14 مارس، 2017

فلنحرّر فلسطين فيما الماما تحضّر العشاء


مختارات صحفية:

السلوى الدمويّة بحياة الفلسطينيّين وبالحقّ الفلسطينيّ، لتسمين نظامي الأسد والخامنئي، صارت مكشوفة جدًّا، لا سيّما حين غدت كلّ قرية في سوريّة يحجّ إليها مقاتلو «حزب الله» «طريقًا إلى القدس».


حازم صاغية ||

فلنحرّر فلسطين فيما الماما تحضّر العشاء



ذات يوم في السادسة مساء، سيقول طفل لأخيه التوأم فيما هما يلعبان: «تعال نحرّر فلسطين بينما الماما تحضّر العشاء».

الحوار مُتخيّل طبعًا، لكنّه قد يغدو فعليًّا إذا اتّسعت «ثقافة المقاومة» و«تعمّقت». للتوضيح، «ثقافة المقاومة» لا علاقة لها بالرواية أو الشعر، ولا بالنحت والرسم والسينما والموسيقى... إنّها تستوحي لنفسها المعنى الأنثروبولوجيّ الأعرض الذي يمنح التعبير دلالة تقارب طريقة الحياة.

وطريقة حياتنا يراد لها أن تغدو هكذا: نافذ إيرانيّ يقول إنّه يقضي على إسرائيل بسبع دقائق ونصف. نافذ لبنانيّ يهدّد بقصف المفاعل النوويّ في الدولة العبريّة. نافذ عراقيّ أشدّ تواضعًا يكتفي بإبداء الرغبة في تحرير الجولان السوريّ المحتلّ...

«العفو عند المقدرة» لم يعد من شيمنا.

وأمّا والحال هذه، فلا بأس بالمصارحة: لقد كان أحمدي نجاد يسلّينا أكثر. كان يحلم ويأتينا بلوحات سورياليّة للسياسة والمستقبل. كان يستنزل الأنبياء والرسل إلى ساحات القتال، وكان في وسعه أن يسبغ بعدًا ملحميًّا يفتقر إليه الآخرون... الواقعيّون!

طريقة الحياة هذه تنضح بسلوك هو سلوك «قبضاي الضيعة الفشّاط». وقد سبق مرارًا أن رأينا «القبضاي» هذا يعمل بكامل طاقته. عشيّة حرب 1948، مثلًا، قال شكري القوتلي للحاج أمين الحسيني إنّ كلّ ما نحتاجه للحرب بضع مكانس لكنس اليهود. وفي 1964 جزم أمين الحافظ، أوّل رؤساء البعث في سوريّة، بأنّ أربعة أيّام أكثر من كافية لتحرير فلسطين. ولطالما غنّينا، مع محمّد عبدالوهاب، قول علي محمود طه: «صبرنا على ظلمهم قادرين...» (أي بترجمة عامّيّة: انهزمنا أمامهم حتّى نشوف شو رح يطلع منهم).

هذا السلوك ليس جديدًا. الجديد فيه أبطاله. بعد هزيمة 1967، غادرنا جمال عبد الناصر وهو حائر. «حرب الاستنزاف» أكثر ما يستطيعه في الحرب. أمّا السلم فيردعه عنه تاريخه والآمال التي أطلقها وضخّمها هو نفسه فصارت قيدًا عليه. أنور السادات غادر المأزق بـ «حرب تحريك» في 1973 جرّ فيها وإليها حافظ الأسد، «الذكيّ» و «الاستراتيجيّ العبقريّ»، ثمّ توّج تحريكه بكامب ديفيد. هكذا انخرط في السلام المتنُ الأعرض للسنّيّة العربيّة، أي مصر. بعد 15 عامًا، انخرط المتن الفلسطينيّ الأعرض ممثّلًا بـ «منظّمة التحرير». بعد عام لحق بها الأردن. العالم العربيّ ممثّلًا بدوله وقواه الأبرز لم يعد بعيدًا من هذه الوجهة: علاقات تجاريّة مع الدولة العبريّة من هنا، و «حوار» من هناك... حركة «حماس» بدت نافرة جدًّا.

لغة «قبضاي الضيعة الفشّاط» صارت، في ما بعد، لغة أقليّةً، ولغة إيرانيّة. من «يا قدس إنّا قادمون» إلى «الانتصار الإلهيّ» مسيرةٌ من المزايدات توسّطها حلول المقاومة الشيعيّة اللبنانيّة محلّ المقاومة السنّيّة الفلسطينيّة. هذا الاستبدال، الذي استفاد من غزو 1982 الإسرائيليّ، رافقه دم كثير في طرابلس والمخيّمات ومناطق كثيرة من لبنان.

السلوى الدمويّة بحياة الفلسطينيّين وبالحقّ الفلسطينيّ، لتسمين نظامي الأسد والخامنئي، صارت مكشوفة جدًّا، لا سيّما حين غدت كلّ قرية في سوريّة يحجّ إليها مقاتلو «حزب الله» «طريقًا إلى القدس». لكنّ اللعبة الآن أخطر كثيرًا من ذي قبل: الإسرائيليّون متخوّفون من تمدّد إيرانيّ إلى سوريّة تكرّسه الصيغ النهائيّة التي سترسو عليها الخريطة واقعًا نهائيًّا. الأميركيّون والأتراك، والروس في أغلب الظنّ، يشاركون الإسرائيليّين موقعهم وموقفهم. فوجود إيران الدائم في سوريّة، ووجود امتدادها «حزب الله»، مصغّرٌ عن الصواريخ السوفياتيّة في كوبا قبل أكثر من نصف قرن. هذا الوجود، كتلك الصواريخ، ينبغي أن يُسحب. إنّه من المعطيات الاستراتيجيّة الكبرى التي تستجرّ الحروب، والحرب المحتملة اليوم، ضدّ النفوذ الإيرانيّ، قد تدور فوق رؤوسنا، وفي الوقت عينه برؤوسنا.

يبقى أنّ إسرائيل، الشرّيرة والاستيطانيّة، لديها القدرة على إنزال الأذى بلبنان على النحو الذي هدّدنا به نفتالي بينيت. لا «قبضاي الضيعة الفشّاط» يردعها عن ذلك، ولا أخلاقها هي بالطبع. لهذا نحتاج اليوم إلى قدر من العقل والنزاهة يفوق ما احتجناه في أيّ وقت مضى. وهذا حتّى لا نموت فدى الرغبة الإيرانيّة بالتوسّع، المصحوبة بالرغبة الأقلّيّة في المزايدة على الأكثريّة. أمّا الطفلان، اللذان تشرّبا «ثقافة المقاومة»، فأفضل لهما أن يتناولا عشاءهما باكرًا قبل أن يبرد، وأن يعزفا عن تحرير فلسطين.
*
الحياة، 14 مارس 2017


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام