منتهى العجب في أحوال العرب

لقد أغرقنا الاستبداد ”الثوري“ العربي في بحر من الجهل بإشاعة الشعارات العاطفية المستندة إلى بلاغة عربية تليدة وبليدة

بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني

يكاد المرء يُصاب بمرض عضال من الملل، إن لم يكن مرضًا مزمنًا من الخجل، وذلك من جرّاء التكرار والاجترار...

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

لا يصلح الناس فوضى

كَيْفَ الرَّشادُ إذا ما كُنْتَ فِي نَفَرٍ لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلالٌ وَأَقْيادُ.

14 مارس 2017

فلنحرّر فلسطين فيما الماما تحضّر العشاء


مختارات صحفية:

السلوى الدمويّة بحياة الفلسطينيّين وبالحقّ الفلسطينيّ، لتسمين نظامي الأسد والخامنئي، صارت مكشوفة جدًّا، لا سيّما حين غدت كلّ قرية في سوريّة يحجّ إليها مقاتلو «حزب الله» «طريقًا إلى القدس».


حازم صاغية ||

فلنحرّر فلسطين فيما الماما تحضّر العشاء



ذات يوم في السادسة مساء، سيقول طفل لأخيه التوأم فيما هما يلعبان: «تعال نحرّر فلسطين بينما الماما تحضّر العشاء».

الحوار مُتخيّل طبعًا، لكنّه قد يغدو فعليًّا إذا اتّسعت «ثقافة المقاومة» و«تعمّقت». للتوضيح، «ثقافة المقاومة» لا علاقة لها بالرواية أو الشعر، ولا بالنحت والرسم والسينما والموسيقى... إنّها تستوحي لنفسها المعنى الأنثروبولوجيّ الأعرض الذي يمنح التعبير دلالة تقارب طريقة الحياة.

وطريقة حياتنا يراد لها أن تغدو هكذا: نافذ إيرانيّ يقول إنّه يقضي على إسرائيل بسبع دقائق ونصف. نافذ لبنانيّ يهدّد بقصف المفاعل النوويّ في الدولة العبريّة. نافذ عراقيّ أشدّ تواضعًا يكتفي بإبداء الرغبة في تحرير الجولان السوريّ المحتلّ...

«العفو عند المقدرة» لم يعد من شيمنا.

وأمّا والحال هذه، فلا بأس بالمصارحة: لقد كان أحمدي نجاد يسلّينا أكثر. كان يحلم ويأتينا بلوحات سورياليّة للسياسة والمستقبل. كان يستنزل الأنبياء والرسل إلى ساحات القتال، وكان في وسعه أن يسبغ بعدًا ملحميًّا يفتقر إليه الآخرون... الواقعيّون!

طريقة الحياة هذه تنضح بسلوك هو سلوك «قبضاي الضيعة الفشّاط». وقد سبق مرارًا أن رأينا «القبضاي» هذا يعمل بكامل طاقته. عشيّة حرب 1948، مثلًا، قال شكري القوتلي للحاج أمين الحسيني إنّ كلّ ما نحتاجه للحرب بضع مكانس لكنس اليهود. وفي 1964 جزم أمين الحافظ، أوّل رؤساء البعث في سوريّة، بأنّ أربعة أيّام أكثر من كافية لتحرير فلسطين. ولطالما غنّينا، مع محمّد عبدالوهاب، قول علي محمود طه: «صبرنا على ظلمهم قادرين...» (أي بترجمة عامّيّة: انهزمنا أمامهم حتّى نشوف شو رح يطلع منهم).

هذا السلوك ليس جديدًا. الجديد فيه أبطاله. بعد هزيمة 1967، غادرنا جمال عبد الناصر وهو حائر. «حرب الاستنزاف» أكثر ما يستطيعه في الحرب. أمّا السلم فيردعه عنه تاريخه والآمال التي أطلقها وضخّمها هو نفسه فصارت قيدًا عليه. أنور السادات غادر المأزق بـ «حرب تحريك» في 1973 جرّ فيها وإليها حافظ الأسد، «الذكيّ» و «الاستراتيجيّ العبقريّ»، ثمّ توّج تحريكه بكامب ديفيد. هكذا انخرط في السلام المتنُ الأعرض للسنّيّة العربيّة، أي مصر. بعد 15 عامًا، انخرط المتن الفلسطينيّ الأعرض ممثّلًا بـ «منظّمة التحرير». بعد عام لحق بها الأردن. العالم العربيّ ممثّلًا بدوله وقواه الأبرز لم يعد بعيدًا من هذه الوجهة: علاقات تجاريّة مع الدولة العبريّة من هنا، و «حوار» من هناك... حركة «حماس» بدت نافرة جدًّا.

لغة «قبضاي الضيعة الفشّاط» صارت، في ما بعد، لغة أقليّةً، ولغة إيرانيّة. من «يا قدس إنّا قادمون» إلى «الانتصار الإلهيّ» مسيرةٌ من المزايدات توسّطها حلول المقاومة الشيعيّة اللبنانيّة محلّ المقاومة السنّيّة الفلسطينيّة. هذا الاستبدال، الذي استفاد من غزو 1982 الإسرائيليّ، رافقه دم كثير في طرابلس والمخيّمات ومناطق كثيرة من لبنان.

السلوى الدمويّة بحياة الفلسطينيّين وبالحقّ الفلسطينيّ، لتسمين نظامي الأسد والخامنئي، صارت مكشوفة جدًّا، لا سيّما حين غدت كلّ قرية في سوريّة يحجّ إليها مقاتلو «حزب الله» «طريقًا إلى القدس». لكنّ اللعبة الآن أخطر كثيرًا من ذي قبل: الإسرائيليّون متخوّفون من تمدّد إيرانيّ إلى سوريّة تكرّسه الصيغ النهائيّة التي سترسو عليها الخريطة واقعًا نهائيًّا. الأميركيّون والأتراك، والروس في أغلب الظنّ، يشاركون الإسرائيليّين موقعهم وموقفهم. فوجود إيران الدائم في سوريّة، ووجود امتدادها «حزب الله»، مصغّرٌ عن الصواريخ السوفياتيّة في كوبا قبل أكثر من نصف قرن. هذا الوجود، كتلك الصواريخ، ينبغي أن يُسحب. إنّه من المعطيات الاستراتيجيّة الكبرى التي تستجرّ الحروب، والحرب المحتملة اليوم، ضدّ النفوذ الإيرانيّ، قد تدور فوق رؤوسنا، وفي الوقت عينه برؤوسنا.

يبقى أنّ إسرائيل، الشرّيرة والاستيطانيّة، لديها القدرة على إنزال الأذى بلبنان على النحو الذي هدّدنا به نفتالي بينيت. لا «قبضاي الضيعة الفشّاط» يردعها عن ذلك، ولا أخلاقها هي بالطبع. لهذا نحتاج اليوم إلى قدر من العقل والنزاهة يفوق ما احتجناه في أيّ وقت مضى. وهذا حتّى لا نموت فدى الرغبة الإيرانيّة بالتوسّع، المصحوبة بالرغبة الأقلّيّة في المزايدة على الأكثريّة. أمّا الطفلان، اللذان تشرّبا «ثقافة المقاومة»، فأفضل لهما أن يتناولا عشاءهما باكرًا قبل أن يبرد، وأن يعزفا عن تحرير فلسطين.
*
الحياة، 14 مارس 2017

مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • هل البطون والأفخاذ عورة؟

    يتّضح ودون لفّ أو دوران أنّ مصطلح "الشّعب"، فيما يخصّ حضارة العرب لا يعني شيئًا سوى القبيلة. وما لم يواجه العرب هذه الحقيقة، والعمل على تغيير وتبديل هذا الدّيسك الّذي يعمل به حاسوبهم الذّهني...
نصوص نثرية
  • خيوط دخان

    البحث عن المكان هو بحث عن ساكن المكان، صائتًا كان أم صامتًا، رائدًا كان أم جامدًا. الصّامت صائتٌ من حيث هو يُخبر عن حاله بصمته، والرّائد يبحثُ عن أصوات جمدت أصداؤها في حجر، في أثرٍ باقٍ رغم تبدُّل السّنين والأعوام...
    تتمة الكلام

  • كيف يقولون "بدو" بالعبرية؟

    في المعبر الحدودي بين الأردن وإسرائيل، وضمن إجراءات عاديّة، يُنزلك سائق التّاكسي عند نقطة الجمارك لتنتقل عبرها مع حقائبك إلى الطّرف الآخر، ثمّ لشبّاك دفع رسوم المغادرة. من هناك تدلفُ إلى المخرج، حيث موقف الباص الّذي سيعبر بك الجسر والنّهر...
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
شعر
  • قصيدة ليست وطنية

    ما كُلُّ، مَنْ وَصَلَتْ
    أَخْبارُهُ الشُّهُبَا،
    فِي قَوْلِهِ أَلَقٌ، أوْ ضَاءَ
    مَا كَتَبَا.

    لكِنَّهُ، يَحْذقُ التَّلْمِيعَ
    فِي صُحُفٍ.
    بَاخَتْ ثَقَافَتُهَا
    وَاسْتُسْخِفَتْ نَسَبَا.
  • دوائر عربية

    عَفْوًا، سَئِمْتُ.
    سَأَرْحَلُ صَوْبَ الغُرُوبِ،

    أُبَدِّلُ

    ما كانَ أَثْقَلَ
    كاهِلِي. حَيْثُ النَّوائِبُ

    تَنْزِلُ
    تتمة الكلام
  • رحلة صوفية

    خُذُوا مِنِّي التِّلالَ،
    وَزَوِّدُونِي بِمَا يَكْفِي مِنَ
    القَلَقِ الدَّفِينِ.

    سَئِمْتُ مِنَ التَّرَدُّدِ
    فِي بِلادٍ، رَمَتْ حُلُمِي
    بِمَاءٍ مُسْتَكِينِ.




موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


شؤون محلية
  • أحلام اليقظة

    منــذ انتخابه لرئاسة الحكومة لم ينحرف الابن بنيامين عن هذه الرؤية. يمكن القول إنه في كل مــا يتعلق بالســلام بين اسرائيل والدول العربية، توجد لرئيــس الحكومة عقيــدة ثابتة اســتوعبها فــي بيــت والــده...
    تتمة الكلام

  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

  • خفايا اليسار الفلسطيني

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...

أرشيف الجهة

 
مختارات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

ترجمات عربية
  • قصائد هايكو

    لِرُؤْيَتِي طَاعِنًا فِي السّنّ،
    حَتَّى البَعُوضُ يَهْمِسُ
    قَرِيبًا مِنْ أُذُنِي.


  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي.

    تتمة الكلام


  • ألجير

    لو كان لي طفلةٌ أُخرى
    لأطلقتُ عليها اسمَ "ألجير"
    وَلكُنتُمْ سَتَحْنون أمامي الطّواقي الكولونياليّة
    وتُكَنّونني "أبو أَلْجيرْ" ...
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن

  • مواضيع مختارة


تصميم: SM
حقوق محفوظة © من جهة أخرى