كيف يقولون "بَدْو" بالعبريّة؟


سلمان مصالحة


كيف يقولون "بَدْو" بالعبريّة؟


في المعبر الحدودي بين الأردن وإسرائيل،
وضمن إجراءات عاديّة، يُنزلك سائق التّاكسي عند نقطة الجمارك لتنتقل عبرها مع حقائبك إلى الطّرف الآخر، ثمّ لشبّاك دفع رسوم المغادرة. من هناك تدلفُ إلى المخرج، حيث موقف الباص الّذي سيعبر بك الجسر والنّهر، عائدًا إلى أرض الوطن المصاب بانفصام مُزمن في الشّخصيّة.


في المحطّة المظلّلة إلى جانب حانوت الـ"ديوتي فري"، أو السّوق الحرّة، جلس بعض النّفر من المسافرين العائدين لتوّهم من الأردن ينتظرون هم أيضًا قدوم الباص لعبور النّهر غربًا. تنتحي جانبًا في أحد المقاعد وتحاول، في دقائق الإنتظار هناك، أن تتفكّر في أمر هؤلاء الّذين ينتمون إلى شعوب مختلفة. أو هكذا على الأقلّ تعرفهم حسب التّسميات الّتي تُسبَغ عليهم في وسائل الإعلام العربيّة أو على ألسنة العامّة هنا وهناك. فمنهم من هو من "عرب إسرائيل"، ومنهم مَنْ هو من "عرب الـ 48"، ومنهم من هو من "العرب اليهود"، ومنهم مَنْ كان قَبْلُ من "فلسطينيّي الدّاخل" حتّى جاءت اتّفاقات أوسلو فتمّت مصادرة هذه التّسمية منهم وانتقلت إلى رعايا عرفات، الّذي تبدو هذه التّسمية أكثر ملائمة له في هذه الأيّام.

تجلس هناك وتتأمّل وجوههم،
وتستمع بين الفينة والأخرى إلى أحاديث هؤلاء النّفر ولغتهم الّتي صارت هي الأخرى خليطًا كتسمياتهم، فحتّى الآن لم تغلب على هؤلاء تسمية واحدة أو لغة واحدة يستطيعون الإلتفاف حولها. فلا وسائل الإعلام العربيّة ولا الغربيّة تساعدهم على الخروج من هذا الجسر الممتدّ بين النّار والنّار في هذا الغور الـمُغبَرّ. ليس هنا فحسب، بل حتّى في أوروپا، على سبيل المثال، لا يعرفون هناك كيف يصنّفون هؤلاء البشر. فإذا كنت تحمل جوازًا إسرائيليًّا ظنّوكَ يهوديًّا، وإذا قلت أنّك عربيّ وفلسطينيّ ظنّوك من مناطق السّلطة لأنّ الفلسطينيّن في نظرهم هم إمّا من غزّة أو رام اللّه أو نابلس، وما العمل وأنت ولدت في وطنك الّذي صار اسمه إسرائيل باعتراف "أمّ الدّنيا" مصر، والأردن، ناهيك عن منظّمة التّحرير الفلسطينيّة في أوسلو.

الباص الّذي أقلّك قبل يومين من الجانب الإسرائيلي 
 إلى الجانب الأردني كان مليئًا رجالاً ونساءًا وأطفالاً، حتّى أنّ البعض وقف في الممرّ بين المقاعد. سائق الباص الأردنيّ لم يشأ التّحرُّك لأنّ التّعليمات تقضي بأنّ يجلس كلٌّ في مقعد، وما على الواقفين إلاّ النُّزول بانتظار الباص التّالي. بلطافةٍ ما طلب السّائق من هؤلاء الواقفين النُّزول غير أنّهم حاولوا إقناعه بأنْ "ياللّه، كلّها مئتين متر، ومشّيها"، وأصروّا على البقاء. جرت مشادّة كلاميّة بينهم وبين السّائق الّذي أصرّ على وجوب نزولهم لأنّ هذه هي التّعليمات، فلم يستجيبوا له. فما كان من السّائق، بعد أن يئس من إقناعهم، إلاّ أن أطلق في وجوههم: سأُحضر إليكم "ناس من جماعتكم" يعرفون كيف يتفاهمون معكم. عاد أدراجه ونزل من الباص، وما انقضت دقيقة حتّى جاءت "من جماعتنا" شرطيّة إسرائيليّة يافعة لم تبلغ بعد العشرين من العمر. صعدت الباص وقالت جملة واحدة بالعبريّة: كلّ من يقف في الممرّات عليه مغادرة الباص. فما كان من هؤلاء الرّجال، الّذين حاولوا من قبل أن يكونوا أشاوس في مجادلة السّائق بالعربيّة، إلاّ أنْ هبطوا يجرّون ذيولهم بين أرجلهم دون أن ينبسوا بحرف.

أنت جالسٌ في مقعدك تتفكّر في هذا المشهد وفي أمر هؤلاء ولا تدري ماذا أنت فاعلٌ، هل تضحك أم تبكي؟ تحاول أن تفهم ما جرى في هذا الباص وتتساءل في قرارة نفسك، هل نحنُ شعبٌ لا يعترفُ بنظام بسيط يُسهّلُ التّعامُل والتّنقُّل براحة، وفقط يُذعنُ لسلطة عسكريّة، وإنْ جاءت هذه السّلطة من صبيّة نحيفة يافعة، وفقط بشرط أن لا تكون عربيّة؟ تتفكّر في أمرهم، أمرك، ولا تحيرُ جوابًا.

في الجانب الإسرائيلي من المعبر الحدودي
هنالك موقف للسيّارات، يستطيع المسافر إلى المملكة الأردنيّة أن يترك سيّارته في المكان لقاء دفع رسوم معيّنة عند عودته. الموقف كان مليئًا بالسّيّارات ما يدلّ على عدد المغادرين إلى الأردن الّذين أبقوا سيّاراتهم هنا، ناهيك عمّن فضّلوا الإنتقال بسيّاراتهم عبر النّهر. يبدو أنّ شيئًا ما حدث لدى هؤلاء جميعًا، فبعد معاهدة السّلام الإسرائيليّة الأردنيّة عزف هؤلاء المتعدّدو التّسميات عن زيارة مصر وانتقلوا إلى زيارة الأردن لأسباب كثيرة، منها القرب الجغرافي، العائلي واللّغوي. غير أنّ السّبب الأهمّ هو كما سمعت غير مرّة هو الجانب التّرفيهي، إذ أنّ غالبيّة هؤلاء يذهبون للحفلات الغنائيّة، وعلى وجه الخصوص السّوريّة واللّبنانيّة، أي الشّاميّة على العموم، لأنّ أهواء هؤلاء وطباعهم شاميّة عابرة لحدود سايكس بيكو.

الطّريق إلى الأردن لمن يحمل الجواز الإسرائيلي تمرّ في نقطتي عبور، واحدة هنا في جسر الشّيخ حسين الواقع شرقي بيسان، والثّانية من إيلات بإزاء العقبة. ولأنّني أسكن القدس منذ ثلاثة عقود، منذ أن أتيت إليها من المغار في الجليل الأسفل المطلّ على بحيرة طبريّة، كان عليّ أن أختار بين حرّين، حرّ وادي العربة، أو حرّ غور الأردن للإنتقال بين هوائين منعشين، هواء القدس وهواء عمّان. في النّهاية قلت أصيب عصفورين بحجر، أمرّ أوّلا لأسلّم على الأهل في المغار فهي ليست بعيدة كثيرًا عن الجسر، ثمّ "أشدّ الرّحال"، كما تقول لغتنا العريقة، مُيمّمًا نحو الأردن.

وها أنت الآن في نقطة العبور
في طريق عودتك من زيارة خاطفة لعمّان. الشّرطي الأردني اللّطيف والبشوش في الجمارك يريد الإستفسار منك عن مسألة واحدة فقط. يتوجّه إليك باسمًا إن كنت تعرف اللّغة العبريّة، فتجيبه بالإيجاب، فيسألك: كيف يقولون "بَدْو" بالعبريّة؟ تفكّر هنيهةً في أمر هذا الشّرطي وفي سؤاله الغريب، وتحاول أن تفهم في قرارة نفسك ماذا يرمي من وراءه. هل يريد الشّرطيّ تعلّم العبريّة منك ومن أمثالك بالمجّان؟ أو ربّما يسألك ليخفّف عن نفسه متاعب وملل الخدمة في هذا المعبر المملّ، ككلّ المعابر الحدوديّة ربّما؟ أم أنّ سؤاله هذا هو فقط مجرّد فذلكات أمنيّة شفّافة، يحاول من خلالها أن يمتحنك فيتعرّف إنْ كنت عابرًا عاديًّا عائدًا إلى وطنه، أم أنّك عابر غير عاديّ يحاول هو الآخر العودة منذ ما ينيف على خمسة عقود إلى مكان ما مُتَخَيَّل لم يعد موجودًا في الواقع عبر النّهر، وهذا شيء آخر قد تكون له تبعات خطيرة وأبعاد سياسيّة، وقد يثير قضايا أمنيّة لا نهاية لها. غير أنّك تتذكّر أنّ الطّريق الواصلة بين الجسر في الغور حتّى الوصول إلى مرتفعات السّلط مليئة بالحواجز العسكريّة الّتي تستوقف السّيّارات بين الفينة والأخرى للتّأكُّد من ركّابها وسائقيها.

كلّ هذه الأفكار
تشغل بالك في لحظة قصيرة، ربّما ثانية خاطفة، وأنت تخطو خطواتك الأخيرة في معبر الشّيخ حسين عائدًا من المملكة الأردنيّة، في حرّ هذا الغور المعهود في شهر آب، إلى وطنك الّذي صار اسمه "دولة الكيان"، أو "دولة العصابات"، كما اعتادت أجهزة الإعلام العربيّة خلال عقود وسمها، إذ أنّ ذكر كلمة إسرائيل قد يشكّل اعترافًا بوجودها، فكيف يصحّ ذلك وهي غير موجودة في الواقع منذ أكثر من خمسة عقود.

***

واسعة الشّوارع، نظيفتها. البناء يعلو تلالها ويهبط وهادها مستعمرًا الصّحراء المحدقة ويبدو أنّه ليس ببعيد العهد وهو شاهدٌ على حركة عمرانيّة كانت حدثت في العقدين الأخيرين. ليس البناء شاهقًا فيسدّ عليك منافذ الرّيح ولا الشّوارع ضيّقة فتُضيق عليك المركبات الّتي تعجّ بها أنفاسك في حرّ آب اللّهّاب. غير أنّي، ولحسن حظّي، وصلتها في يومين اعتدل فيهما الطّقس حتّى أنّ برودة ما، تذكّرك ببرودة جبال القدس، تتسلّل إلى عظامك فتعلو جسدك قشعريرة دافئة وباردة في آن معًا، قشعريرة يبدو أنّها هي الأخرى مصابة بالفصام. لكنّك سرعان ما تكتشف بعد عودتك إلى الوطن أنّها قشعريرة أخرى من النّوع الّذي لا تقرأ عنه عادةً باللّغة العربيّة الّتي اعتمدت المقاومة مهنة أبديّة لها.

هذه هي المرّة الثّانية
الّتي أزور فيها بلدًا عربيًّا. في الثّمانينات كنت زرت مصر مرّتين وعرّجتُ مرّتين على أسوان والأقصر راكبًا القطار اللّيلي من القاهرة متّجهًا نحو صعيد مصر. تلك السّفرة من الثّمانينات كانت لي الإطلالة البكر على العالم العربيّ، فنحن كما يعلم ذوو القربى كنّا مقطوعين ممنوعين، ولا نزال حتّى الآن، من دخول كثير من البلاد العربيّة لأنّنا بقينا في وطننا، أو على الأصحّ أهلنا من قبلنا هم الّذين بقوا في وطنهم قبل أن نولد ولم يغادروه، إمّا عنوة، وإمّا طوعًا بانتظار النّصر القريب زحفًا "على تلال الجليل وكثبان النّقب... في غد مشرق عزيز"، كما رسخت في ذهنك وذاكرتك بلاغة العرب وبلاغاتهم المرقّمة. لقد بقوا في الوطن لحسن حظّهم وحظّنا أجمعين، فوفّروا بذلك على أنفسهم وعلينا مشقّات الزّحف في هذه العقود المنصرمة، كي لا نتحوّل مع مرور الزّمن واستطالة الزّحف إلى زواحف بليغة.

القطار اللّيلي الّذي يخرج من القاهرة مساءً يشقّ طريقه عكس جريان النّيل ليصل إلى مدينة الأقصر في الصّباح التّالي. وما أن تطأ رجلاك أرض المحطّة في الأقصر حتّى ينهال عليك الصبيان من كلّ اتّجاه، هذا يريد سحب حقائبك، وذاك يريد تزويدك ببطاقة فندق، وآخر يريد منك أن تشتري منه شيئًا ما إلى آخره. غير أنّ شيئًا ما غريبًا لفت انتباهك في تلك السّفرة. هؤلاء الصّبية يتوجّهون إليك بتحيّة: "شالون"، وهم يقصدون "شالوم"، أي سلام. كيف يحدث مثل هذا، وأنت تتحدّث إليهم بالعربيّة، كما أنّ سحنتك السّمراء لا تبدو أوروپيّة بأيّ حال؟

تحاول أن تفهم من أين لهم ذلك،
وفقط بعد سنوات من التّفكُّر ورحلتك الثّانية إلى تلك الأصقاع تصل ربّما إلى جواب شافٍ. في تلك السّنوات لم تُشاهد سوّاحًا عربًا من البلاد العربيّة في تلك الأماكن الأثريّة. السّياحة العربيّة تفضّل كباريهات القاهرة، ولا شأن لها بالتّاريخ والآثار. السّواح هنا في الأقصر كانوا كلّهم من الأجانب، والوحيدون الّذين قدموا إلى هناك وتحدّثوا بعض العربيّة بلهجة غير مصريّة جاؤوا من إسرائيل بعد اتّفاق السّلام. هكذا فهمت أنّ حديثي بالعربيّة بلهجة فلسطينيّة، أي شاميّة، هو السّبب في توجّه هؤلاء الصّبية إليّ بتحيّة "شالون". مرّت تلك السّنين وانقضت، وارتسم بعضٌ ممّا جرى فيها في الذّاكرة. وهكذا، وبعد عقدين من الزّمن ينقلب الـ"شالون" هناك إلى "شارون" هنا في الوطن، وهذا الـ"شارون" هو نقيض الـ"شالون" ذاك.

كلّ هذه الهواجس تهجس بك وأنت تعبر الجسر، تركب سيّارات الأجرة لتنتقل من مكان إلى آخر في عمّان وتحاول الحديث إلى السّائقين. أنت لا تخشى الحديث عن أيّ شيء بينما ترى كيف يتململ السّائقون بعدم راحة لظنّهم بأنّ الحديث يتخطّى الحدود المرسومة له. صديقتي الجالسة في التّاكسي تنصت طوال الوقت، وحين يتخطّى الحديث حدودًا مرسومة تحاول من خلال قرصة في كتفي لفت انتباهي أنْ كفى، أو شيئًا من هذا.

وبين هذا وذاك تسمع في حديثهم
بعض الكلمات القادمة من اللّغة العبريّة، ربّما لكثرة لقائهم بـ"عرب إسرائيل" الّذين كثيرًا ما يدبّجون حديثهم بكلمات عبريّة. تقول في نفسك، ها هم سائقو سيّارات الأجرة في عمّان صاروا هم أيضًا من "عرب إسرائيل"، والحبل على الجرّار. تضحك في عبّك، لأنّك تتذكّر كيف قامت قيامة بعض المثقّفين العرب ضدّ ترجمة الأدب العربي إلى العبريّة، ومن بين الحجج الّتي أطلقوها في حينه كانت الحجّة أنّ اللّغة العبريّة هي لغة ميّتة. وها أنت الآن في عمّان وأذناك تسمعان كلمات عبريّة خارجة من سائقي التّاكسيّات، فتتساءل بينك وبين نفسك، مَنْ هو الميّت هنا؟ غير أنّك تعدل عن الحديث المحرج مع السّائقين لتحوّله إلى مسار آخر، فتسأل: لماذا لا نرى أناسًا يبتسمون أو يضحكون في الشّوارع، فيردّ عليك السّائق السّلطي أنّ النّاس هنا لا يعتبرون الإبتسام والضّحك من علامات الرّجولة، إنّما الرّجولة تكون بالتّجهُّم، فتضحكان معًا محاولين إخفاء الضّحك المحظور عرفيًّا عن أعين ركّاب السّيّارات الأخرى في زحمة السّير هذه غير بعيد عن "سوق الحراميّة".


وها أنت تجلس الآن
في مكتبك في القدس وتدوّن هذه الإنطباعات وتقول في نفسك إنّك في المرّة القادمة ستسبق الشّرطيّ في معبر جسر الشّيخ حسين، وقبل أن يفاجئك هو بسؤال، ستفاجئه أنت بسؤالك إيّاه: كيف يقولون "شالوم" بالعربيّة؟

*
نشرت في صفحة أفكار - “الحياة اللندنية”، 7 أيلول 2002

مشاركات:





تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics