18 يوليو 2018

حسن خضر || عن الطائرات الورقية، وبلاغة اللغة اليومية

مختارات -


حسن خضر ||

عن الطائرات الورقية، وبلاغة اللغة اليومية


في الصورة التي نشرتها، يوم أمس، منابر إعلامية محلية، نرى شبانًا ملثمين، في غزة، يقفون صفًا واحدًا وراء طائراتهم الورقية، كما يفعل الجنود في العروض العسكرية، مع فارق أن أسلحة الجنود من نوع مختلف، وهم يتقدمونها. والواقع أن الصورة أقرب إلى حملة الدروع في أزمنة قديمة.

على أي حال، في الأمر مُفارقة غريبة، فإسرائيل بصدد إطلاق مركبة فضائية في أواخر العام، أو مطلع العام القادم. المفارقة أن أكثر الأسلحة بدائية، في الكون، تناطح دولة على عتبة غزو الفضاء. وثمة، هنا، ما يحيل، إلى عناد من طراز فريد في مجابهة غير متكافئة، حتى في ظل أكثر الحسابات مرونة وأريحية. في مجابهة كهذه، في عالم ما قبل ترامب، يحتل داود الصغير، ومقلاعه، مكانة أخلاقية أعلى من عملاق مفتول العضلات، ومُفزع في عدوانيته، كغولياث. ولكن الزمن تغيّر.

ومع ذلك، لن يتمكن أحد من تجاهل دلالة المشهدية في الطقس والصورة، معاً. فقد فعل هؤلاء ما فعلوا: حضّروا طائراتهم الورقية، وتلثموا، واصطفوا، من أجل الكاميرا، في زمن الصورة، والفضائيات، والأنترنت، والواقع الافتراضي. وبالعودة إلى مارشال ماكلوهن، وفرضياته عن الصورة في زمن التلفزيون، فقد فعلوا ما فعلوا بما يجعل الوسيلة والرسالة شيئًا واحدًا.

في الصورة رسالة مثلّثة الأضلاع: لأنفسهم أولاً، وللإسرائيليين ثانياً، وللعالم ثالثاً. وما يعنينا الأكثر رومانسية بينها: رسالة المُصوَّر، بوصفه الرسالة والرسول، إلى نفسه، في لحظة استثنائية تجمِّد فيها الكاميرا ما تُنجب التجارب الرضيّة، من مبالغة في التحدي والعنفوان.

وهم بهذا يعيدون تذكيرنا باليهود الإسرائيليين، الذين ورثوا تجارب رضيّة، وجراح نرجسية، من قرون طويلة مُثقلة بالضحوية، فعبدوا القوّة، وأفرطوا في التحدي والعنفوان، وتجاهلوا الفرق بين أوروبيين نكلوا بهم في أوروبا الشرقية والوسطى، وفلاّحين فلسطينيين أبرياء، في آسيا الغربية، لا ناقة لهم في هذا كله ولا جمل.

وكما أن الإفراط في عبادة القوّة، لا يمكّن الإسرائيليين من تمويه التناقض بين الضحوية، والحضور السافر والكثيف للقوّة، فإن المبالغة لا تمكّن الشبّان الملثمين من تمويه الغياب السافر والفادح للقوّة، بالتحدي والعنفوان، بقدر ما تجعل من الضحوية نفسها ضبابية، ومن "المقاومة" بوصفها "سلمية" مسألة إشكالية في أفضل الأحوال.

ومن المؤكد أن الشحنة الرمزية العالية، في لحظة جمدتها عين الكاميرا، في الزمان والمكان، تحظى بشعبية واسعة في أوساط الفلسطينيين والعرب. وهناك ما لا يحصى من مشاهد الحرائق، وتصريحات الإسرائيليين عن الأضرار التي لحقت بهم، والتي يمكن للمُصِّورين والمُصوَّرين الاعتماد عليها في معرض التدليل على المعنى والجدوى. مع ملاحظة مبالغة الإسرائيليين، لأسباب دعائية وسياسية، في الكلام عن الأضرار.

بيد أن كل ما زاد عن حده انقلب إلى ضده، كما تقول العرب، فإذا كان ثمن إحراق حقل هنا، أو هناك، مقتل طفلين في ساحة الكتيبة، في غزة، كما حدث قبل أيام، أو قتل متظاهرين على السياج، في تقليد يوم الجمعة، فإن حياة الطفلين، وحياة آخرين على السياج، أهم ألف مرّة من الصور والحرائق. وهناك آلاف الأشخاص الذين كان يمكن أن يكونوا أحياء، أو غير جرحى، أو معاقين في غزة الآن، لو كانت الحسابات منذ انقلاب حماس أقل فئوية، وأبعد نظراً، أو حتى أكثر شفقة على الناس.

بمعنى آخر، ولنبق في موضوع الدلالات، ما بدا، على الأرجح، كابتكار من جانب شخص ما، وربما بالصدفة، وعن طريق التجربة والخطأ، من نوع أن طائرة ورقية يمكن أن تقودها الريح إلى مكان آخر، وأن تشعل حريقًا هناك، سرعان ما تحوّل إلى ترس في آلة سياسية، ودعائية، أقل براءة، وأكثر تعقيدًا منه. ولكي يصبح ترسًا كان عليه أن يكون طقساً، مع كل ما في الطقوس من بلاغة ومشهدية، وما لها من قيمة تبادلية في سوق السياسة.

لم تتأخر البلاغة كثيراً، فبعد الحرائق الأولى الناجحة، سرعان ما تعسكرت اللغة، وأطلق صانعو الطائرات على أنفسهم، أو أُطلقت عليهم من جانب بيروقراطيين، وراء مكاتب، يشتغلون بالدعاية، تسمية ذات دلالات حربية، ومهيبة، في آن، من نوع: "وحدة الطائرات الورقية".

أذكر، في زمن بعيد مضى، في الأيام الأولى للانتفاضة الأولى، أن عددًا من المعنيين، في مكان بعيد، أدار على مدار أيام جلسات نقاش مُضنية حول معنى ما يجري في الضفة الغربية وقطاع غزة، في تلك الأيام، وخرج بتوصيات منها، وبقدر ما يتعلّق الأمر بموضوعنا:
 حماية الانتفاضة من احتكار الفصائل، ومن تحويلها إلى جزء من الحسابات الفئوية لهذه الجماعة أو تلك، ناهيك عن الحيلولة بكل طريقة ممكنة دون عسكرتها، وسقوطها في جماعات سرعان ما ستتحوّل إلى ميليشيات. ولم يكن في وسع هذا كله أن يحدث، أي احتكار الفصائل، والفئوية، والعسكرة، والتمركزات الميليشياوية، في سنواتها الأخيرة، دون لغة سبقته، ورافقته، وسوغته، ومكّنته من أسباب النجاح.

لا يُراد للذاكرة، هنا، أن تكون مدخلًا للكلام عمّا حدث في وقت مضى، بل مجرد لفت الأنظار إلى ضرورة إيلاء اهتمام أكبر لمعجم اللغة اليومية للصراع في فلسطين وعليها، وتسليط الضوء على ما تنطوي عليه المفردات، والتجليات البصرية للصراع، من دلالات قد يكون فيها ما يفتح أفقًا جديدًا للتفكير، ويُسهم في إغناء علاقتنا بالواقع، وتحليل ما يحدث لنا، وبنا، ومن حولنا، بعينين أوسع قليلا.
*

نقلًا عن: الأيام



مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
شعر
  • قصيدة ليست وطنية

    ما كُلُّ، مَنْ وَصَلَتْ أَخْبارُهُ
    الشُّهُبَا، فِي قَوْلِهِ أَلَقٌ، أوْ ضَاءَ
    مَا كَتَبَا.

    لكِنَّهُ، يَحْذقُ التَّلْمِيعَ فِي
    صُحُفٍ. بَاخَتْ ثَقَافَتُهَا
    وَاسْتُسْخِفَتْ نَسَبَا.

    تتمة الكلام
  • دوائر عربية

    عَفْوًا، سَئِمْتُ.
    سَأَرْحَلُ صَوْبَ الغُرُوبِ،

    أُبَدِّلُ

    ما كانَ أَثْقَلَ
    كاهِلِي. حَيْثُ النَّوائِبُ

    تَنْزِلُ
    تتمة الكلام
  • رحلة صوفية

    خُذُوا مِنِّي التِّلالَ،
    وَزَوِّدُونِي بِمَا يَكْفِي مِنَ
    القَلَقِ الدَّفِينِ.

    سَئِمْتُ مِنَ التَّرَدُّدِ
    فِي بِلادٍ، رَمَتْ حُلُمِي
    بِمَاءٍ مُسْتَكِينِ.



ترجمات
  • جبران والحلم الصهيوني

    على ما يبدو فإنّ أصداء الأحداث الدامية التي شهدتها البلاد في تلك السنة قد وصلت أسماعه، فيذكر لمحدّثه أنّ بريطانيا لا تهتم لكلّ هذه الدماء المسفوكة: ”في الحقيقة لا تهتمّ بريطانيا فيما إذا قُتل المئات من اليهود والعرب. فهؤلاء هم مجرّد خيوط ضئيلة العدد في عقيدتها السياسية الكبرى“.


  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 
مختارات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص
  • خيوط دخان

    البحث عن المكان هو بحث عن ساكن المكان، صائتًا كان أم صامتًا، رائدًا كان أم جامدًا. الصّامت صائتٌ من حيث هو يُخبر عن حاله بصمته، والرّائد يبحثُ عن أصوات جمدت أصداؤها في حجر، في أثرٍ باقٍ رغم تبدُّل السّنين والأعوام...
    تتمة الكلام

  • كيف يقولون "بدو" بالعبرية؟

    في المعبر الحدودي بين الأردن وإسرائيل، وضمن إجراءات عاديّة، يُنزلك سائق التّاكسي عند نقطة الجمارك لتنتقل عبرها مع حقائبك إلى الطّرف الآخر، ثمّ لشبّاك دفع رسوم المغادرة. من هناك تدلفُ إلى المخرج، حيث موقف الباص الّذي سيعبر بك الجسر والنّهر...
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
أبحاث
  • جذور الإرهاب

    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن