السياسة والأخلاق في سوريا

مختارات صحفية

لقد فضحت المأساة السورية الجميع. وعنوان الفضيحة له اسم واحد هو الأخلاق.

الياس خوري ||

السياسة والأخلاق في سوريا


مجزرة الغوطة لن تتوقف، فالعالم لا يبالي، والرأي العام في بلاد العرب دخل في سبات الانحطاط الشامل، والشعب السوري تحوّل إلى ضحية، والدم سوف يتابع النزف إلى ما لا نهاية.

يستطيع المحلل السياسي أن يعزو هذه اللامبالاة المرعبة إلى تعقيدات الوضع السياسي في منطقة صارت ملعبا مفتوحا للقوى الإقليمية والدولية: إيران وإسرائيل وتركيا، وللدولتين العظميين: الاتحاد الروسي والولايات المتحدة. كما نستطيع أن نشرح هذا التفكك المخيف بالعودة إلى مقولة انهيار الحركة القومية التي افترسها الاستبداد، وإلى صعود الأصوليات المختلفة، من الأصولية الشيعية الإيرانية إلى الأصولية السنية الوهابية.

هذه العوامل المجتمعة هي المدخل المنطقي لقراءة سياسية لخريطة الموت العربية التي صارت سوريا تجسيدها ورمزها، لكن هذه القراءة سواء قام بها الأصوليون أو القوميون، اليساريون أو اليمينيون، تهمل الجانب الأكثر أهمية الذي تؤشر له المقتلة السورية والانهيار العربي الشامل، وهذا الجانب له اسم واحد هو الأخلاق.

فالسياسة إذا جردت من بعدها الأخلاقي تتحول إلى ملعب للحمقى والنصابين والقتلة والأغنياء الجدد.

تعالوا نتوقف عند ظاهرة لا يعيرها التحليل السياسي أي اهتمام، وهي هذا الاجماع المريب بين أقصى اليمين الشعبوي الأوروبي وبين أقصى اليسار على دعم بشار الأسد. أستطيع أن أفهم ميل اليمين الفاشي الأوروبي لدعم الأسد عبر إعادته إلى الإسلاموفوبيا والعنصرية وكراهية الآخر. ففي عُرف الفاشيين فإن الوسيلة الأمثل لترويض الشعوب هي سحقها. وهذا اليمين مخلص لمقولاته، فالنظام الاستبدادي في سوريا هو الأفضل، لأنه يساهم في المعركة الهوياتية العنصرية التي يخوضها الفاشيون الأوروبيون ضد المهاجرين.

أما اليسار أو لنقل بعض اليسار فإن موقفه قائم على معادلة سياسية تبسيطية، فهو يعتقد أن الوقوف إلى جانب الأسد ونظامه هو موقف ضد الامبريالية الأمريكية. موقف هذا اليسار، الذي أصيب بالعماء، ليس بعيدا عن تراث يساري أوروبي كان في تاريخه جزءا من الكولونيالية الأوروبية، وقد قدم نسخته الكولونيالية الخاصة انطلاقا من فكرة التقدم والتحديث. كما أن مواقفه ذات صلة وثيقة بالتراث الاستبدادي الذي أسسته الستالينية في الاتحاد السوفياتي.

التقاء الضدين اليميني واليساري لا يقل بشاعة عن التقاء الأضداد الإقليميين والدوليين الذين تصارعوا طويلا على ضرورة إخراج الشعب السوري من المعادلة السياسية تمهيدا لتقاسم النفوذ في البلد المنكوب.

مواقف الدول الإقليمية والامبرياليتين المتصارعتين واضح لا لبس فيه، وإذا كانت همجية البغدادي ودولته قد ألقت لهم حبل النجاة التي سمحت بتحالفهم اللدود، فإن ما يجب فهمه وتظهيره هو الموقف اليساري دوليا وعربيا، من تونس إلى فلسطين ومن فرنسا إلى المانيا، وهو موقف يستحق التوقف عنده، لأنه يقدم درسا بليغا لمصائر الأفكار الكبرى في زمن العولمة وسيادة التفاهة الفكرية.

هذا الموقف يطرح سؤال العلاقة بين السياسة والأخلاق.

ما لم تفهمه هذه الشريحة من اليسار هو أن اليسار خرج من المعادلة السياسية، وهو في حاجة إلى مراجعة جذرية لتاريخه وسياساته وفهمه لمعنى السياسة، قبل أن يستطيع العودة إلى لعب دور سياسي، واستعادة قدرته على تمثيل مصالح الشرائح الاجتماعية المفقرة والمهمشة، التي استولى عليها اليمين، سواء أكان يمينا فاشيا في أوروبا أو يمينا إسلاميا في المشرق العربي.

قد تكون هذه الاندفاعة إلى تأييد نظام استبدادي قاتل هي ترجمة للبحث عن دور مفقود. هكذا على سبيل المثال يلجأ بعض اليساريين اللبنانيين إلى عباءة الأصولية الشيعية المتمثلة بحزب الله، ويضفون على هذا الحزب سمات لا علاقة له بها، متناسين حقيقة تاريخية صارخة، وهي أن أيدي الأصوليين ملطخة بدماء الشيوعيين ومناضلي جبهة المقاومة اللبنانية، وأن تصفية اليسار اللبناني تمت على أيدي النظام السوري وحلفائه الأصوليين.

قد يُقال إن المعركة معقدة وأن الأولوية اليوم هي لصد التكفيريين، لكن هذا الصد الذي يحصل هو نتاج تعاون أمريكي روسي إيراني، ولا علاقة له باليساريين، الذين يكتفون بالتصفيق، أو قد يقال إن الأولوية اليوم هي لمقاومة إسرائيل، والجميع يعلم أن دور النظام السوري في سحق المقاومة الفلسطينية في لبنان كان متناغما مع الدور الإسرائيلي.

هذا اليسار الذي يتلطى خلف تحليلات سياسية مثقوبة وواهية لا يريد أن يعترف بأن استعادة دوره لا تتم بمواقف بهلوانية ودونكيشوتية، بل هي نتاج عملية تراكمية تبدأ من إعادة بناء موقف أخلاقي واضح المعالم، يكون قاعدة الموقف والممارسة في العمل السياسي.

لقد فضحت المأساة السورية الجميع. وعنوان الفضيحة له اسم واحد هو الأخلاق.

الفشل السياسي يمكن تجاوزه، أما الفشل الأخلاقي فهو داء مستعصٍ وهو يعلن نهاية مرحلة كاملة، تجرجرت طويلا في مهاوي التسويات مع المستبدين، وسقطت في النهاية في أحضان الجريمة.

ربما لا يملك أحد جوابا سياسيا على هذه المجزرة السورية المستمرة منذ سبع سنوات، فالنقاش السياسي حول مصير سوريا ومعها مصير بلاد الشام بأسرها خرج من أيدي شعوب المنطقة، وصار جزءا من مجزرة القيم في عالم اليوم.

لكن الجواب يبدأ من مكان واحد هو تأسيس موقف أخلاقي ضد الاستبداد والقمع والأصولية والعنصرية، ودفاعا عن حق الإنسان في الكرامة والحرية. كل كلام آخر مصنوع من ألاعيب السياسة وحربائية المؤدلجين وثعبنة الانتهازيين والقتلة، ليس سوى غرق في المستنقع.

وإذا لم يتأسس موقف ديمقراطي علماني يساري جديد على هذه القيم، فهذا يعني أن مجتمعاتنا استسلمت للهباء.
الغوطة هي فضيحتنا الأخلاقية.
*
القدس العربي

مشاركات:

تعقيبات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • المرأة هي الحل

    لا مناص لنا سوى رؤية عرب اليوم كعربان الأمس حتّى وإن ركبوا الطّائرات وقادوا السيّارات وتشاتتوا في الإنترنت. حتّى أولئك الّذين ولدوا وترعرعوا في دول الغرب لم تتغيّر مفاهيمهم...
  • عنصرية عربية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قضايا محلية
  • شعب واحد أم تشعّبات

    لم يتغيّر شيء في الذّهن العربيّ منذ الجاهليّة الجهلاء. فالوحدة السياسيّة الفاعلة في هذا المجتمع لا تزال إلى يومنا هذا هي وحدة القبيلة، والعشيرة، والحمولة والعائلة.
  • عروس عروبتكم

    منذ العام 67 وبعد حرب حزيران تسيطر إسرائيل على شطري مدينة القدس شرقها بغربها. وبين الفينة والأخرى تطفو على السّطح قضيّة القدس بأبعادها الفلسطينيّة، العربيّة والإسلاميّة.
قضايا ثقافية
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال...

انقر لإرسال إيميل
موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


نصوص شعرية
  • كلام الواحد الثاني

    الحُلْمُ فِي قَفَصٍ
    يَزْقُوهُ صَاحِبُهُ،
    بِفِكْرَةٍ وَقَعَتْ مِنْ
    غَيْمِ نِسْيَانِ.



  • أي، نعم

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.

    فَأَنَا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ
    أَقِدُ الحَسْرَةَ فِي قَلْبٍ، وَفَمْ


  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.



أرشيف الجهة

 
دراسات
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • إيلوهيم في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."

  • الإسراء إلى هيكل سليمان

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
نصوص نثرية
  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة. اليد التي ارتفعت بحركة بطيئة وأمسكت بطرف منها ودّت أن تفعل هذه السّتارة أمرًا ما؛ أن لا تسمح مثلاً...
  • كل الطيور تؤدي إلى روما

    كنت لا أزال طفلاً يافعًا، ولم تكن تنقصني سذاجة من سذاجات تلك الأيّام الغابرة. آنذاك لم يخطر أبدًا على بالي العربيّة الغضّة طرفُ خيط أمسك به، أو فكرة تحملني على معرفة النّوايا الخفيّة لأسراب الطّيور الّتي كانت تحطّ في حقول الزّيتون لقرية المغار الجليليّة المطلّة على بحيرة طبريّة...
  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
ترجمات
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
لغات أخرى