على الرغم من كل ما سبق، فقد حظي المواطنون العرب في إسرائيل بفرصة تولي الإمساك بزمام مصيرهم من خلال انتخابات ديمقراطية. إنّه حق مدني لا يتوفّر في أي مكان في العالم العربي المحيط بهم. ولا يجوز لهم التنازل عن هذا الامتياز.
سلمان مصالحة
مرشد للناخبين العرب في إسرائيل
يُقال عادةً إن الانتخابات المقبلة هي انتخابات مصيرية. والحقيقة التي يجب
أن تُعرض على جميع مواطني إسرائيل، دون تمييز على أساس الدين أو العرق أو
القومية، هي أن الانتخابات في البلاد كانت مصيرية منذ 4 نوفمبر 1995. فما الذي
تغير في هذه الأيام، وما الذي تغير في هذه الانتخابات مقارنة بالانتخابات التي
أُجريت في أعقاب ذلك اليوم الذي اغتيل فيه رئيس وزراء إسرائيل، إسحاق رابين، على
يد قاتل يهودي، محملًا بعبوات مسيحانية ناسفة زوّده بها حاخامات وسياسيون وغيرهم
ممّن يُهرولون ويستلقون سُجّدًا على قبور الأجداد القدماء؟
فمثلما
كانت عليه الحال آنذاك، كذا هي الحال في هذا الأوان: إنّها العبارة نفسها التي لا
تزال تتكرر. وكما هو معروف، فقد برّر القاتل اغتيال رابين بالادّعاء بأن رئيس
الوزراء آنذاك لم يكن يتمتع بأغلبية يهودية تسمح له بتنفيذ مبادرات سياسية مع
الجانب الفلسطيني، وذلك لسبب بسيط هو أن حكومته كانت تعتمد على أغلبية مانعة في
الكنيست، تضم نواباً من الأحزاب العربية.
وها هو بنيامين نتنياهو
ذاته، وهو الذي وقف في منتصف التسعينيات من القرن الماضي على شرفة في ساحة صهيون،
يعود من جديد ويطلق في الهواء الحجج ذاتها التي أدت في الماضي إلى اغتيال رابين.
ومرة أخرى، يكرر الحاخامات وغيرهم من أتباع المسيحانية اليهودية نفس النغمة
القديمة بالضبط، ولكن في ثوب مختلف. فالحجة العنصرية المتمثلة في «الأغلبية
اليهودية» التي كانت سائدة في تلك الأيام لم تشهد سوى تحديث شكلي، وأضحت الآن
«الأغلبية الصهيونية».
وفي هذه الأيام، تبنى قادة ما يُسمى بـ«كتلة
التغيير»، الذين يصرّحون برغبتهم في استبدال الحكومة الحالية، حجة «الأغلبية
الصهيونية» وأدرجوها في قائمة شعاراتهم. وإذا ما استشهدنا بكلمات رئيس وزراء
إسرائيلي آخر، هو إسحاق شامير، الذي قال: «البحر هو نفس البحر، والعرب هم نفس
العرب»، فلا يسعنا سوى أن نردّ على هذه الكتلة التي ترفع راية «التغيير» بأن
العنصرية هي نفس العنصرية، والصهاينة هم نفس الصهاينة.
إن وضع
المواطنين العرب، في ظل هذه الأجواء، ليس سهلاً. والسؤال المطروح الآن هو:
كيف سيتصرفون في الانتخابات المقبلة وبعدها، سواء أكانت ستفضي للأفضل أم للأسوأ؟؟
ليس من السهل الإجابة على هذا السؤال. ففي ظل التصريحات المتكررة حول «أغلبية
يهودية / صهيونية»، يتزايد لدى الكثيرين شعور باليأس من السياسة الإسرائيلية،
المشبعة بخطاب الإقصاء العنصري. ناهيك عن أن تجربة الماضي مع النواب العرب في
الكنيست لا تترك مجالاً للتفاؤل. أعترف شخصيًّا بأن شعور اليأس هذا قد انتابني
ذات مرة ودفعني إلى الامتناع عن التصويت في الانتخابات. وفي مناسبة أخرى، دفعني
إلى التمسك بالمبادئ الكبرى والإدلاء بصوتي لصالح حزب معين، على الرغم من أنني
كنت أعلم أنه لن يتجاوز نسبة الحسم الانتخابية.
على الرغم من كل ما
سبق، فقد حظي المواطنون العرب في إسرائيل بفرصة تولي الإمساك بزمام مصيرهم من
خلال انتخابات ديمقراطية. إنّه حق مدني لا يتوفّر في أي مكان في العالم العربي
المحيط بهم. ولا يجوز لهم التنازل عن هذا الامتياز.
لذلك، يتعين عليهم
اغتنام الفرصة المتاحة أمامهم الآن قبل فوات الأوان. فإذا عادت حكومة «اليمين
المتطرف» إلى الحكم في السنوات المقبلة، فقد تسنّ في المستقبل قوانين تمنع
المواطنين العرب من التصويت. وبقدر ما يبدو هذا الأمر لا يقبله عقل راجح، فإنهم
سيبرّرونه بأنّ حق التصويت يقتصر على من يخدمون خدمة عسكرية، أو بأي حيلة صهيونية
أخرى، مثل قانون القومية، وما شابه ذلك.
إنّ توزيع المقاعد الذي يتضح
من استطلاعات الرأي الانتخابية لا يترك خيارًا أمام المواطنين العرب. فهم في
نهاية المطاف معروفون بمشاركتهم العالية في الانتخابات المحلية، والآن أتيحت لهم
فرصة لإثبات أنهم، خلافًا لما درجوا عليه في الماضي، سيتوافدون بأعداد هائلة إلى
صناديق الاقتراع.
ينبغي أن تكون المبادئ التوجيهية لاختيار قائمة
حزبية على النحو التالي: قائمة لا ترفع الشعار العنصري لـ«أغلبية صهيونية»، وترغب
في استبدال الحكومة الحالية، وتضم نساءً في قيادتها وفي مناصب ذات تأثير حقيقي،
وترغب في أن تكون جزءًا من ائتلاف مستقبلي من أجل إحداث تغيير في الخطاب في
البلاد، وتعزيز السلام، وتحمل المسؤولية عن مصير جميع مواطني الدولة.
هذه
فرصة للتغيير قبل أن تقع الكارثة.
*
«هآرتس»، 23/10/26
نشر أيضًا في: شفاف الشرق الأوسط
For
Hebrew,
press here
For English, press here






الماءُ، قِيلَ، أَتَى كَيْ يُنْبِتَ
لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم مرّ الكرام دون حساب أو عقاب. لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم وكأنّ شيئًا لم يكن.

عقب حرب حزيران في العام 1967، أو حرب الأيام الستّة كما شاع اسمها إسرائيليًّا، أو النكسة، كما وسمها الإعلام العربي...

