31 أكتوبر 2015

حازم صاغية || نتانياهو والمحرقة والسرديّة العربيّة

مختارات صحفية:

حازم صاغية 

|| نتانياهو والمحرقة والسرديّة العربيّة||

في كذبته عن المحرقة، استحقّ بنيامين نتانياهو قدرًا من الإهانات التي طالت عدوانه على التاريخ والمعرفة، كما طالت رُخصه الشعبويّ الذي شجّعه على التلاعب بتلك المأساة لأغراض سياسويّة وضيعة. لقد أطلّ الزعيم الليكوديّ على العالم بوصفه تافهًا صغيرًا مثل أولئك الكثيرين ممّن تلدهم لحظات عابرة في تواريخ الشعوب ثمّ تودي بهم لحظات عابرة. ففي مقابل التخمة بالقضايا، ممّا هو مألوف في بعض الديكتاتوريّين والتوتاليتاريّين، يضعنا نتانياهو أمام إعدام مُخزٍ للقضايا والهموم، بل للمعاني على عمومها.


وهو، فوق هذا، إنّما ينطق بلسان الجماعات المتناحرة في الشرق الأوسط، لا بلسان التاريخ الأوروبيّ، مهد المأساة وسببها، والذي تُرك النطق بلسانه للعمّاليّين و«المؤسّسة الإشكنازيّة». وبهذا فإنّه يقدّم للمراجعة الجابوتنسكيّة داخل التاريخ الصهيونيّ امتدادها وبيئتها المنحطّين.

لكنّ هذه الاستجابة السلبيّة الواسعة جدّاً، والمهينة جدّاً، لما أتى به رئيس حكومة إسرائيل، تشي بأنّ «العالم» قابل لأن يفهم، شرط أن يكون المعروض للفهم مفهوماً.

بلغة أخرى، استُنفر الإجماع الكونيّ حول المحرقة اليهوديّة ليردع عدوانًا عليه أتى من خارجه، أي من تأويل جزئيّ، قَبَليّ وثأريّ، لا يعارض الحقائق فحسب بل يعارض ذاك الإجماع أيضًا وأساساً. فالذي يملك اليد العليا في القتل والانتهاك والاستيطان ليس بالضرورة صاحب اليد العليا في الحقيقة والمعرفة، وبالتأكيد هو ليس صاحب اليد العليا في الانتساب إلى الرواية الكونيّة المقبولة. أمّا الضحيّة إذ يبالغ في توظيف مأساته، وفي تزويرها، فإنّما يعرّض تلك المأساة ذاتها للابتذال، طارحًا على العالم تحريرها منه وإنقاذها من عدوانه الذي يلبس لبوس الاستحواذ عليها.

وهذه الواقعة تقول، بين ما تقوله، إنّ في وسع السرديّة الفلسطينيّة والعربيّة أن تتجانس مع الإجماعات الكونيّة، شريطة أن تنبثق من داخلها. لا بل يمكن لهذا التجانس أن يكون موجّهًا إلى صدر رئيس حكومة إسرائيل نفسه.

فهنا، وعلى عكس ما يقال غالباً، ينعدم «التواطؤ العالميّ مع إسرائيل»، ممثّلةً برئيس حكومتها ذي السرديّة الفئويّة والكاذبة في آن، وينفتح المدى كلّه لاحتمالات تكاملٍ بين سرديّة العرب وسرديّة «العالم».

وهي حقيقة نادرًا ما حاول الفلسطينيّون والعرب التحدّث من داخلها، والاستفادة من الانتساب إليها. صحيحٌ أنّ محاولات قليلة جرت هنا وهناك، رابطةً بين المحرقة اليهوديّة والمأساة الفلسطينيّة. إلاّ أنّ المحاولات هذه بقيت فرديّة ومعزولة بالقياس إلى الإنكار الواسع للمحرقة، لا سيّما عند العرب من غير الفلسطينيّين، وهو ما حاولت وتحاول السلطة الفلسطينيّة تفاديه والالتفاف عليه. فهنا، في الإنكار، غالبًا ما التقى الحاكم والمحكوم، و»اليمينيّ» و«اليساريّ»، والإسلاميّ و«القوميّ» و«الليبراليّ». وفي ظلّ الإنكار هذا، لم تشهد الثقافة العربيّة سجالًا جدّيًّا (باستثناء ما كتبه صادق جلال العظم وقلّة من شجعان آخرين) ضدّ الإنكاريّين العرب، أو مراجعة نقديّة عميقة، وعديمة التبرير، لسياسات وآراء ارتكبها الحاج أمين الحسيني ورشيد عالي الكيلاني وسياسيّون عرب آخرون، أو لتنظيمات كـ «الحزب السوريّ القوميّ» و«حركة القوميّين العرب» كانت النازيّة من أبرز مصادرها. وفي المقابل، عُتّم على مواقف مضيئة لقادة كالحبيب بورقيبة في تونس وملك المغرب محمّد الخامس حيال النازيّة أو حيال اليهود العرب. وقد وصل الأمر بشيوعيّين مصريّين إلى التبرّؤ من الدور الذي اضطلع به هنري كورييل كما لو أنّه فضيحة يُستحسن إسدال الستار عليها. أمّا الشيوعيّ اللبنانيّ الذي يعرف اليوم من هو جوزيف بيرغر، أو الشيوعيّ العراقيّ الذي يعرف من هو يهودا صدّيق، فباتا مستحاثّات وكائنات منقرضة.

وليس عديم الدلالة أنّ هذه الثفالة الإنكاريّة أعادت تدوير نفسها داعمةً صدّام حسين مرّةً وبشّار الأسد مرّةً أخرى، فيما كانت «حماس» و»حزب الله» ينشران ترجمات رديئة للأدبيّات اللاساميّة الأوروبيّة، ترجماتٍ تجاوزت ما عرفه العهدان الناصريّ والصدّاميّ.

وإنّما في هذا النفق المظلم حاولت كذبة نتانياهو الأكثر إظلامًا أن تمرّ وأن تقنع العالم بأنّها صدق وحقائق.
*


Print Friendly and PDF

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة.
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    الأولى أم الأخيرة؟

    إنّ الطغم العسكرية التي اغتصبت البلاد والعباد وسيطرت على مقاليد الحكم في بعض الأقطار بعد جلاء الاستعمار، حوّلت الإتجار بالمسألة الفلسطينية إلى درع يقيها من أيّ محاولة لنقدها من جانب المواطنين.
أصوات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • حانوخ ليڤين

    الوالدُ اشْترَى جَريدَة،
    وذَهبَ مَعَها للمِرْحاض،

    جَلسَ، قَرَأَ، وفِي هذه الأثناء
    بُمْ، طَخْ، ضْراط، مِنَ الوَراء!
  • جهة الفيسبوك

    تعليقات أخيرة

  • زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء هنا الآن

  • مواضيع مختارة