الكثير يقولونه عن بيع البيت الأبيض ثوراتهم وتواطئه عليها. وهنا تلوح أزمة فهم متبادل: فالثوريّون يبالغون في تقديرهم حساب الأخلاق والمبادئ المعلنة فيما يقتصدون في تقديرهم الأكلاف، لا سيّما حين يكون دافعها نظاماً معنيّاً بمحاسبة ناخبيه وبرغباتهم، فضلاً عن الحدود التي أملتها عليه حساباته الاستراتيجيّة. والأميركيّون، بعد «أمميّة» بوش البسيطة، أسيرو نموذج للثورات لا يكتم تمركزه حول التجارب السلميّة للتغيير، حيث المنافع بلا أكلاف. وحيث الثورة إمكان لم يتحقّق بعد، تلوح «عقيدة أوباما»، كما سمّاها توماس فريدمان في حواره مع سيّد البيت الأبيض، انفتاحاً سلميّاً يمهّد لتحسين شروط الثورة. فـ «الجدران التي يهدمها أوباما» مع كوبا وإيران ربّما جرى تعقّلها أميركيّاً كشرط لتسريع الثورة، وكضمان مسبق لسلميّتها. فالسؤال الأوباميّ هو بالتالي: كيف نعبّد الطريق في بلدان ككوبا وإيران، عبر السلم والانفتاح واسترخاء الأعصاب والطمأنة إلى عدم تكرار الأفعال الأميركيّة إبّان الحرب الباردة، لظروف مثل ظروف أوروبا الوسطى؟ ويبدو أنّ هذا إنّما يعادل، أميركيّاً، «إنضاج الشرط الموضوعيّ» الذي يخفّف العبء الذاتيّ مقلّلاً الحاجة بالتالي إلى العنف وإلى التدخّل.

وفي معزل عن توتّر قد يطول أمده على هامش سوء التفاهم الكبير هذا، وعن ريبة يتبادلها الحلفاء «الموضوعيّون»، يبقى أنّ الثورات التي تستنكف أميركا عن الحماسة لها هي اليوم ثورات حُرمت مرجعيّتها الكونيّة حتّى بات سوء الحظّ رفيقاً ملازماً لها، تماماً كحال تلك المغدورة والمتخلّى عنها في زمن المرجعيّة السوفياتيّة. وهذا ممّا يغيب عن نقّاد الثورات من موقع أنّها «أميركيّة»، غير منتبهين إلى نقص أميركيّتها، وإلى نقص حماسة أميركا الأوباميّة لها، تبعاً لدفتر شروطها القاسي. لكنّ أكثر ما يفوت هؤلاء النقّاد أنّهم لا يزالون عالقين في الزمن ذي المرجعيّة السوفياتيّة للثورات، ووفقاً له يحاسبونها.
*
الحياة، 14 أبريل 2015

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


    فتوى علمانية

    فلو أنّ الأمور اقتصرت على هذه الفتاوى لضحكنا ومضينا في طريقنا غير آبهين بها. غير أنّ ما يثير الحفيظة هو توقُّف الكثيرين عند هذه المضحكات بينما يدسّون، كالنّعامات، رؤوسهم في الرّمال...
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    الأولى أم الأخيرة؟

    إنّ الطغم العسكرية التي اغتصبت البلاد والعباد وسيطرت على مقاليد الحكم في بعض الأقطار بعد جلاء الاستعمار، حوّلت الإتجار بالمسألة الفلسطينية إلى درع يقيها من أيّ محاولة لنقدها من جانب المواطنين.
أصوات
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • كاترينا إليوپولو

    حلمتُ عن امرأة
    امرأتي ليستْ أربعاء الرّماد
    كما ليستْ هي الجمعة الحزينة
    وليستْ أحدَ الصُّعُود
    امرأتي هي دَوْمًا الخميس.

  • ڤيسلاڤا شيمبورسكا

    نحنُ أبناءُ هذا العَصْر،
    إنّه عصرٌ سياسيّ.

    كلّ ما يحملُ يومُك من أعباء
    أو ليلُك، أعباؤك أعباؤنا، أعباؤكم
    هي أعباءُ سياسة.

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • حانوخ ليڤين

    الوالدُ اشْترَى جَريدَة،
    وذَهبَ مَعَها للمِرْحاض،

    جَلسَ، قَرَأَ، وفِي هذه الأثناء
    بُمْ، طَخْ، ضْراط، مِنَ الوَراء!
  • جهة الفيسبوك

    تعليقات أخيرة

  • زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء هنا الآن

  • مواضيع مختارة