الوطن ضد المواطن


مختارات صحفية:


أما إذا خطر في بال هذا الكائن البائس أن يتطاول على أسياده القادة، فالتجارب الحديثة معروضة أمامه لتخبره عواقب التمرد.

حسام عيتاني ||

الوطن ضد المواطن


في بلادنا، غالبًا ما ينتصر الوطن على المواطن. الأول هو مكان يعيش فيه سعيدًا ويحكمه مديدًا القائد- الرمز- الضرورة، الذي بعثه الخالق أو القدر أو التاريخ لينقذ هذه النواحي المهدّدة من أعداء الخارج وعصاة الداخل. جسامة المهمة التي يحملها الحاكم على كاهله وخطورة الأوضاع التي يأتي لتغييرها تجعله خارج النقد والمحاسبة والمساءلة، على ما ينبغي أن يخضع له خلق الله القانون.

المواطن، في المقابل، هو ذلك النكرة الذي لا معنى لحياته ولا لكرامته والذي قد يموت دهسًا في الطريق أو غرقًا في مركب مهاجرين، من دون أن يُعرف له أصل أو فصل ومن دون أن يطالب أحد بالعدالة له وإنزال العقاب بقتلته أو بمن يستغله حيًا وميتاً. رقم زائد في لوائح الناخبين الغفل. واسم لا يعني شيئًا في قوائم الضحايا المجهولين.

الوطن في هذه الخريطة لا علاقة له بالمواطن وإن تشابه اللفظان. الوطن يتعرض لمؤامرات الأعداء حتى لو كانوا يدفعون بلايين الدولارات كمساعدات سنوية وحتى لو كان التنسيق الأمني معهم يجري في المسائل الأكثر حساسية، وتُعقد معهم الصفقات الضخمة التي يقول البعض إنها تمتهن كرامة الوطن قبل اقتصاده. لكن ضرورة إنقاذه من المؤامرات تُملي تمسك الحاكم بالسلطة ولو كان يفتقر إلى أي شكل من أشكال البرامج المستقبلية والرؤى لما يجب أن تكون عليه أحوال المواطن بعد عام أو عامين.

فالقائد يقود، ولا يلقي بالًا إلى صغائر وتوافه من نوع التعليم والصحة والسياسة. لو فعل ذلك لما كان قائدًا ولتحول إلى رئيس عادي مثله مثل رؤساء تلك الدول السخيفة التي تعتبر أن مشاغلها الأساسية هي ضمان صحة ورفاه وتعليم وعمل مواطنيها. كيف لقائد أن ينزل إلى مستوى الرئيس- الموظف الباحث عن حلول لمشاكل الإسكان والبيئة والطاقة؟ لا! القائد شخص مختلف تمام الاختلاف. مهمته هي إفشال المؤامرات وتحقيق المكاسب الإستراتيجية التي، وإن لم يفهمها المواطن الجاهل، إلا أنها ترفع من شأن البلاد عاليًا وتضعها في مصاف الدول الكبرى!

وما على المواطن إلا تفهّم هذه الحقائق وإن أعاقت بساطة تفكيره قدرته على إدراك الجوانب العميقة من خطة القائد. أما إذا خطر في بال هذا الكائن البائس أن يتطاول على أسياده القادة، فالتجارب الحديثة معروضة أمامه لتخبره عواقب التمرد. وإذا كان قادة الخمسينات والستينات العرب قد اكتفوا بالسجون وبزنازين المعتقلات لإفهام من يصعب الفهم عليه بأهمية عمل القائد وسمو مصلحة الوطن التي لا يفقهها إلا القائد، على كل مصلحة أخرى، فإن قادتنا الحاليين طوروا أساليب إقناعهم لتشمل الغازات الكيماوية والتغيير الديموغرافي والتطهير العرقي والطائفي. لكنهم، وبصفتهم ورثة أمناء لتقاليد الماضي المجيد، احتفظوا بالانتخابات كوسيلة لا غنى عنها يمنح بها القائد الشرعية للوطن، وليس العكس، كما اقترح ذات تنوير كتاب ومفكرون لم يعرفوا بواطن الأمور في بلادنا التي صنعت الحضارة ولا تحتاج إلى أفكار معلبة ومستوردة. فالشرعية، لا تصدر فقط من فوهة البندقية كما قال مؤسس الصين الشعبية. الشرعية تصدر من بين شفتي القائد أولاً. ولا بأس إذا جاءت البندقية لتؤكد ما تفضل به.

وهكذا تمضي أيامنا في سعادة متصاعدة من انتصار إلى إحباط مؤامرة إلى التصدي لعدوان غاشم. فلا يبقى لدينا إلا الموت فرحًا في أوطاننا المنصورة وتحت صور قادتنا الخالدين.
*
الحياة

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

أصوات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • روبرت فروست

    يَقُولُ البَعْضُ: سَيَنْتَهِي العَالَمُ بِالنّارِ،
    وَالبَعْضُ يَقُولُ: بِالجَلِيدِ.

    مِمَّا كُنْتُ ذُقْتُ مِنَ الأَشْواقِ
    أَمِيلُ إلَى رَأْيِ القائِلِينَ بِالنّارِ.
  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك

    زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء من العالم هنا الآن

  • مواضيع مختارة