7 ديسمبر 2016

حازم صاغية || شاب في عشريناته يواجه الحاكم المنتصر

مختارات صحفية:

الشابّ العشرينيّ لم يفهم. فما هو معروف عن الحاكم المنتصر وما هو ظاهر للعيان لا يقدّم أيّ إسهام في حلّ المعضلة. وإذ أحسّ بما يشبه الدوار نتيجة عجزه عن الفهم، قال لنفسه، في محاولة أخيرة للتوصّل إلى تفسير منطقيّ: لكنّه، بعد ستّ سنوات من القتال، تمكّن من الانتصار. ألا ينمّ هذا عن طاقة قياديّة ما؟

حازم صاغية ||

شاب في عشريناته يواجه الحاكم المنتصر


نتخيّل شابًّا في عشريناته، تعلّم في بيت أهله بعض القيم، ثمّ كرّستها فيه المدرسة التي درس فيها، ومن بعدها الجامعة. وهي قيم ظنّ أنّ الدنيا تنتظرها كونها تحضّ على ما هو خيّر ومفيد.

الشابّ هذا كان طفلًا حين تولّى الحكمَ مَن صار الحاكم. لكنّه حين أُعلن عن «انتصاره» بعد ثورة وحرب أهليّة دامتا ستّ سنوات، استغرب واندهش. ولكثرة ما فكّر في الأمر، مستعينًا بالقيم التي يحملها، أصابه ما يشبه المسّ الذي يعصف بكلّ ما تعلّم أنّه صائب، أو اعتقد بأنّه صحيح.

فقد بدا له غريبًا جدًّا أن يُكافأ بالنصر من تسبّب بمقتل نصف مليون إنسان، وبتهجير نصف سكّان بلده من بيوتهم، وربعهم من البلد ذاته. وقد استبدّت به الغرابة حتّى تملّكته حين تصاحب هذا النصر مع تدمير ذاك الحاكم إحدى أجمل مدن العالم.

قال لنفسه: ربّما كان هناك ما لا أعرفه. ربّما كان الحاكم قائدًا تاريخيًّا كافأته مواصفاته الفذّة بهذا الانتصار؟ لكنّه ما لبث أن تذكّر أنّه لم يأت مرّةً ما يوحي بتلك الفذاذة قبل أن يرث الحكم عن أبيه. لم يُعرف بشيء، مطلق شيء. فهو لم يملك حتّى موهبة بعض الذين وصلوا إلى السلطة عن طريق المؤامرات داخل أحزابهم وجماعاتهم، إذ لم يُحوجه التوريث السهل إلى التفكير في ذلك.

صاحبنا قال: قد يكون وراء ذلك تكريمٌ لأبيه وللرصيد الذي خلّفه، هو الموصوف بأنّه صاحب «انتصارات تاريخيّة» في «معارك قوميّة». لكنّه، هنا أيضاً، ما لبث أن استدرك وتذكّر أنّ الأب الراحل لم ينتصر على دجاجة في كلّ «حروبه القوميّة» تلك، كما لم يملك من عناصر الكاريزما أكثر ممّا يملكه نجله. لقد كانت الصفة الأبرز التي تُنسب إليه قدرته على الجلوس ستّ ساعات متواصلة على الكرسيّ ذاته. فهو، إذاً، صاحب موهبة رياضيّة أو جسمانيّة بدّدها في سياسات المكائد والحروب الخاسرة.

مضى يتساءل: هل أنّ الحاكم قارىء؟ لا. كاتب؟ لا. عالم؟ لا. خطيب؟ لا.

صفن صاحبنا قليلًا وقال لنفسه: ربّما كان في الأمر تكريم للفنون، للآداب، للموسيقى؟ لا. لا. لا. للوسامة؟ لا. للنجوميّة؟ لا. لحسّ الفكاهة؟ لا. لسلامة النطق؟ لا...

الشابّ العشرينيّ لم يفهم. فما هو معروف عن الحاكم المنتصر وما هو ظاهر للعيان لا يقدّم أيّ إسهام في حلّ المعضلة. وإذ أحسّ بما يشبه الدوار نتيجة عجزه عن الفهم، قال لنفسه، في محاولة أخيرة للتوصّل إلى تفسير منطقيّ: لكنّه، بعد ستّ سنوات من القتال، تمكّن من الانتصار. ألا ينمّ هذا عن طاقة قياديّة ما؟

وهنا أيضًا عاودت الحقائق المثيرة للاضطراب إلحاحها عليه: لقد انتصر بفضل دول وميليشيات أجنبيّة لا حصر لها، كانت هي التي قادت وخطّطت.

لم يستطع صاحبنا الوقوع على سبب مقنع يهدّئ حيرته المعذِّبة والتي تهدّد نظام قيمه بالاختلال. أحسّ أنّ ثمّة خطأ في نظام الكون. في معنى الأشياء. شكّك في أن تكون الأرض مستديرة. شكّك في صحّة المساواة بين الرجل والمرأة. في أهميّة العقل. في فائدة التقدّم. تلمّس أجزاء من جسمه ليتأكّد من أنّه هو نفسه موجود.

أسرع قاصدًا معالجه النفسيّ. الأخير كان في غاية الصراحة والوضوح. قال له إنّ ثمّة حلّين: إمّا أن تقتل الحاكم أو أن تقتل نفسك. في الحالة الأولى، تزيل التناقض الذي يُلحق الشلل بك. في الثانية، تزيل الشلل وتترك التناقض لآخرين يتعاملون معه من بعدك.

صاحبنا فكّر بأنّ الانتماء إلى تنظيم عدميّ وتكفيريّ ربّما كان نقطة التقاطع بين الاغتيالين اللذين اقترحهما عليه الطبيب. وفي طريقه إلى ذاك التنظيم شوهد، للمرّة الأخيرة، مُرًّا ومتجهّمًا كأنّه يزرع سكّينًا في صدر الحاكم وسكّينًا في صدره هو، مفجوعًا بالعالم ومفجوعًا بفراقه. لكنّه، مع هذا، بقي مُصرًّا على المضيّ في تمتمته المكسورة:

«تضرب أنت وهالخطابْ
الحرّيّة صارت عالباب...».

*
كثيرون جدًّا، اليوم، أولئك الشبّان الذين يعانون ما يعانيه صاحبنا. الدنيا موصدة أمامهم. التفاؤل بهذا العالم ليس في محلّه. نعم، هناك خلل كبير في الحياة. في المعنى. في القيم.
***
الحياة، 7 ديسمبر 2016



مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام