زيد النابلسي || الحقيقة الغائبة

صحّ النوم !

مختارات من الصحافة العربية -
”كفانا كذباً وهروباً من الحقيقة. منذ أن وعيت على الدنيا في مدرستي، كان أساتذة الدين كل عام، عندما كانوا يفصلون الصف على أساس الدين، يعلموننا أن ابن صفي المسيحي وصديقي هو شخص كافر لن يقبل الله منه التوبة هو وعائلته، وستشوّى جلودهم في النار إلى الأبد السرمدي، لا لذنبٍ لهم إلا أنهم وُلِدوا مسيحيين.“


زيد النابلسي || الحقيقة الغائبة


بعد أن تكلم ملك البلاد، حان الوقت لأن نتحلى نحن بشجاعة مليكنا وأن نواجه الحقيقة.

فلا يمكن لأي أردني وأردنية يغاران على وطنهما ويخافان على مستقبل أبنائهما، أن يتجاهلا بعد اليوم كلمة جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، حول ضرورة التصدي للخطاب المتطرف في هذا البلد؛ ذلك الخطاب الذي تغلغل وانتشر حتى وصل إلى "آرمات" تعلق على أعمدة الشوارع وإشارات المرور، لترهب الناس من جحيم أصبح واقعاً معاشاً أينما نظرنا في هذه المنطقة.

ولا نستطيع بعد اليوم أن نفصل بين هذه الدعوة الملكية الجريئة، وبين تكاثر أعداد الأردنيين المنضمين للجماعات التكفيرية، مثل "داعش" و"جبهة النصرة" و"جيش الإسلام" و"أحرار الشام" وغيرها. إذ في أعناقنا اليوم مسؤولية وطنية تاريخية. فنحن أمام أزمة أخلاقية وتربوية وخيمة، أنتجت بيئة ونظاماً تعليمياً بات يُخرِّج أفواجاً من الشباب التكفيريين، ونحن لا يمكننا إيجاد الدواء إذا لم تتوفر لدينا الصراحة بأن نشير إلى منبع وأصل الداء.

كفانا كذباً وهروباً من الحقيقة. منذ أن وعيت على الدنيا في مدرستي، كان أساتذة الدين كل عام، عندما كانوا يفصلون الصف على أساس الدين، يعلموننا أن ابن صفي المسيحي وصديقي هو شخص كافر لن يقبل الله منه التوبة هو وعائلته، وستشوّى جلودهم في النار إلى الأبد السرمدي، لا لذنبٍ لهم إلا أنهم وُلِدوا مسيحيين.

نعم هكذا علَّمنا أساتذة الدين منذ نعومة أظفارنا، أذكر أسماءهم واحداً واحداً وأذكر وجوههم. هذا كان في مدرسة بعمان الغربية، فما بالك في باقي مدارس الحكومة في المملكة؟ كفانا تستراً على أصل المرض وجرثومة الداء.

نعم، منذ أوائل السبعينيات، بُنيت مناهجنا التربوية في المملكة على أسس ومراجع مثل كتاب "مبادئ الإسلام" لأبي الأعلى المودودي. وقد بدأ ذلك تحديداً في العام الدراسي 1973 /1974 كما هو مكتوب على الغلاف الداخلي للكتاب حسب بحث للكاتب موفق محادين. والمودودي هو أحد عرابي الفكر السلفي التكفيري الذي نعيش نتائجه اليوم. وما تزال مناهجنا حتى هذه اللحظة مُغرقة في أحادية المنظور وإلغاء الآخر، كما وثق ذلك الباحث ذوقان عبيدات في "الغد" قبل أيام.

والكارثة تتعدى المدارس. فكلنا يعلم أن فتاوى تكفير، وبالتالي تحليل ذبح أبناء الأديان والطوائف والمذاهب المختلفة، واستحلال أعراضهم ونسائهم وأموالهم، ليست سراً ولم تعد تخفى على أحد. بل إن فقه تكفير العباد يدرّس للمسلمين في مساجد وجامعات ومعاهد ومراكز، وتنضح به كتب ومراجع سلفية، ويذاع على مدار الساعة من فضائيات منتشرة كالنار في الهشيم، وتفيض به مواقع إلكترونية ومنتديات، فكفانا مراوغة واستخفافا بعقول الناس.

لقد آن لنا أن نعترف أن الكارثة التي يعيشها المسلمون اليوم سببها تقديس الروايات المختلقة والبذاءات العجيبة التي تُنسب للدين على أنها صحيحة، ورفض أي نقاش حول صحتها. وهذه الإساءات موجودة داخل مجلدات هائلة من الكتب التي يعتبرها البعض منزهةً عن الخطأ والتزوير والتلفيق، كتب تدّعي الصحة في تسمية عناوينها، وتنسب للدين العجب العجاب من الروايات المنافية للإنسانية.

وعندما تجادل هؤلاء المسلمين وتطلب منهم تنقية التراث وتطهير الدين من هذه الكتب والنصوص، يرفضون ذلك ويتهمونك بالتآمر لتدمير الإسلام. فهؤلاء الذين يدّعون الدفاع عن الإسلام يصرون على صحة الكتب التي تقول إن الدين أباح رضاع الكبير ونكاح الميتة وتضييق الطريق على النصراني وقطع رؤوس المشركين وسبي نسائهم وذبح البشر وتسميل أعينهم بالنار وغيرها من المجازر والدموية.

لهذا كله، فإننا إذا أردنا ان نتخلص من الخطاب التكفيري الطائفي التحريضي، علينا أن نسمي الأمور بمسمياتها ونسأل السؤال الأهم: من هم رواد هذا الخطاب في هذه المنطقة؟

الجواب ليس بلغز معقد، فبعد تفجيرات عمان قبل عشر سنوات، رفضت جماعة الإخوان المسلمين في الأردن إدانة الجريمة، بل أعلنوا أن الفنادق ما هي إلا مواخير للدعارة والتجسس. وعندما قتل أبو مصعب الزرقاوي، توجه قادة منهم بكل تحد لمشاعر أهل الضحايا إلى بيت العزاء في الزرقاء، وأعلنوا على الملأ أن أبو مصعب الزرقاوي هو شهيد وبطل في نظرهم.

واليوم وبعد أن تُلِيَت فتاوى ابن تيمية بالتزامن مع جريمة "داعش" بحق شهيدنا البطل معاذ الكساسبة، اضطرت قيادات الإخوان المسلمين إلى إدانة خجولة مبهمة ومتأخرة للجريمة الوحشية لتضليل الناس، ومن ثم سرعان ما خرجت الجماعة علينا بمقولة تحذيرنا من الخلط بين ما اضطروا اضطرارا لوصفه إرهاباً، وبين مكانة شيوخهم الأجلاء، مثل ابن تيمية، الذي يُصرون على تلقيبه بـ"شيخ الإسلام"، مُدَّعين أن "داعش" قد أساء فهم فتاواه بجواز الحرق والتمثيل بالجثث.

ولكنك عندما تطلع على كتاب واحد فقط لابن تيمية اسمه "مجموع الفتاوى"، تصيبك الصدمة لما تجد فيه من موسوعة تكفيرية شاملة، تطال كل مكونات هذا الشرق؛ من مسيحيين ودروز وشيعة وعلويين، وتلعنهم وتحلّ دماءهم وتستبيح أموالهم وأعراضهم.

لقد ثبت بالدليل القاطع أن "داعش" وأخواتها وُلِدوا من نفس ظهر ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، فالدواعش ومشتقاتهم يستعملون المصطلحات المميزة نفسها والتي لم نسمعها إلا في كتابات سيّد قُطُب، مثل أن المجتمع ارتد إلى "عبادة العباد بدل عبادة رب العباد"، وغيرها من الكليشيهات التي نسمعها في الخطاب الإقصائي التكفيري ليل نهار، بل إن أبا محمد الجولاني قالها على الملأ في مقابلته مع المذيع الإخواني أحمد منصور وصرح بالحرف بأن "حسن البنا نهل من نفس المعين الذي نهلنا منه".

وهنا لا بد من الوضوح التام والكف عن الدجل المفضوح واستغباء الناس، إذ إن كل من يحاول أن يُمَيِّز بين "داعش" و"جبهة النصرة" ما هو إلا إنسان عديم الخلق ومنعدم الضمير، فداعش ما انشق عن أصله في "جبهة النصرة" إلا لخلافات تنظيمية بحتة حول مركزية القيادة، حيث رأى البغدادي أنه ليس بحاجة أن تكون مرجعيته عند الظواهري في ظلام كهوف تورا بورا وأنه باستطاعته تأسيس عصابة إجرام مستقلة، بينما رأى الجولاني الولاء لخليفة اسامة بن لادن في جحوره المقفرة، وبالتالي علينا أن لا ننسى أن تنظيم القاعدة هو الأصل الذي ابتكر قطع الرؤوس ونبش القبور وأكل القلوب في سورية والعراق قبل أن تنافسه بها "داعش". فالخلاف بين "داعش" و"النصرة" ليس على التوحش في التكفير وسفك الدماء، وإنما هو صراع دموي على القيادة والمناصب والتبعية، إلا أنهما كِليهما، "داعش" و"النصرة"، متطابِقَان في الهمجية الدموية المسعورة وفي تكفير وقتل كل من يخالفهم، مع فرق أن "داعش" تفوق على "النصرة" مالياً وعسكرياً، وبالأخص، سينمائياً.

هذه هي الحقيقة التي يتغاضى عنها الإعلام هذه الأيام، ولهذا ترى من هرع إلى إجراء عمليات تجميل وتلميع لتنظيم القاعدة.

وهنا يحلو للبعض ممن تعودوا على دفن رؤوسهم في الرمال تذكيرنا على الدوام أن أوروبا في فترة من التاريخ شنت حروبا وارتكبت فظاعات باسم الدين وتحت راية الصليب، ولذلك يقولون لك لا تُركِّز على أن الإسلام الحالي اليوم في تكوينه وخطابه فيه ميول نحو العنف والقتل، لأن ذلك أمر ينطبق على المسيحية أيضاً. هذا الكلام يتجاهل حقيقة جوهرية وهي أن الديانة المسيحية والمجتمعات الأوروبية مرت قبل قرون خلت بتحولات داخلية ثورية نتج عنها أن تم فصل الكنيسة عن الدولة نهائياً، وتم القضاء على تلك النزعة الدموية التي اتَّسَمت بها الكنيسة الكاثوليكية لقرون عديدة، ولهذا السبب ارحمونا بالله عليكم من دروس التاريخ الانتقائية بينما بيتنا يحترق، لأن آخر شيء يفيد من هو بداخل النار الحالية التي تعصف بنا هو تذكيره بقصص الحرائق المشابهة لغيرنا في التاريخ السحيق.

وختاماً، علينا أن نعترف ونواجه الحقيقة الغائبة المُغَيّبة، بأن ذبح الشيعة والعلويين والدروز والمسيحيين والأيزيديين، وتفجير المساجد، وحرق الكنائس، وقطع الرؤوس، وجز الرقاب، وصلب العباد، وأكل القلوب، ونبش القبور، وتكفير الملل، وهدم الأضرحة، وسبي النساء، وحرق وإغراق البشر ورميهم من فوق أسطح البنايات، وتدمير المتاحف، ومحو المدن التاريخية الأثرية، أقول إن هذه البشاعة التي قل مثيلها في التاريخ البشري منذ بدء الخليقة، لم تأتِ من فراغ وهي ليست غمامة عابرة، بل أن المسؤول عنها هو من زرع هذا الفكر الظلامي في عقول طلابنا في المدارس، وكرّس الأموال والمساجد والخطباء والفضائيات والإذاعات والكتب والفتاوى لنشر الفتنة وتكفير البشر وزرع الكراهية البغيضة والحقد الأعمى بين الناس.

قبل أن يبدأ أي علاج، لا بد من تشخيص الداء، لا مناص من ذلك. الخطاب التكفيري المتشدد لم يغزُنا من الفضاء. أصحابه ودعاته هم دواعش الداخل، يسكنون بيننا ويأكلون خبزنا ويتنفسون هواءنا، ومعركتنا معهم قبل دواعش الرقة.
*
نقلاً عن: الغد، 8 أكتوبر 2015


مشاركات:





تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics