2 يوليو، 2016

حسن خضر || ما هو أبعد وأعقد من تنورة قصيرة

مختارات صحفية -

عندما تُشعل تنورة قصيرة حرباً صغيرة، ويجد فيها البعض، على الفيس بوك ديوان العرب الجديد مناسبة للنيل من هؤلاء، لأنهم جاءوا من «هناك»،...

حسن خضر ||

ما هو أبعد وأعقد من تنورة قصيرة


أشعلت «تنورة» قصيرة، في نابلس، حرباً صغيرة، واستدعت تدخّل الشرطة، وأسفرت عن «تكسير» سيارة. وقعت الحادثة المعنية يوم الجمعة الماضي، وتصادف أن صاحبة التنورة فلسطينية من الـ 48، أو «الخط الأخضر»، أو «إسرائيل»، أو «عرب إسرائيل»، أي الناس الذين تمكنوا من البقاء في بلادهم، داخل حدود الدولة الإسرائيلية بعد العام 1948.

والواقع أن في مجرد وجود كل هذه التسميات ما يدل على مشكلة في التعريف. في اللغة الرسمية الإسرائيلية يُطلق على هؤلاء «الوسط العربي»، «الأقلية العربية»، «عرب إسرائيل». ويوصفون في الأدبيات اليسارية الإسرائيلية «بالفلسطينيين في إسرائيل». ويُقسم هؤلاء، في اللغة الرسمية، أيضاً، إلى مسلمين، ومسيحيين، وبدو، ودروز. ويُعامل الدروز باعتبارهم قومية خاصة.

ولنلاحظ أن لكل تسمية تاريخها الخاص، ودلالتها الأيديولوجية والسياسية. ولا يبدو أن ثمة أقلية قومية، في الكون، عانت وتعاني هذا القدر من التباس الأسماء، والتسميات، وتشظي الهويات، بقدر هؤلاء، لسبب بسيط مفاده: أن الهوية لا تتجلى إلا بالغيرية، فأنت لست أنت بقدر ما تريد، بل بقدر ما يُسهم الآخرون في تعريف ما ومَنْ تكون، في قوانين، وصور نمطية، و»شِفرات» سلوكية سائدة في ثقافة الأغلبية، منها ما تُذوّته الهوية، وما تنقضه، وفي الحالتين يُسهم فاعل من خارجها في تعريف ما ومَنْ وما ينبغي أن تكون.

وقد كان هؤلاء ضحايا التاريخ والجغرافيا، معاً، وعلى الجلد المتشقق لهوية قلقة، في الزمان والمكان، نقرأ ما تفعل الكولونيالية بضحاياها. ومع ذلك، وبقدر ما أرى، فهؤلاء أجمل ما فينا، وأكثر الأغصان اخضراراً على شجرة شعبنا. فالهويات، ككل شيء آخر، تغتني بقدر ما تتعدّد، وبقدر ما يتكاثر فيها من ألوان الطيف. ولم يكن من قبيل الصدفة، أيضاً، أن يُنجب هؤلاء أفضل ما فينا، في الأدب، والموسيقى، والنحت، والرسم، والتمثيل، والأكاديميا، والوطنية الصافية أيضاً.

لذلك، عندما تُشعل تنورة قصيرة حرباً صغيرة، ويجد فيها البعض، على الفيس بوك (ديوان العرب الجديد) مناسبة للنيل من هؤلاء، لأنهم جاءوا من «هناك»، وعندما نجد أن عدد الغاضبات من التنورة أعلى من الغاضبين، فلنفكر في «هاملت» وما قاله مارسيلوس لهوراتيو: «ثمة عفن في دولة الدنمارك»، طالما أن الغيرية، حتى إزاء هؤلاء، أصبحت بضاعة تُضاف إلى ذكورة جريحة، تعاني من هوس الإخصاء، وأن أنوثة ملتبسة تشرّبت وذوّتت كراهية الأنوثة، ففي هذه وتلك كلمة السر وراء قناع ما تستدعي «الأخلاق» من غضب، وما تُبيح «الوطنية» أو تمنع من مأكل وملبس وشراب.

ولا معنى، في الواقع، للتعليق على أمر كهذا، ما لم يكن جزءاً من الصراع على مبنى ومعنى هوية فلسطين والفلسطينيين. في سياق كهذا، فقط، تحتل «التنورة» القصيرة، وحربها الصغيرة، مكانة هامشية، لتصبح مجرد وسيلة إيضاح في سجال طويل وممتد، يتجلى يومياً في ملايين التفاصيل، ويفشل في احتلال المتن، باعتباره المفتاح وكلمة السر.

لم نكن، دائماً، كما نحن عليه الآن. هذا، على الأقل، ما حاول غازي الخليلي التدليل عليه عندما نشر على الفيس بوك، قبل أيام، صورة لنساء سافرات، وتنانير قصيرة في نابلس تعود إلى العام 1962. والواقع أن الحنين البصري إلى الماضي يتجلى في صور كثيرة لبنات المدارس، وسيدات المجتمع، وطالبات الجامعة (أيام زمان) يتداولها الناس، هذه الأيام. ولا يقتصر الأمر على بلادنا، ففي مصر، والعراق، وسورية، ولبنان، يتداول الناس شواهد كهذه. ولا نرى في حنين كهذا سوى إسهام في سجال ممتد. كان ماضي الفلسطينيين والعرب أفضل بكثير من حاضرهم.

وإذا شئنا الكلام في «الوطنية»، وعنها، والاستعانة بها للتدليل على أمر ما، فلنقل إن رجاء أبو عماشة، وشادية أبو غزالة، ودلال المغربي، وليلى خالد (التي ما تزال بيننا) ولكل منهن مكانة أيقونية في ضمير شعبها، كن من جيل يستنفر، الآن، كل هذا القدر من الحنين. فذلك الجيل من النساء عاش في زمن صعود هوية جديدة، كان من تجلياتها، وأسهم في اجتراح وإغناء هويته وهوية شعبه. ولم يكن ليخطر على بال امرأة في ذلك الزمن أن تكون ضد فكرة الأنوثة نفسها، أو أن تجترح هوية بالغيرية والمغايرة، ومقابل مَنْ؟ الباقيات من بنات شعبها هناك.

وإذا شاء الفلسطينيون ابتكار صورة مجازية لهويتهم الحقيقية فلن يعثروا على مثال أفضل من أثوابهم التقليدية، الأصلية والأصيلة، التي عمّرت آلاف السنين، فيها الكثير من التعددية اللونية والأسلوبية، بقدر ما فيها من علاقة سوية بالطبيعة واعتراف بالجسد. أما هوية المغايرة المُفتعلة، الواردة والمُستوردة من الصحراء، فتتجلى في الجلباب الأسود، المعادي لكل تعددية لونية، أو علاقة سوية بالطبيعة أو الجسد.

وعلى جانب آخر، فلنفكّر في حقيقة أن كراهية التعددية اللونية، والأسلوبية، واختزال العالم في لون أسود، أو واحد ووحيد، يمثّل محاولة لشطب تعددية الهوية نفسها، سواء أكانت هوية الأنوثة والذكورة أو هوية الإنسان والأوطان. وفي أمر كهذا يتجلى تلازم صعود الأصولية مع ديناميات الطائفية والتشظي والتطييف، التي لا ينجو منها بشر أو حجر. فإذا لم نجد مَنْ نُسقط عليه أمراض أنوثة ملتبسة، وذكورة جريحة، نُفتّش عنه في تنورة قصيرة، ونجد ما يُبرره في «حقيقة» أن صاحبتها من «هناك». ثمة، ما هو أبعد، وأعقد، من تنورة قصيرة. ولنقل، أيضاً:  أهل «هناك» هم الأجمل بيننا.
*

مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام