‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا عربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا عربية. إظهار كافة الرسائل

السبت، 14 فبراير 2026

تفكيك جنبلاط - وثائق تكشف علاقاته بالمسؤولين الإسرائيليين

سلمان مصالحة

تفكيك جنبلاط - وثائق تكشف علاقاته بالمسؤولين الإسرائيليين  

ولمّا قيل بأنّ الأقربين أولى بالمعروف، فقد وجدت أن لا مناص من البدء بذوي القربى.  فهل آن الأوان الآن لوضع النقاط على بعض الحروف المبهمات فيما يتعلّق بزعامة وليد جنبلاط.

 

مقدمة

لا يخفى على القارئ النبيه بأنّ الزعامات العربية، والوراثية منها على وجه التحديد، هي أحد الأسباب المركزية لفشل المجتمعات العربية في الانتقال من طور الذهنيّة البَرّيّة (بفتح الباء) المُغرقة في القدم إلى مرحلة يمكننا أن نطلق عليها طور الذهنيّة البِرّيّة (بكسر الباء) لمجتمع مُعاصر مُتقدِّم. 

ولمّا قيل بأنّ الأقربين أولى بالمعروف، فقد وجدت أن لا مناص من البدء بذوي القربى.  فهل آن الأوان الآن لوضع النقاط على بعض الحروف المبهمات فيما يتعلّق بزعامة وليد جنبلاط؟

لقد ورث وليد جنبلاط زعامة الحزب التقدّمي الاشتراكي بعد مقتل والده، وسيرًا على نهج العرف العربي التليد والبليد منذ القدم، فقد قام قبل سنوات بتوريث هذه الزعامة المزعومة لابنه. وهنا يطفو على السطح السؤال الذي لا بدّ من طرحه: ما هي هذه «الاشتراكية» وما هي هذه «التقدّمية» في هذا الاسم الفضفاض لحزب توريثي أصلًا؟

سنترك للقارئ النبيه أن يتفكّر في قرارة ذاته بهذه الحال العربية وما جلبته هذه الذهنية التوريثية، أكان هذا التوريث سياسيًّا أم دينيًّا، من كوارث على المجتمعات في مشارق العرب ومغاربهم.

إنّ ما يعنينا اليوم هو ما تتفتّق عنه قرائح هذه الزعامة بعد المجازر التي ارتكبتها في محافظة السويداء فصائل الدواعش وتفريعاتها على اختلاف مسمّياتها بزعامة الجولاني الذي وصل إلى سدّة الحكم في الشام بعد فرار الأسد. 

دمشق: لقاء جنبلاط - الجولاني

لقد سارع جنبلاط في نهاية ديسمبر 2024،  مرفوقًا بوفد من حزبه الوراثي، بالسفر إلى دمشق والالتقاء بالجولاني، سعيًا منه لفتح صفحة جديدة مع النظام السوري الجديد مدفوعًا ربّما بذاكرة اغتيال نظام الأسد الأب لوالده في سبعينات القرن المنصرم.  لقد رأى جنبلاط في سقوط النظام الأسدي فرصة سانحة لتعزيز دوره محلّيًّا وإقليميًّا فسارع إلى الاتصال بحاكم سورية الجديد وترتيب وفد للقاء الجولاني في دمشق. 

غير أنّ رياح الفصائل التكفيرية تجري بما لا تشتهيه سفن الباحثين عن تعزيز زعامات وراثية، وهي زعامات لا تختلف أصلًا عن الزعامة الأسدية الآفلة. إذ إنّ طبع هؤلاء التكفيريّين الذين أوصلوا الجولاني إلى سدّة الحكم لا يمكن أن يتبدّل بين ليلة وضحاه بمجرّد استبدال البزّات العسكرية ببدلات وربطات عنق من صناعات صينية أو غربية. 

وهكذا، لم تمض سوى أيام معدودة حتّى كشفت فصائل التكفير عن أنيابها متذرّعة بتسجيل مفبرك وارتكبت مجزرة بحقّ الدروز في جرمانا وأشرفية صحنايا  بضواحي دمشق. لم تكن هذه أوّل مجزرة ترتكبها هذه الفصائل بحقّ الدروز، فقد عانى دروز جبل السماق في محافظة إدلب بالشمال السوري من فصائل التكفير التي سيطرت على مناطقهم، فقد تعرّضوا هناك للاضطهاد الديني، فحرقت معابدهم وأجبروا على التسنّن تحت وطأة أنياب التكفيريين المُسنّنة. بل وفوق كلّ ذلك فقد ارتكبت الفصائل التكفيرية مجزرة  في بلدة قلب لوزة التي راح ضحيتها العشرات.

مجزرة السويداء

حريّ بنا هنا أن نُذكّر القرّاء العرب، والآخذين بالانقراض في العقود الأخيرة تحت سطوة الفضائيات وتسجيلات الهواتف الخلوية، بأنّ الغالبية العظمى من الدروز في محافظة السويداء كانوا قد امتنعوا عن المشاركة في حرب النظام الأسدي ضدّ السوريين المنتفضين عليه. لقد فضّل هؤلاء البقاء في محافظتهم وعدم المشاركة في سفك الدم السوري. بل وأكثر من ذلك فقد استقبلت المحافظة عشرات الآلاف من السوريين الهاربين من اضطهاد النظام الآفل وحمايتهم. وقد شهدت المحافظة في السنوات الأخيرة قبل سقوط النظام مظاهرات أسبوعية في ساحة الكرامة مطالبة بإسقاط النظام، وكان شعارهم الموروث والمرفوع والمسموع عاليًّا بحناجرهم: «الدين لله والوطن للجميع»، إضافة إلى «واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد». 

غير أنّ كلّ ذلك لم يشفع لأهل محافظة السويداء. وكما أسلفنا فإنّ طبع هؤلاء التكفيريين يغلّب التطبُّع بالبدلات، فسرعان ما عاد هؤلاء التكفيريون إلى طبعهم التكفيري الذي رضع وترعرع على فتاوى تنضح كراهية لكلّ من هو آخر دينيًّا وثقافيًّا، وشحنوا العشائر من كلّ حدب وصوب برفقة فصائلهم الأهلية والأجنبية وجاؤوا لإبادة الدروز في محافظة السويداء. ”جئناكم بالذبح” كان شعار هؤلاء في تسجيلاتهم المصوّرة التي انتشرت في كلّ مكان. 

لقد جاؤوا حقًّا بالذبح مشحونين بفتاوى ابن تيميّة من القرن الثالث عشر، والتي تصف الدروز بأنّهم: «أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب… تُسبَى نساؤهم،  وُتؤخذ أموالهم…  يُقتَلون أينما ثُقِفوا، ويُلعَنون كما وُصِفوا... ويجب قتل عُلمائهم وصُلحائهم». 

لقد كان حريًّا بجنبلاط الذي هرول إلى لقاء الجولاني في دمشق أن يسأل حاكم سورية الجديد عن رأيه وعن موقفه من هذه الفتوى التي يسير على هديها رهطه التكفيري. 

غير أنّ جنبلاط هذا الذي ينصبّ جلّ اهتمامه على تأبيد زعامة المختارة على دروز المشرق، كما يشي هو بين فترة وأخرى، وبدل أن أن يقف في وجه التكفيريين ويشحن هذه الزعامة بمواقف أخلاقية تُحمّل الجولاني وعصاباته مسؤولية المجازر التي ارتكبت بحق الدروز والمسيحيين في السويداء وبحقّ سائر المكونات السورية في الساحل وأماكن أخرى، فقد خرج بتصريحات تكيل اللوم على هبّة دروز إسرائيل دفاعًا عن السويداء وأهلها، حيث  قاموا بالضغط على الحكومة الإسرائيلية بالتدخّل العسكري لوقف هذه المجازر.  

لن ندخل الآن في تفوّهات جنبلاط في قضايا أخرى بخصوص دعوته لبناء الجوامع  بغرض الحصول على دعم من هنا وهناك لزعامته المزعومة، فهذا شأنه وشأن ربعه من المتأسلمين من زمرته الذين يقتاتون على الفتات الذي ينثره عليهم. يستطيع أن يبني جامعًا في المختارة، ويستطيع أن يركع فيه كما يشاء، فهذا شأنه وشأن ربعه. غير أنّ الدروز في هذا المشرق بحاجة إلى كليات وإلى جامعات ومراكز علمية وليس إلى جوامع وما شابهها من أماكن للعبادة. فما أكثر أماكن العبادة وما أقلّ بركتها في هذا المشرق المأزوم والمهزوم في آن. 

على هذه الخلفية من مواقف جنبلاط ضدّ تَدخُّل دروز إسرائيل دفاعًا عن السويداء وأهلها نجد لزامًا علينا أن نُذكّره، إن كان يرغب في تناسي التاريخ، بالدعم الذي قدّمه دروز إسرائيل له وللدروز في لبنان في الماضي غير البعيد. وإذا كان جنبلاط ينحي باللائمة على اتّصال دروز السويداء بدروز إسرائيل طلبًا للدعم في محنتهم مع العصابات التكفيرية، نجد لزامًا علينا أيضًا أن نُذكّره ونذكّر القارئ النبيه بما تكشفه لنا الوثائق الإسرائيلية من علاقات جنبلاط ذاته بالمؤسسة الرسمية الإسرائيلية وبرجالات الموساد الإسرائيلي. 

باريس - لقاء جنبلاط - لوبراني

بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان ووصوله إلى بيروت جرى لقاء بين أوري لوبراني ووليد جنبلاط في باريس، على إثره سُمح له بالعودة إلى لبنان. هذا ما تكشفه لنا وثيقة محفوظة بوزارة الخارجية الإسرائيلية: ‫”‬خلال لقاء جرى بين لوبراني وجنبلاط في باريس توصّل الطرفان إلى تفاهمات في موضوعين -   لن يعارض الدروز دخول الجيش اللبناني إلى منطقة الشوف، ويُسمح لجنبلاط بالعودة إلى بلدة عائلته - المختارة…”.  

لم تتوقف اللقاءات مع المسؤولين الإسرائيليين بعد ذلك، بل أخذت في التوسّع. ففي مايو  1983 نشرت صحيفة معاريف خبرًا يكشف عن طلب من جانب جنبلاط لعقد لقاء بينه وبين مناحم بيغن رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك. غير أنّ إسرائيل رفضت هذا الطلب، كما ذكرت الصحيفة: «رفضت إسرائيل طلبات الزعامة الدرزية في لبنان إجراء لقاء بين وليد جنبلاط ورئيس الحكومة مناحيم بيغن. زار وفد رفيع المستوى من المليشيا الدرزية التي يتزعّمها وليد جنبلاط إسرائيل مؤخرًا وفحص إمكانية عقد لقاء بين جنبلاط وبين رئيس الحكومة، وزير الدفاع ووزير الخارجية. لقد اجتمع أعضاء الوفد الدرزي وبينهم قادة كبار في المليشيا بموظّفين كبار في وزارة الخارجية ووزارة الدفاع وعبّروا عن رغبتهم بإنشاء علاقات ثابتة وإجراء محادثات مباشرة مع المستوى السياسي والأمني في إسرائيل.» (معاريف، 29.5.1983)



لقد حاولت تقصّي تفاصيل هذا الخبر المنشور في الصحيفة العبرية، فتتبّعت أخبار تلك الأيام في الأرشيف الإسرائيلي الذي يعجّ بالوثائق التي كُشف عنها النقاب. وهاكم بعض ما عثرت عليه من خبايا تلك الأيام.

القدس - لقاء شموئيليفتش سلوم

بالعودة إلى الأرشيف نعثر على وثيقة بتاريخ 2.3.1983، حرّرها ماتي شموئيليڤتش، مدير عام مكتب رئيس الحكومة، وهي موجّهة إلى رئيس الحكومة آنئد مناحم بيغن، ويلخّص فيها محادثته مع عاطف سلوم لدى اجتماعه به. يذكر شموئيليفتش في الوثيقة ما يلي: ” يُقدّم الدكتور سلوم نفسه بوصفه موفدًا من قِبَل التيارات الثلاثة في الطائفة الدرزية في لبنان: الهيئة الروحية برئاسة الشيخ أبو شقرا، أتباع أرسلان وأتباع وليد جنبلاط”، ويضيف أنّ عاطف سلوم كان قد التقى بجنبلاط عشية حضوره إلى القدس وذكر أنّ جنبلاط ”يرغب في الوصول إلى تفاهمات واتفاق مع إسرائيل.  ولأجل إجراء المحادثات، فهو على استعداد لإرسال نائبيه في قيادة الـ P.S.P (الحزب التقدمي الاشتراكي). أسماء ممثّليه هما: هشام ناصر الدين وتوفيق بركات. (الأول هو قائد الجناح العسكري للـ ح.ت.ا).”. ثمّ يورد مدير مكتب رئيس الحكومة في رسالته ما عرضه عليه الدكتور سلوم من مواقف الدروز في لبنان. 


فيما يلي بعض النقاط التي يكشفها شموئيليفتش في رسالته لرئيس الحكومة بيغن، فيذكر أنّ الدروز على استعدا لـ: 

* إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل.

* منع تسلّل وانتظام مخرّبين في مناطقهم والتعاون مع جيش الدفاع الإسرائيلي والأذرع الأمنية الإسرائيلية.

* دعم علاقات سلام مع إسرائيل. وبهذا السياق أكّد الدكتور سلوم أنّ جنبلاط قال إنه لا يستطيع الدعم في المرحلة الأولى علانية، لكنّه «لن يعارض» ولن يضع العراقيل. 

ثمّ يذكر شموئيليفتش مطالب الدروز من إسرائيل كما عرضها الدكتور سلوم. ومن بين هذه المطالب نذكر بعضًا منها هنا: 

* إخراج الكتائب من مناطق القرى الدرزية.

* تأمين سلامة الدروز إمّا من خلال نزع سلاح كلّ الطوائف (باستثناء الجيش اللبناني) وإمّا بواسطة تزويد أسلحة دفاعية للطائفة الدرزية.

وقد ذكر الدكتور سلوم أنّه بحالة عدم نزع سلاح الجيوش الخاصّة، أي المليشيات الحزبية، فإذا قمنا نحن بتزويد وحداتهم بالسلاح، فإنّه «بوسعنا أن نثق بهم بصورة لا تقلّ عن ثقتنا بالكتائب وحدّاد.»

ويختتم شموئيليفتش رسالته بانطباعاته عن الدكتور سلوم: «إنّه يثير انطباعًا بأنّه شخص جدّي وذكيّ. طبيب بمهنته. ليس عضوًا في حزب جنبلاط، غير أنّه مقرّب من العائلة. كان سكرتيرًا لوالده.». كما يقترح في نهاية الرسالة بإجراء محادثات مع ممثّلي جنبلاط في أقرب وقت. وأرسلت نسخ من الرسالة إلى كلّ من وزير الدفاع ووزير الخارجية.

القدس - لقاء شموئيليفتش - ناصر الدين

بعد مضي أسبوعين على اللقاء الأول، يكتب شموئيليفتش إلى رئيس الحكومة رسالة أخرى يذكر فيها أنّه جرى لقاء آخر بطلب من الدكتور سلوم: «عطفًا على محادثتي مع الدكتور عاطف سلوم بتاريخ 1.3.83، التقيت به ثانية، وفقًا لطلب منه، وقد رافقه هذه المرّة هشام ناصر الدين - ممثّل وليد جنبلاط.»

يذكر شموئيليفتش في الرسالة أنّه وبغية التأكد من أنّ الدكتور سلوم قد نقل فحوى الحديث السابق فقد كرّر على مسامعه محصّلة ما تمّ الحديث عنه، ويضيف: «لقد صادق ناصر الدين على أنّ الأمور حقًّا تمّ نقلها وفُهمت على هذا النحو. لقد عاد وأكّد على رغبتهم في إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل. واستعدادهم للتعاون مع أذرعنا الأمنية ضدّ المخرّبين، وللتعاون السياسي إلخ.»

أما بخصوص انطباعاته من هشام ناصر الدين فيكتب مدير مكتب رئيس الحكومة ما يلي: «لم أشعر أنّ لدى ناصر الدين (بخلاف سلوم) رغبة صادقة بالتصالح مع الكتائب. إنّه يُفرّق بين الكتائب وبين المسيحيين. مع المسيحيين يستطيعون العيش بسلام. إنّه لا يثق بالكتائب.»

وفيما يتعلّق بالتعاون السياسي ودعم الممثلين الدروز في الحكومة والبرلمان لإقامة علاقات سلام مع إسرائيل، «فلم يكن لديه إجابة مُرْضية... وعلى سؤالي: هل يستطيع جنبلاط أن يدعم علاقات سلام مع إسرائيل - كانت إجابته متلعثمة. فطلبت منه أن يأتي إليّ مع إجابة أكثر وضوحًا على هذا السؤال.»

أمّا طلباتهم الفورية منّا فتتلخّص بما يلي: أن نُخرج الكتائب من المناطق الدرزية، وأن نعيد إليهم السلاح الذي أُخذ من الدروز، كما طلب إجراء لقاء مع وزير الدفاع لكي يشرح له الوضع الأمني.
ثمّ يختم شموئيليفتش رسالته بما يلي: «الطائفة الدرزية بصورة عامة، وجنبلاط بصورة خاصة، في حالة من الإرباك، ولدينا إمكانية استغلال الوضع لصالحنا.»

بعد مرور عام بالضبط على تلك اللقاءات،  أي بتاريخ 14.3.1984، وحول مسألة الوضع على الحدود بين لبنان وإسرائيل، فها هو وليد جنبلاط، يُصرّح في مقابلة مع الصحيفة الإيطالية «ريبوبليكا» بما يلي: «يجب منح إسرائيل ضمانات جدية تضمن عدم استخدام جنوب لبنان بعد الآن قاعدة لأيّ قوة عسكرية، يمكن أن تُهدّد حدودها الشمالية.»

موسكو: لقاء كمحي - جنبلاط 

وثيقة أخرى في الأرشيف الإسرائيلي تكشف لنا ما دار من حديث بتاريخ 17.2.1990 بين ديفيد كمحي ووليد جنبلاط في بيت الضيافة التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو.

لقد جرت المحادثة وفقًا لطلب من جنبلاط بعد أن التقيا صدفة في المكان. ومن بين ما دوّنه كمحي عن هذا اللقاء مع جنبلاط تذكر الوثيقة ما يلي: 

مخاوف وليد جنبلاط:
أوّلًا: إنّه يخشى  أن يأتي إلى البلاد مليون مهاجر من الاتحاد السوفييتي، وأن يستوطنوا في المناطق [المحتلة]، وأن ينتقل الفلسطينيون إلى لبنان ويقيموا هناك دولة فلسطينية.

ثانيًا: في هذه الأيام، فهو ينظر بقلق شديد لتعزيز قوة الفلسطينيين في منطقة صيدا، ويرغب في أن يرى تعاملًا أكثر حزمًا من قبلنا تجاه هذا الخطر. إنه يعتقد أن عرفات يحاول إعادة الوضع إلى ما قبل حرب ”سلامة الجليل” وهو قلق جدًّا من ذلك. 

المشاكل الداخلية بلبنان:
لقد عبّر في اللقاء عن ‫قلقه من أنّنا «نساعد الجنرال عون الذي، بحسب رأيه، يساعد الفلسطينيين على العودة إلى لبنان. إنّه قلق بسبب ما يجري لدى الموارنة، إذ إنّهم، برأيه، سيتركون لبنان بأعداد كبيرة، وهو أمر سلبيّ جدًّا بنظره، إذ إنّ هذا الأمر سيُعزّز مكانة السُّنّة. لقد عبّر عن أمله في أن نقوم بتقديم العون إلى جعجع ضدّ عون.»

أمّا بخصوص وضع الدروز فقد أشار إلى أنّ الوضع ليس جيّدًا، ففي الماضي كانوا يحصلون على غالبية المساعدات من الاتحاد السوفييتي، والوضع الآن آخذ في التحوّل. ويضيف كمحي في ختام ما دوّنه: «لا شكّ لدى وليد في أنّهم سيحتاجون مستقبلًا إلى الاستعانة أكثر فأكثر بإسرائيل، وأنّه يتوجّب عليه التفكير من جديد في شبكة علاقاته في ضوء كلّ التغييرات في المنطقة... وأنّ الأمل الوحيد للبنان هو الحياد في المنطقة ولامركزية السلطة. لقد عبّر عن أمله في أن يكون باستطاعة إسرائيل إقناع أصدقائها في الولايات المتحدة وفرنسا على العمل بهذا الاتجاه.»

وخير ختام لهذا الكلام هو أن نقترح على جنبلاط وأمثاله من الزعامات العربية في هذا المشرق، وعلى اختلاف طوائفها ومشاربها السياسية، ولا نستثني من هذه الزعامات أحدًا، أن تتوقّف عن المزايدات على الآخرين، لأنّ حبل الكذب والتزوير قصير، والأرشيفات أمام أعيننا ونحن نجيد قراءتها. فلسان الحقيقة طويل وسيطال جميع هؤلاء بلسعات فاضحة لن تُبقي منهم ولن تَذَرَ من أثَر. 

ألا هل بلّغت.
والعقل وليّ التوفيق!

*

نشر أيضًا في: شفاف الشرق الأوسط

الثلاثاء، 28 أكتوبر 2025

يجب أن تخنق الطائفية في لبنان


مختارات - قضايا عربية 

 كذا كان - عام 1947   


إنّ لبنان الجديد يجب أن ينهض نهضة جبّارة تفوق نهضة الأتراك ويجب أن تشمل هذه النهضة الطروس والنفوس في وقت واحد لئلا يسبقنا الزمن ويردينا فنقع مثخنين بالجراح في هذا العهد الكريم.

الاثنين، 6 أكتوبر 2025

مجازر السويداء كشفت جنبلاط على حقيقته

 


لو كان الأمر مضحكًا لضحكنا، غير أنّه قد آن الأوان لنضع النقاط على الحروف المبهمات، وذلك لكي تتضّح الصورة لمن يبحث عن حقائق يحاول البعض إخفاءها عن أعين العامّة.

الاثنين، 28 يوليو 2025

النشاط الصهيوني في الشام

وثيقة سرية من الأرشيف الصهيوني

 

(في الصورة: إلياهو ساسون والجنرال يغائيل يادين)


سلمان مصالحة | 

النشاط الصهيوني في الشام 

ما خفي أعظم

ستواصل هذه الجهة الكشف عن خفايا علاقات الزعامات والنخب العربية بالحركة الصهيونية. ربّما يكون ما يُكشف في هذا الأوان من اتصالات بين قيادات وزعامات عربية وإسرائيل هو غيض مكشوف من غيض مستور عن أعين الجمهور العربي. 

ربّما يكون ما خفي من وراء الكواليس في هذا الأوان أعظم بكثير مما يطفو على السطح. وقد يمرّ قرن آخر من الزمان على توافقات سرية بعيدة عن أنظار عامّة الناس، وقد تنكشف على أعين أجيال بعيدة في قادم الأيام. 

لهذا وجدنا الآن وفي هذا الأوان من المفيد أن نضع هنا ترجمة عربية لوثيقة سرية هي بمثابة تقرير قدمه إلياهو ساسون رئيس القسم العربي في الوكالة اليهودية إلى بن-غوريون  في العام 1935 حول الوضع في الشام وآراء بعض النخب العربية في موضوع الصهيونية وهجرة اليهود إلى فلسطين واقتناء الأراضي.

والعقل ولي التوفيق.



أخبار المكتب العربي

سرّي

كلام مدوّن من فم إبراهيم درة، من رؤساء الطائفة اليهودية في دمشق:

تَغيُّر للأفضل طرأ على تعامل عرب سوريا مع الصهيونية. فأولئك الذين اعتقدوا قبل عدة سنوات أنّ الصهيونية هي حركة تؤدّي إلى انهيار النظام الاجتماعي وحرّضوا الشعب على محاربتها، غيّروا رأيهم ويبذلون اليوم جهدًا لإدخالها إلى بلادهم. من بين هؤلاء ثمّة أعضاء ينتمون أيضًا إلى الكتلة الوطنية: محمد النحاس، جميل مردم، فارس الخوري ورياض الصلح. لقد تحدّثت أكثر من مرّة مع هؤلاء عن البركة التي جلبتها الصهيونية إلى أرض إسرائيل [فلسطين]، وقد اعترفوا بذلك. 

لقد عبّروا عن استهجانهم من عدم قيام زعماء الصهيونية بإجراء اتصالات معهم. ففي الماضي حاول الصهيونيون دائمًا إجراء اتصالات مع العرب والتوصل إلى تفاهمات معهم. رئيس حكومة دمشق الحالي، الشيخ تاج [الدين] الحسني، والذي سبقه، حقي العظم، ينظران إلى الصهيونية نظرة حسنة. فخلال إحدى اللقاءات التي جمعتني مع الشيخ تاج [الدين] قال لي: «أنا أحبّ الصهيونية وعلى استعداد لإدخالها إلى سوريا. لن تعارض حكومتي بيع الأراضي، لكن يجدر بالشركات الصهيونية ألا تفعل أيّ شيء من وراء ظهر الحكومة والمسؤولين». 

يجب عدم أخذ الانتقادات الصحفية بجدية. هذه الصحافة مستعدّة أن تبيع نفسها لقاء المال. فمُحرّر ”الأيّام“ الذي يهاجم الصهيونية بشدّة، قد طلب منّي أن أوصي به لدى الوكالة اليهودية. ”لسان الأحرار“، الأسبوعية الدمشقية، على استعداد للانتقال إلى أرض إسرائيل [فلسطين] وإصدار صحيفة يومية تدعم الصهيونية. التجّار، الفلاحون وأصحاب الأراضي يرتادون حوانيت اليهود ويسألون: متى سيأتي الصهيونيون؟ إنّهم غاضبون على ترك اليهود لسوريا خشية من تأثير ذلك سلبيًّا على الصهيونيين، وتوقّف هجرتهم إلى بلدهم.


 لم يُبدِ أعضاء الكتلة الوطنية، الذين زاروا بكركي مؤخرًا، أيّ معارضة لكلام البطريرك الذي يدعو فيه اليهود القدوم إلى لبنان. يُقال إنّهم تحدّثوا معه حول شرط دخول الصهيونيين، وحول ماهية الأراضي التي يمكن أن تُباع لهم.  

لقد فشلت منشأة البطيحة. فمن بين 60 ألف سهم بيع 5000 فقط. غالبية الذين اقتنوا الأسهم هم أصحاب ديون لدى عائلة اليوسف (مالكة أراضي البطيحة) وحصلوا على أسهم بدل أموالهم. مديروا المنشأة يُجرون مفاوضات مع الأمير فاعور الذي وعد بأن يقتني كلّ الأسهم إذا نجح في أن يبيع أراضيه في الحولة لليهود، غير أنّه يشترط مُسبقًا ألاّ تثير الصحافة السورية ضجّة ضدّه.

برأيي - أنهى إبراهيم درة أقواله - هذا الوقت هو الأكثر تهيّؤًا من أي وقت آخر للقيام بنشاط في سوريا. 


                    إ. س.

26.3.1935 


 
نشر أيضًا في: شفاف الشرق الأوسط
 

الأربعاء، 23 يوليو 2025

الشعرة التي انقطعت في السويداء

 




 لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم مرّ الكرام دون حساب أو عقاب. لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم وكأنّ شيئًا لم يكن. 

سلمان مصالحة

الشعرة التي انقطعت في السويداء


بادئ ذي بدء: 
من الصعب الكلام بتؤدة ورويّة حينما يرى المرء المشاهد التي تنهال عليه من الشاشات الكبرى للفضائيات، أو الشاشات الصغرى للخلويّات. ومن الصعب إن لم يكن من المُحال، ضبط النّفس النّازفة ألمًا على ضحايا مجزرة السويداء، وغضبًا على حال أصناف هؤلاء ”البشر“ من هذه الأمّة الذين يعلنون النفير العام ويلمّون شُذّاذًا من كلّ حدب وصوب، ليس لنصرة أبناء جلدتهم في غزّة على سبيل المثال، والذين تتزيّى بها شاشاتهم وقنواتهم منذ عامين. بل فجأة، وعلى حين غرّة، هبّوا يلتمّون يجمعون عتادًا لغزو السويداء وجبل العرب، يهلّلون ويكبّرون قتلًا وسبيًا وحرقًا حيثما حلّوا، ويعيثون في الأرض العربيّة فسادًا. 

إنّ دماء الأبرياء التي سُفكت في السويداء، لم تكن على طريق القدس كما قيل لهم وكما شهد شاهد من شُذّاذهم المأسورين. إنّ دماء الأبرياء في السويداء هي جزء من المخطّط الداعشي الذي جاء به هذا الجولاني منذ أن كان في عداد سجنائهم بأيدي الأميركيين في العراق.  لقد كان هذا الداعشي الأفّاق الذي عاد إلى سوريا قد وضع خطّة مكتوبة لهذا الغرض، وقد كان أرسل لزعيم داعش البغدادي أنّه سيقوم بتهجير كلّ الأقليّات من سورية لإنشاء دولة خلافة إسلامية صرفة. إنّ “الأقليّات” في عرف هذا الداعشي هي كلّ من لا ينمو مثل فسيلته وكلّ من لا ينتمي إلى فصيلته. 

إنّ الجرائم التي ارتكبتها عصابات الجولاني بدءًا بالساحل السوري مع الطائفة العلوية، مرورًا بجرمانا والأشرفية وصحنايا، وبكنيسة مار إلياس في دمشق، وانتهاء بمحافظة السويداء لم تأت من فراغ، بل نهلت من هذا الموروث الذي ينضح كراهية وعنفًا. 

المنهل العفن:
نحن نعرف حقّ المعرفة ما هو ذلك المنهل العفن والنتن الذي ينهل منه هذا الجولاني وزمرته التكفيرية. نحن نعلم من هم هؤلاء الكفّار في عرف هذه الأيديولوجية الإرهابية: ”الكفار على ثلاثة أضرب: أهل كتاب، وهم اليهود والنصارى... ومن له شبهة كتاب فهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب... ومن لا كتاب له ولا شبهة كتاب وهم من عدا هؤلاء... من عباد الأصنام والأوثان والكواكب وغيرهم...“، (مصدر: المبسوط للشيخ الطوسي) أو ”كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة“. (مصدر: تفسير القرطبي). وبكلمات أخرى، فالكفّار هم كافّة بني البشر الذين لا يستسلمون لهذه الأيديولوجية العنفيّة.

كما إنّنا نعرف حقّ المعرفة فتاوى سلف الجولاني السالح كراهية وعنفًا تجاه سائر أبناء البشر الذين لا يسلكون مسلكه الوَعِر وفكره القَذِر. هاكم ما يُفتي به هذا الذي يطلقون عليه شيخ الإسلام، ابن تيميّة عن الدروز: ”وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب. وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو وأمثاله... كفر هؤلاء ممّا لا يختلف فيه المسلمون، بل من شكّ في كفرهم فهو كافر مثلهم. لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين. بل هم الكفرة الضالّون“. ليس هذا فحسب بل يُضيف نبذًا من ذهنيّته حول كيفية التعامل معهم: ”فلا يُباح أكل طعامهم، وتُسبَى نساؤهم، وُتؤخذ أموالهم. فإنهم زنادقة مُرتَدّين لا تُقبل توبتهم، بل يُقتَلون أينما ثُقِفوا، ويُلعَنون كما وُصِفوا... ويجب قتل عُلمائهم وصُلحائهم، لئلا يُضلّوا غيرهم. وُيحرم النوم معهم في بيوتهم، ورفقتهم، والمشي معهم، وتشييع جنائزهم إذا علم موتها. ويُحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحُدود عليهم بأي شيء يراه المُقيمُ المُقامَ عليه“.(مصدر: الشبكة الإسلامية، مجموع فتاوى ابن تيمية؛ انظر أيضًا في: إحسان إلهي ظهير، كتاب الشيعة والتشيع، فرق وتاريخ)

هذا هو بالضبط 
موروث الجولاني وعصابته، وهذا هو غذاؤه ”الروحي“. لقد سمعنا هؤلاء الغزاة الذين جاؤوا إلى السويداء ينضحون كراهية مقتبسين من كلام ابن تيمية هذا.  فهل يُرجى ممّن كان هذا نبراسه، ومن كان هذا هو أصله وفصله وأساسه، أن يصدر منه غير الشرّ المُطلق؟ 

بين الخير المطلق والشرّ المطلق:
نكتفي بإيراد مثال واحد على الفرق الجوهري بين الخير المطلق الذي تمثّله السويداء وأهلها وبين الشرّ المطلق الذي يمثّله الجولاني وعصاباته. وهذا المثال يتعلّق بتلك المجزرة التي ارتُكبت بعائلة القسّ خالد مزهر المكونة من عشرين شخصًا، والقسّ خالد مزهر هو راعي كنيسة ”الراعي الصالح“ الإنجيلية في السويداء. والملفت في الأمر أنّ هذا القسّ هو من أصول درزية في المدينة،كان قد اعتنق المسيحية قبل سنوات وكان معروفًا بعلاقاته مع كافّة المكوّنات الدينية وعاش بطمأنينة مع أهله، أكانوا مسيحيين أم دروزًا. غير أنّ عصابات الجولاني التكفيرية ارتأت أن تقضي على هذا الخير المُطلق من التسامح الذي يمثّله أهل السويداء بواسطة الشرّ المُطلق الذي تحمله في جعبتها الأيديولوجية التكفيرية الغازية. 

لقد استباحت عصابات الجولاني السويداء وقراها ونهبت المتاجر والبيوت وأضرمت نيران حقدها في البشر والحجر. وخطّت على الجدران شعارات ”أحفاد بني أمية“، بينما يحقّ فيهم القول إنّهم جراء ومعاويات يجبرون أبناء البشر على العواء الذي هو سمة فصيلتهم الدائدة والبائدة. وها هي أحقاد بني أمية تكشف عن جهلها حتى باللغة العربية فتصبّ جام غضبها على لافتة تُعلنُ السويداء سنة 2008 خالية من الأمّيّة والجهل، ظنًّا أنها تتعلق ببني أُميّة. يبدو أنّ السويداء حقًّا خلت من الجهل لخلوّها من أمثال هؤلاء الجهلة الذين يعيثون في الأرض فسادًا. 

لا تعنينا في هذه اللحظة الدامية كلّ مخطّطات القوى الإقليمية والكبرى بشأن هذا البيدق الداعشي الذي حرّكته هذه القوى ووضعته في الشام، حيث يعلم الجميع أنّه جاء مدعومًا من المخابرات الأميركية وبواسطة عملائها من إخوان إردوغان الأتراك والقطريين وآخرين من إرهابيي الدواعش، وذلك لأغراض في أنفس اليعاقيب. إنّ ما يعنينا الآن وفي هذا الأوان هو دماء الأبرياء الطاهرة التي سفكتها ولا زالت تسفكها العصابات التكفيرية. 

وختامًا لهذا الكلام،
لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم مرّ الكرام دون حساب أو عقاب. لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم وكأنّ شيئًا لم يكن. 

يجدر بنا وضع النقاط على الحروف المبهمات لكي لا يساء فهم خطورة ما جرى وخطورة ما هو راهن وما هو قادم. إنّ كلّ شعرة من شوارب شيوخ أتقياء في جبل الدروز تمّ اقتطاعها بأيدي عصابات الجولاني ومن لفّ لفّة، وبخلاف ”شعرة معاوية“ التي لم يقطعها، فهذه هي شعرة طاهرة وقد انقطعت مع زمرة هؤلاء الأبالسة من جند الطغيان، هي شعرة قد انقطعت مع هذا الصنف من هذه الأمّة التي يمثّلها هذا المتعطّش لدماء الأبرياء من كافّة الأقليّات والمشارب السورية. ألا هل بَلّغت. 
والعقل وليّ التوفيق.

***

تنويه لا بد منه: 

في العقود الأخيرة كنت تطرّقت كثيرًا إلى النّظام البعثي البائد، وإلى جرائمه بحق الشعب السوري أوّلًا، وإلى دجل هذا النظام بشأن المقاومة والممانعة وما إلى ذلك من أصناف البلاغة العربية التليدة والبليدة. 
 
فيما يلي روابط لمقالات نشرتها حول الموضوع السوري:

إيلاف - فبراير 2005: أمة عربية بائدة ذات رسالة دائدة 
إيلاف - يونيو 2007: ثلاثة مشاهد سوريا-لية 
يناير 2008: دفاعًا عن سوريا  
إيلاف - أغسطس 2008: نكات بعثية غير مضحكة 
إيلاف - مارس 2011: ثورة الحرية السورية 
إيلاف - أبريل 2011: وصمة على جبين طاغية 
إيلاف - أبريل 2011: الخروج من المأزق السوري  
هآرتس - أبريل 2011: الأسد ملك إسرائيل 
إيلاف - ديسمبر 2011: رسالة إلى الرئيس الأسد 
إيلاف - يناير 2012: القصيدة الشامية
إيلاف - يوليو 2012: سورية غير مصر 
إيلاف - أغسطس 2012: جرائم النظام والمعارضة 
إيلاف - سبتمبر 2012: في مديح سايكس-بيكو 
إيلاف - فبراير 2013: كلب العروبة النابح 
صحيفة “الحياة” - سبتمبر 2014: فضائح كتب التدريس السورية  
صحيفة “الحياة” - مايو 2015: علينا أن نتصارح كي نتصالح  
صحيفة “الحياة” - أكتوبر 2015: ستاتيكو أم سايكس بيكو؟ 
صحيفة “الحياة” - فبراير 2016: ملاحظات عابرة حول المأساة السورية  
صحيفة “الحياة” - مارس 2016: سورية في ذمة الله 
صحيفة “الحياة” - أبريل 2017: معنى أن تكون عربيًّا الآن  
صحيفة “الحياة” - فبراير 2018: الحرب التي على الأبواب 
صحيفة “الحياة” - مارس 2018: سورية كحقل تجارب للأسلحة الروسية 
صحيفة “الحياة” - مارس 2018: دروس من الحرب السورية -  
صحيفة “الحياة” - أبريل 2018: مجزرة القومية العربية  
صحيفة “الحياة” - يوليو 2018: عن الأسد وحرق البلد  

***

نشرت أيضًا في شفاف الشرق الأوسط

 

الأربعاء، 2 يوليو 2025

عزمي بشارة والملحق العسكري السوري في برلين


 وثيقة - 1985 

عزمي بشارة والملحق العسكري السوري في برلين


ماذا وراء الأكمة؟

نقدّم لمتابعي هذا الموقع هذه الوثيقة، وهي تقرير أعدّه الملحق العسكري في السفارة السورية في برلين في يوليو 1985 وأرسله إلى رئيس شعبة المخابرات العسكرية، معبّرًا عن شكوكه بالأمر وفقًا لمعلومات المخابرات الألمانية التي استفسر منها بخصوص القضية، وذيّلها برأيه بخصوص إمكانية التعامل مع الشخص المذكور بها.

فيما يلي نصّ الوثيقة:

 

سفارة الجمهورية العربية السورية

برلين


تقرير خاص بالسيد اللواء رئيس شعبة المخابرات العسكرية

”زارني مؤخرًا طالب دكتوراة فلسطيني في جامعة برلين يحمل الجنسية الإسرائيلية (من عرب 1948) يدعى /عزمي بشارة/ وطلب مساعدتي لزيارة القطر بوثيقة سفر سورية خاصة كون جوازه إسرائيلي. وقد استغربت الأمر كونه لجأ إلي مباشرة وليس إلى القسم القنصلي. فأكّد أنه تقصّد ذلك لأنّه يعتقد أنّ الملحق العسكري في أي سفارة سورية (هو الملحق الأمني وصاحب القرار الأول والأخير في ذلك). وبعد أن أفهمته أنّ الأمر ليس كما يظنّ، وأنّ القنصل هو صاحب القرار بعد موافقة الجهة الأمنية صاحبة العلاقة بالنسبة لمن هم في وضعه، قال إنّه سيستغلّ الفرصة ليفهم منّي باعتباري عسكري ليستفسر عن بعض القضايا التي تهمّه كفلسطيني. وحاول أن يفهم ما إذا كانت دول أوروبا الشرقية، تعطينا ما نحتاجه من السلاح، وحقيقة الدعم العسكري الذي قدّمته لنا جمهورية ألمانيا الديمقراطية خلال حرب تشرين. وقد تبيّم أنّه يملك معلومات مهمّة عن الموضوع رغم أنّه غير معروف، ورغم أنّ مجال دراسته يتعلّق بالفلسفة وليس بالقضايا السياسية أو العسكرية، كما طرح أسئلة عن دعم القطر للمقاومة اللبنانية، وما إذا كنّا نقدّم الدعم لحزب الله كما نقدّمه للمقاومة الوطنية.

أسئلته أثارت عندي الكثير من الشكوك فصرفته بطريقة لبقة بعد أن تذرّعت بمشاغلي، ووعدته بلقاء مطوّل في أقرب وقت. وفي اليوم نفسه طلبت موعدًا مع الجنرال (غيرهارد نيبر)، نائب وزير أمن الدولة الذي تدخُل الشؤون الفلسطينية في مجتل مسؤولياته. وخلال لقائنا تحدّثت معه عن الأمر وعن احتمال أن يكون جهاز /الموساد/ الإسرائيلي نجح في تجنيد طلاب من (فلسطين 1948). وقد أبلغني أنّ الشخص المذكور (وُضع تحت المراقبة مؤخّرًا بعد أن لوحظ تردّده مرارًا إلى مدينة درسدن والبحث عن الشقّة التي ينزل فيها الدكتور جورج حبش حين يقوم بزيارة خاصة إلى جمهورية ألمانيا الديمقراطية. وبعد أن لاحظت الجهات الأمنيه أن يقوم بجمع معلومات لا تدخل في مجال دراسته وتُعتبر معلومات سرية لا يجوز الاطلاع عليها).

رأي الملحق العسكري

نعتقد في ضوء المعلومات المذكورة أعلاه أنّه من المفيد تعميق الصلة معه. ولكن بحذر وبالتنسيق مع الجهات الألمانية المعنية، لمعرفة الدوافع الحقيقية لسلوكه، وإمكانية الاستفادة منه في المستقبل، خصوصًا وأنّه على علاقة جيّدة مع أوساط حزب العمل الإسرائيلي وبعض قياداته كما قال.

ولكم الأمر سيّدي اللواء.

برلين في 14/7/1985 

   المقدم الركن فاروق جاويش
       الملحق العسكري



شفاف الشرق الأوسط

الخميس، 22 مايو 2025

كازينو غزة


سلمان مصالحة

كازينو غزة

 
الأفكار بتحويل غزة إلى منتجع سياحي بما يشمله من مسابح وكازينوهات ليست بالأمر الجديد. فمنذ سنوات الأربعينيات من القرن المنصرم كانت هذه الأفكار تجول بخواطر أبناء غزّة أنفسهم.  

فها نحن نقرأ في صحيفة الصراط الصادرة في 7 نيسان 1940 خبرًا يتناول هذا المشروع الذي يتمّ تداول إمكانية دفعه في غزّة. فتحت عنوان “غزّة الجديدة - إنشاء رصيف وكازينو على الشاطئ” نقرأ ما يلي من رسالة مراسل الصراط:


“علمت أنّ هناك مشروعًا ذا تأثير على مستقبل غزة الجديدة هو الآن موضع الدرس، والرغبة شديدة في إخراجه إلى حيّز الوجود. وهذا المشروع هو بناء رصيف طوله كيلومتر واحد وعرضه 20 مترًا على شاطئ البحر حيث تقوم غزة الجديدة، وإقامة كازينو وحمامات للسباحة ومنتزهات خاصة تجعل من غزة مقصدًا للمصطافين من فلسطين وغيرها من الأنحاء وتساعد على إنعاش الحالة الاقتصادية فيها”.
“ويكلّف هذا المشروع بضعة آلاف من الجنيهات، والمجلس البلدي وحضرة رئيسه يشتغلان لتحقيقه جهدهما، وقد علمت أنّ البلدية ستسعى إلى إيجاد شركة للقيام به على أن تساعدها في ذلك ما أمكنها. ويقول حضرة رئيسها إنه لو كانت واردات البلدية تساعد على أن تقوم هي به لما تردّدت عن ذلك مطلقًا، أمّا وهي مغرقة بالمشاريع الأخرى فإنه سيقوم بالمساعي اللازمة لإيجاد الشركة المطلوبة.”
“ويُرجى أن يتعاون موسرو غزة مع محبّي خير هذه المدينة العربية على إخراجه إلى حيّز الوجود.
“وشاطئ غزة الجديدة في الصيف هو من أجمل الأماكن التي يستريح المصطاف إلى […] والهواء هناك نقي وصحي للغاية”


أقرأ هذا الكلام الآن بعد مضيّ عقود طويلة على خلفية مشاهد ما يُعرض من ركام حجريّ وحطام بشريّ على مرأى ومسمع المتشدّقين بالضّاد من صنف الذين حقّ وصفهم بالأوغاد المهرولين إلى الاستنجاد بالأضداد. و”كلّهم أروغُ من ثعلبٍ - ما أشبهَ الليلةَ بالبارحَهْ”، فبئس المبدأ وبئس المعاد.

والعقل ولي التوفيق.

 

الثلاثاء، 15 أبريل 2025

التطهير العرقي ركن مركزي في الصهيونية

 

الخطاب الذي يعلو هذه الأيام عن التطهير العرقي والترانسفير ليس جديدًا بالمرّة. إذ إنّه يرافق الحركة الصهيونية منذ نشوئها، وعلى وجه التحديد منذ أيام إقامة إسرائيل من جهة والنكبة الفلسطينية من جهة أخرى.


سلمان مصالحة ||

التطهير العرقي ركن مركزي في الصهيونية

لقد ثارت في الآونة الأخيرة ثائرة المؤسسة الصهيونية الإسرائيلية الرسمية والشعبية على القائمين على إنتاج وإخراج الفيلم الوثائقي «لا توجد أرض أخرى» والذي فاز بالأوسكار عن الأفلام الوثائقية. والفيلم هو نتاج تعاون إسرائيلي فلسطيني يوثّق التنكيل المتواصل والتشريد لسكّان “مسافر يطا” في منطقة الخليل وبهدم مساكنهم وموارد معيشتهم.

لا ندري ما الذي أثار هذا الهرج، فالحقيقة هي أنّه لا جديد تحت الشمس. فمنذ بداية الصراع في هذه البقعة من العالم، وعلى وجه الخصوص منذ دخول الحركة الصهيونية على خطّ اقتطاع هذا الجزء من المشرق لإقامة وطن قومي يهودي، يدور الحديث عن أنشطة وأفعال تندرج تحت مسمّى التطهير العرقي لساكنة هذا الجزء من المشرق.

إنّ عمليّات اقتلاع السكّان من أرضهم حصلت بذرائع شتّى وعلى مرّ الزمن، وقد كانت عمليات الاقتلاع هذه معلومة وموثّقة منذ البداية. وكلّ ما يجري في المناطق الفلسطينية المحتلة في هذا الأوان هو حلقة من سلسلة صهيونية على مرّ الزمن.

هنالك الكثير من الأمثلة على هذه الممارسات. ففي وثيقة سرية تحمل العنوان «نقل سكّان عرب»، في الأيام الأولى على قيام دولة إسرائيل، نقرأ ما يل: «نقترح نقل القبائل العربية في أماكن مختلفة بمناطق الحكم العسكري بالمرج والجليل الشرقي… بهدف إفراغ المناطق التي بحوزتهم والقريبة من مواقع استيطان يهودية وطرق رئيسية». تذكر الوثيقة بالتفصيل  قوائم السكّان المزمع نقلهم وعدد النفوس في كلّ قبيلة. كما تتطرق الوثيقة إلى سكّان صفورية: «يجب إجراء نقل فوري لأهل صفورية، إذ إنّ السكّان في هذه القرية آخذين بالازدياد يوميًّا، ويمكن الافتراض أنّه إن لم يتمّ إفراغ القرية فإنّ عدد السكان سيزداد وسنجد أنفسنا أمام حقيقة قائمة على الأرض لبلدة كبرى». كما يرد في الوثيقة اقتراحات لنقل البعض إلى شفاعمرو، والبعض الآخر إلى عيلوط ، بينما “بقيّة سكّان صفورية” يُقتَرح نقلهم إلى قرية دبورية.

مثال آخر على التهجير حصل قرية الغابسية. ففي شهر نوڤمبر 1951 أصدرت المحكمة العليا قرارًا ضدّ الحاكم العسكري في الجليل الذي كان قد أمر بطرد سكّان القرية. وقد جاء في قرار المحكمة، كما يذكر المحامي چرشون تشيرنياك، وهو محامي سكّان القرية، في رسالته للمستشار القضائي للحكومة: «لم تكن للمُدّعى عليه أيّ صلاحية بطرد المُلتمسين من قرية الغابسية، ولا يُسمح له بمنعهم من دخولها، والخروج منها والسكن هناك». كما ويضيف المحامي في رسالته أنّه وبعد عدّة أيام وبينما كان في أروقة المحكمة العليا فقد التقى صدفة هناك بأحد الضباط الكبار في الحكم العسكري والذي كان على علاقة بالشأن: «حين سألته عن الموضوع قال لي: إنّ المعركة القضائية هي في بدايتها، وأنّ جيش الدفاع الإسرائيلي لن يقبل بذلك.»

كذلك أيضًا لم يقبل جيش الدفاع الإسرائيلي توصيات وزير الأقليات بيخور شطريت بإبقاء 11 عائلة عربية في المنطقة اليهودية في يافا، وطلب نقل العائلات إلى منطقة أمنية مُسيّجة. نقرأ عن ذلك في رسالة أُرسلت من قيادة منطقة تل-أبيب: «إنّ قرارك بإبقاء 11 عائلة عربية بالمنطقة اليهودية في يافا هي مخالفة لقوانين الأمن وتُثقل على الجيش في تنفيذ مهمّاته. نطلب منك إلغاء هذا القرار وإنهاء هذه القضيّة»، ينهي القائد رسالته.

لم تكن السلطات العسكرية وحدها هي التي طلبت نقل العرب من أماكنهم. إذ إنّ طلب الترانسفير لبقايا السكان العرب الذي بقوا في القدس الغربية قد جاء هذه المرّة من مصدر مدني بالذات، من مدير الخدمات الاجتماعية في وزارة الرفاه والضمان الاجتماعي. ففي رسالة موجّهة إلى لجنة الترانسفير في وزارة الأقليات يكتب مدير الخدمة الاجتماعية: «نُحيطكم علمًا بقضيّة أقليّات أورشليم ونطلب منكم بالبحث في إمكانية نقلهم». كما وتذكر الوزارة الأسباب من وراء طلبها: «نظرًا لأنّه ولأسباب أمنيّة تُحظر على الأقليات في أورشليم حريّة الحركة، فليس بوسعهم إعالة أنفسهم، وسيحتاجون إلى دعم دائم من مؤسستنا. إنّ استمرار هذا الوضع غير مرغوب فيه على جميع الأصعدة، ونطلب منكم البحث عن حلّ المسألة وفقًا لطلبنا»، يختم المدير طلبه.

على ضوء ذلك، فإنّ الخطاب الذي يعلو هذه الأيام عن التطهير العرقي والترانسفير ليس جديدًا بالمرّة. إذ إنّه يرافق الحركة الصهيونية منذ نشوئها، وعلى وجه التحديد منذ أيام إقامة إسرائيل من جهة والنكبة الفلسطينية من جهة أخرى.

ولعلّ ما يُجمل هذه الحال، ما ورد في الوثيقة التالية. ففي شهر أغسطس 1948 يبعث يوسف ڤايس، وهو من رؤوساء “كاكال” (الصندوق القومي اليهودي) برسالة إلى موشي شاريت (شرتوك) وهو أول وزير خارجية، كما شغل أيضًا منصب رئيس حكومة بعد بن غوريون: «اسمح لي بأن أذكّرك، أنّه لدى لقائنا عند بن-غوريون يوم الأحد، 25 يوليو، قلت لي أنّه منذ الآن ستكون المبادرة بموضوع الـ”ترانسفير” من مسؤوليتك، وأنّك ستدعو فورًا إلى إجراء مشاورات لأجل التنفيذ. إن لم أكن مُخطئًا، فلم تتمّ الدعوة للمشاورات بعد، ولم يتمّ ترتيب الأمور العملية… لا يمكن الاكتفاء بالتصريحات فقط، وإنما من الضروري العمل بوسائل وطرق شتّى، لأجل إنجاز الحلّ الذي نرغب فيه… باختصار، تشغيل آليّة خاصّة لهذا الغرض».  كما يُضيف يوسف ڤايس أنّه يرى في إنجاز الترانسفير “تاج انتصارنا في حرب إسرائيل، ويُفضّل الإسراع بذلك.”

لذا، وفي ضوء ما أوردنا آنفًا، نلفت انتباه قضاة محكمة الجنايات الدولية في لاهاي. إذ تحتوي هذه الوثائق والشهادات على ما يكفي من المقاصد للإدانة.
  
***
For Hebrew, press here
 

الخميس، 23 مايو 2024

الثابت والمتحول

 


أرشيف - الاتحاد، 20/3/1995

سلمان مصالحة |

الثابت والمتحول


يبدو أن الأدباء العرب، على كثرتهم وقلة بركتهم، قد حوّلوا عملية الإبداع إلى سلعة تُقتنى وتُباع في مزاد علني. وهكذا أصبح التعامل مع الأدب مهنة تخضع للعرض والطلب، غير أنّ الأمر لم يقتصر على ذلك بل صارت ساحات الأدب حلبات تجتمع فيها الشلل التي لا تُعطي للأدب شيئًا، بل أصبح جلّ همّها الانضواء تحت الأسماء، رابطة هنا واتحاد هناك، ولم تعنها مرّة، وعلى ما يبدو لن تعنيها أبدًا قضية العطاء، بل التقرب من السلطات الحاكمة عنوة في البلاد العربية، للفوز ببعض المال - وهو مال حرام - من هذا الحاكم أو ذاك. وهكذا ضاع الإبداع ولم يتبق منه غير الإطار. ليس هذا فحسب، بل يطلع علينا الأدباء العرب بين الفينة والأخرى بتقليعات جديدة، من مثل الاتحاد العام للأدباء العرب الذي حول نفسه إلى محكمة تأديبية، وهكذا، كما قرأنا وسمعنا، فإنّ هذا الاتحاد قد “طرد” من بين صفوفه الأديب الشاعر أدونيس، الأمر الذي جرّ وراءه انسحاب سعد الله ونوس وآخرين.

الثابت في الإبداع في العالم العربي، كما هي الحال في كلّ مكان، يقع خارج تلك الإطارات التي لا تفي بتحقيق الوعود التي قامت من أجلها، بل جلّ اهتمامها ينصَبّ على قضية الوظائف والتلبّس بالكنى التي لا تقرّب أصحابها من الأدب والفكر، إنّما تقرّبهم من موائد السلطان. ومثل هؤلاء الصغار النفوس كمثل رجال الدين الذين يسارعون إلى استصدار الفتاوى هنا وهناك فقط لمجرّد التذكير بوجودهم. والطريقة الأمثل لوضع هؤلاء عند حدودهم هي تجاهلهم تمامًا، وهكذا يموتون موتًا بطيئًا.

هذه هي حقيقة الأمر، فالإبداع الحقيقي بحاجة إلى قرّاء رفيعي الذوق، وليس بحاجة إلى طوق أو إطارات قلّة الأدب، تلك الإطارات هي المتحوّل فيما يخصّ الأدب، لأنّها لا تثبت على حال، بل تتناقلها الرياح حيثما هبّت. ولهذا يستطيع أدونيس أن يركن إلى الطمأنينة لأنّ فصله من عضوية اتحاد الأدباء العرب إنّما هو في النهاية يندرج في مصلحته ويضيف لسمعته أكثر من وجوده داخل هذا الإطار الهشّ. ليس هذا فحسب، بل يجب أن تكون الدعوة إلى بعض المبدعين الحقيقيين الذين ما زالوا في هذا الإطار أن يتركوه فورًا، وليبق ذلك الإطار يضم من هم لائقون به ولائق هو بهم.

إذا كان ثمّ بعض الأدباء والمفكرين الذين يضعون الأدب العربي والحضارة العربية في الخانة العالمية اللائقة بهما فأدونيس هو الثابت في الإبداع أمّا هؤلاء فهم المتحوّلون عن الحقيقة والآيلون إلى الضياع.

وماذا يجري هنا على الساحة الفلسطينية؟
الأمر ليس ببعيد عما يجري في العالم العربي. ففي السنوات الأخيرة، وبسبب التشرذمات السياسية والطائفية التي كانت من نصيبنا في هذا الوطن، أخذت تظهر على الساحة الأدبية المحلية، في الداخل والخارج، فئات تصبّ جلّ همّها واهتمامها على الأطر وتعداد الأسامي التي تتحلق حولها، وذلك دون الأخذ بنظر الاعتبار أيّ همّ أدبي أو أخلاقي، وهكذا صار القاسم المشترك بينها هو امتهان الأدب والوصول به إلى حضيض ما بعده من حضيض.

ولمّا آل الوضع الأدبي في هذا الوطن إلى هذا المصير، فإنّي أجد أن السكوت على ما يجري ينصبّ في النهاية في خانة الاتآمر على الأدب وعلى ما يمثله من قضايا سامية. لقد تحولت المناصب إلى الضالّة التي ينشدها أولئك الذين بدأت تظهر عوراتهم الأدبية على الملأ. ولمّا كنّا حريصين على الأدب الحقيقي في هذه الديار، وجدنا من الضرورة بمكان وضع النقاط على الحروف المبهمات حتى لا يلتبس الأمر على ذوي البصائر، ويكون الأدب المحلي في النهاية هو الخاسر.

من هنا نود أن نؤكد على أن ليس ثمّ تنظيم أدبي يجمع أهل الأدب من العرب في هذه البلاد، كما إن كل ما يُنشر عن تنظيم هذا أو آخر ليس إلا ضحكًا على ذقون العباد.

من هذا المنطلق، أجد من الضروري التأكيد مرة أخرى على أنّ ما يُنشر في الصحف دون تدارس الوضع الأدبي من جميع جوانبه، ودون استشارة خيرة أهل الأدب في هذا الوطن، لا يعبّر إلا عما يجيش في أفئدة المتنصّبين من عفن.

ولهذا أؤكد على أنّ هذه التنظيمات لا تمثّل الأدب المحلي بأي حال من الأحوال، وهي لم تأت إلا لأغراض في أنفس اليعاقيب السوداء، ولذلك فالإبداع الحقيقي منها براء، ولهذا اقتضى التنويه الآن قبل فوات الأوان.

الاتحاد


الخميس، 29 يونيو 2023

في لبنان - التاريخ لا يعيد نفسه

 

يمكن القول، كذا كان وكذا يكون إلى يوم يبعثون. إنّ حال هذا البلد هي حال الكثير من بلدان هذا المشرق المأزوم والمهزوم في آن

سلمان مصالحة ||

في لبنان - التاريخ لا يعيد نفسه


”إنّ إيمان اللبنانيين كافّة بحقّهم الشرعي في الاستقلال لا يتزعزع، وثقتهم بكفاءتهم له لا تنال منها المحاولات التي يقصد بها أصحاب النيات المشبوهة إيهان عزائمهم، ولقد باءت بالخسران الكامل محاولتهم الجاهدة لبذر بذور الشقاق والتفرقة بين أبناء الوطن الواحد. إنّ زمن التفرقة قد انقضى. واللبنانيون إرادة واحدة وعزم ثابت في سبيل الدفاع عن سيادتهم الوطنية الكاملة.“

لقد كنت أشرت في الماضي غير مرّة وفي أكثر من منبر إلى أنّنا - كأفراد، جماعات ومجتمعات، على سائر مللنا ونحلنا- ملزمون بإعادة النّظر إلى أنفسنا في المرايا وبذل مجهود، ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، بمحاسبة النفس إزاء ما آلت إليه أحوال مجتمعاتنا وما نزلت عليها من رزايا بدءًا من مغارب العرب إلى مشارقهم، من سودانهم إلى بيضانهم ولبنانهم.

التّناقضات العربيّة لا أوّل لها ولا آخر. غير أنّ السؤال الكبير الّذي يقضّ مضاجع كلّ فرد عربيّ في هذه الأصقاع المترامية الأطراف، هو سؤال يتمحور حول مسألة الهويّة. إنّه السؤال الأصل: ماذا يعني أن تكون عربيًّا في هذا الأوان؟ وماذا يعني أن تكون مصريًّا، مغربيًّا، سوريًّا، عراقيًّا، لبنانيًّا أو فلسطينيًّا، إلى آخر هذه الكيانات غير المحدّدة المعالم؟ نعم، هذا هو السؤال الذي تُشتقّ وتتفرّع منه كلّ الإجابات وكلّ الحلول للمشاكل الاجتماعية، الثقافية والسياسية التي تتخبّط فيها هذه المجتمعات منذ ظهورها على مسرح التاريخ، قديمًا وحديثًا.

من البدهي القول إنّ حدود البلدان في المشرق والمغرب هي حدود مصطنعة لم تخرج إلى النور بصورة طبيعية مستندة إلى جغرافيا طبيعية اجتماعية ثقافية إثنية دينية. لقد رسمت هذه الحدود لاعتبارات قوى عظمى خارج هذه الأقطار وخارج هذه الجغرافيا ولأسباب لا تمتّ للأرض بصلة.

لا شكّ أنّ الكثير من القراء على دراية بمقولة ماركس الشهيرة: ”التاريخ يعيد نفسه، أوّلًا كمأساة ثمّ كمهزلة“. إنّ الديباجة الكلامية التي استهللت بها المقالة أعلاه قد تبدو للوهلة الأولى راهنية إزاء ما آلت إليه الحال في بلد الأرز، غير أنّها ليست كذلك بالمرّة. إنّها ديباجة بيان عممته اللجنة التنفيذية للمؤتمر الوطني اللبناني في العام 1944.

وبالعودة إلى النظر فيما ورد من كلام قبل عشرات السنين يتجلّى لنا أنّنا نقف الآن وفي هذا الأوان أمام وضع وكأنّ شيئًا ممّا ورد في البيان  المذكور عن أحوال هذا البلد لم يتغيّر قيد أنملة. ليس فقط أنّ التاريخ لم يُعِدْ نفسه، بل يمكن القول أنّ الزمن لم يتحرّك أبدًا. وهكذا يستفيض بيان المؤتمر الوطني بالقول: ”وإذا كان للمؤتمر ما يقوله في هذا المعرض فهو مناشدة الحكومة أن تقضي على العوامل التي من شأنها الحدّ من التوجيه الاستقلالي المنشود سواء كانت هذه العوامل داخلية أم خارجية. وفي طليعة ذلك معاملة العابثين بحرمة الوطنية ... بما يستحقّه الدسّ على الوضع الاستقلالي من عقاب شديد تكون فيه العبرة البالغة.“

وإذا كان حزب الله قد صادر استخدام القوة من السلطة اللبنانية واستولى عليها داخليًّا وخارجيًّا، فقد كان المؤتمر الوطني اللبناني قد نوّه إلى هذه الظاهرة في بيانه المذكور. فقد ورد في البيان بهذا السياق:

”ويلفت المؤتمر نظر الحكومة إلى الأمور بنوع خاص إلى الأمور الآتية:
1 - إنّ أول ما يتطلع إليه لبنان مسألة الجيش. إننا لا نرى وجهًا من الحق والعدل في أن تبقى قوات مجندة ومؤلفة من اللبنانيين، ومقيمة في الأراضي اللبنانية، غير تابعة للحكومة اللبنانية مباشرة.
2 - يجب تنظيم بعض المظاهر التي لها مساس بمعنى السيادة الوطنية وفي الطليعة القضاء على فوضى رفع الأعلام بحيث لا يُرفع في أراضي الجمهورية اللبنانية غير العلم اللبناني، أمّا الأعلام الأجنبية فيجب أن يُحدّد الموضع والزمن والشكل في رفعها.“

يتضح إذن، وفي ضوء هذا الكلام، وكأنّ التاريخ لم يتحرّك خطوة إلى الأمام في هذا البلد منذ تأسيسه. إنّه يتخبّط الآن في القضايا ذاتها ويبحث عن سبيل للخروج من المستنقع ذاته. 

يمكن القول، كذا كان وكذا يكون إلى يوم يبعثون. إنّ حال هذا البلد هي حال الكثير من بلدان هذا المشرق المأزوم والمهزوم في آن.
*

الأربعاء، 22 يونيو 2022

صورة العربي

من الأرشيف - 1999:

ســلمان  مصـالحة ||

صورة العربي


كثيرًا ما يتساءل العربي عن هذه الصّورة القاتمة الّتي يظهر بها في الإعلام الغربيّ.  وفي الغالب، كما درجت عليه العادة، يحاول تحميل الإمپرياليّة والصّهيونيّة العالميّة المسؤوليّة عن هذه الصّورة المشوّهة، وبذلك يُريح ضميره فيركن إلى طمأنينة إلى زمن.  ثمّ يعود وينتفض مرّة أخرى كلّما اقتضته الضّرورة لذلك بعد سماع خبر هنا، أو رؤية مشهد لا يُعجبه هناك.

الأربعاء، 18 مايو 2022

تجارة الأشلاء

أرشيف: يناير 2008

سلمان مصالحة ||

تجارة الأشلاء


لعلّ الرّواية الّتي أوردها ابن كثير هي خير ما يمثّل العنف في التّاريخ السّياسي العربي الإسلامي.

الثلاثاء، 15 مارس 2022

سمير عطا الله || احتفالات البعث

مختارات صحفية -




غاب ميشيل عفلق أميناً عاماً للحزب في بغداد، وفي جنازة رسمية، فيما كان محكوماً بالإعدام في سوريا، وممنوعاً من العودة إلى منزله في حي أبو رمانة. وغاب نائبه صلاح البيطار برصاصة صامتة في فرنسا، من أجل عدم الإزعاج...

الثلاثاء، 11 يناير 2022

منصور عباس يقف على أكتاف عمالقة

 

 "علينا ألا نتنازل وألا نراوغ وأن نطالب بمساواة مدنية تامّة. وأن نكون، كعرب، جزءًا لا يتجزأ من الديمقراطية الإسرائيلية..."

الأحد، 14 فبراير 2021

شاهد عيان على هجوم الطليان

بيروت، ربيع 1912-


قصف عون الله 1912

سلمان مصالحة ||

شاهد عيان على هجوم الطليان


قبل نصف عام هزّ انفجار ضخم ميناء بيروت فاهتزّت منه المدينة بأَسْرِها وبكُلّ أُسَرِها، إذ لقي الآلاف مصيرًا من الموت والجراح، كما ضرب الهدم العمارات على امتداد مساحات واسعة. 

ولمّا كنت اعتدت منذ زمن على ترك أخبار هذا الأوان لدى سماعي خبرًا ما يهزّني في هذا العالم الواسع، وعلى وجه التحديد في هذا العالم العربي القابع في دهاليز لا يستطيع فيها رؤية بصيص من أمل، فقد ذهبت باحثًا عن أحداث من الماضي تعيدني إلى تلك الأماكن في أزمان غابرة. 

وبينما أنا غارق في أوهام وآلام الحاضر، رحت أحث النّفس على ركوب دفاتر الماضي بلغات الآخرين الذين كتبوا عن أحوال هذا الشرق. وهكذا سرعان ما وجدت نفسي قبل أكثر من قرن من الزمان، وفي فبراير من ربيع العام 1912 شاهدًا على انفجارات أخرى في ميناء بيروت، حين قصفت السفن الطليانية ميناءها وشاطئها. 

وهذه المرّة، أقرأ تفاصيل أخبار ذلك الزمان بصحيفة عبرية صادرة في تلك الأيام. ولكي تعمّ المنفعة على قرّاء لغة الضاد، فها أنذا أرويها عليكم مجدّدًا لما تحويه من أجواء تلك الأيام، وما تحويه من معلومات قد تكون مفيدة لمن ينوي الغوص في ملابسات تلك المرحلة.

لقد وردت هذه الأخبار في صحيفة ”هحيروت“ العبرية الصادرة في الأول من مارس سنة 1912. 
 

***
الخبر التي نشرناه في عددنا السابق بشأن الأحداث الأخيرة في بيروت أثار مشاعر المقدسيين لأنّ لدى الكثيرين منهم عائلات، أبناء وإخوان، أصدقاء ومعارف في بيروت، ولهذا كان القلق كبيرًا. كما نُشرت إشاعات مبالغ بها بخصوص محاولات هجوم جديدة من طرف العدوّ على سكان المدينة، وكذلك بخصوص محاولات قصف عكّا وحيفا وصيدا، وذكرت الإشاعات أنّ الجنود الطليان نزلوا إلى بيروت ، كما وصلت خمس سفن فرنسية من مرسيليا إلى بيروت، ووصلت إلى ميناء سعيد [بور سعيد] عشر سفن مدرّعة إنكليزية وهي تنتظر الأوامر من القيادة العليا... بالطبع لا نستطيع تصديق كلّ هذه الإشاعات قبل الحصول على تفاصيل رسمية من كلّ هذه الأماكن.

في هذه الأثناء، وصلتنا بالبريد الأخير أخبار لافتة من مراسلنا الخاصّ في بيروت، السيد يروشلمي [المقدسي]...


الرسالة الأولى من مراسلنا البيروتي:

(1)
”منذ يومين وصلت إلى لبنان، اليوم بعد الظهر خرجت للتنزّه مع بعض أصدقائي في السفوح الثلجية لجبال لبنان الجميلة والاستمتاع بالمناظر الطبيعية الخلابة التي تكسو جبل لبنان.
فجأة، شاهدنا مجموعات من الناس تسرع في الطريق الصاعدة من بيروت إلى الجبل. ماذا جرى؟ ماذا حدث؟ لم نعرف شيئًا وفقط سمعنا الصراخ هنا وهناك والضجيج يملأ الأجواء. غذذنا الخطو وأسرعنا نحو الناس المذهولين.
”شو هادا“؟ سألت أحد العرب الذي وقف بجانب بيت-قهوة نصراني.
”حرب!، الطليان في بيروت“، أجاب.
ذُهلت، واضطرب جسدي وتصبّبت قطرات عرق باردة على جبيني. لم أصدّق ما سمعته أذناي، وفي خضمّ هذا الانفعال الذي يصعب وصفه أسرعت إلى الفندق بدل الوقوف بانتظار الهاربين من بيروت، أخذت مسدّسي وخرجت. حثثت أصدقائى للذهاب إلى الشرطة اللبنانية لمعرفة حقائق الأخبار. جئنا إلى الشرطة، وكان الشرطيّون هناك مذهولين ويتهامسون بنبرات غاضبة. تقدّمت إلى أحدهم وسألته بلطف، ماذا جرى في بيروت. نظر إليّ مُحدّقًا وقال: ”لا تخف! أسرع واجلس في بيتك لئلّا يهجم عليك الهاربون في ساعة غضبهم وانفعالهم...“. اضطررت لسماع نصيحة الشرطي وذهبت إلى الفندق بفرائص مرتعدة.  مرّت ساعتان بدتا بنظري طويلتين كما الأبد. كانت روحي مستعرة وفؤادي مضطربًا. كانت لدي رغبة بالتواجد في بيروت لأرى ما يحدث هناك بأمّ عيني... فجأة سمعت طلقات نارية... شحب وجهي وارتعد جسدي. هممت بالخروج غير أنّ أصدقائي منعوني من ذلك. وقفنا في الشرفة وشاهدنا مركبات وعربات كثيرة مليئة بالرجال والنساء والأطفال والعفش والأواني البيتية. لقد كانت وجوههم كوجوه الموتى، لقد انتحبت النساء، وشاهدتُ امرأة نصرانية يُغمى عليها في أحضان ابنتيها... أحد المسلمين، بيروتي، مرّ وكان جريحًا... بين هؤلاء اللاجئين كان يهود كثيرون، أغلبهم بيروتيون وحلبيّون. أحدهم، من معارفي، شاهدني من بعيد فصاح...
”اصعد، اصعد إلى غرفتي!“ قلت له، وأسرعت هابطًا لاستقباله. لقد كان وجهه شاحبًا كالكلس وارتعدت فرائصه خوفًا. صافحته فكانت يداه باردتين، صعدنا وبصوت مرتعد أخبرنا ما جرى في بيروت هذا الصباح.
وهذا ما رواه على مسامعنا الصديق الذي كان شاهد عيان على فظاعة الحدث في بيروت:
”... يوم السبت صباحًا كان كلّ شيء هادئًا في بيروت. في الشاطئ كانت هناك سفن تجارية وبعض السفن الأخرى التي أخبرت عن قدوم سفينتين حربيّتين من بعيد. أسرع كثير من الناس إلى الرصيف وفجأة سُمع صوت رعد هائل وانفجار أذهل المارّة االذين كانو في طريقهم لفتح أبواب حوانيتهم. لقد تعاظم الانفعال إثر الإشاعة بأنّ الطليان أطلقوا القذائف على بيروت، غير أنّ الطلقة الأولى كانت على التورپيد التركي «أنقرة» وعلى السفينة العثمانية «عون الله»، لقد دُمّر التورپيد وغرق فورًا، بينما السفينة كادت تتحطّم. في الساعة السابعة صباحًا كان الميناء فارغًا. كلّ السفن التجارية التي كانت راسية هناك هربت من العدوّ وأبحرت بطرق شتّى. في الساعة الثامنة أُغلقت كلّ الحوانيت وأسرع كثيرون إلى الرصيف، لمشاهدة السفن الحربية الطليانية التي حضرت مرّة أخرى ورست مقابل المدينة. لقد قام الوالي ورئيس المأمورين بإصدار الأوامر لإدارة الميناء لإيجاد حلول مع الأميرال الطلياني، فطلب هذا الأخير أن تُسلّم له الأسلحة. لقد رفض الوالي بالطبع هذا الطلب، إذ إنّه يتناقض مع القوانين. مع استلام الأميرال هذه الإجابة أمر بالقصف. فأطلق النيران على السفينة التركية وأُغرقت على من فيها من قوّادها وملّاحيها، كما أُطلقت النيران على مبنى الميناء الجديد، على البنك السالونيكي وعلى البنك العثماني. لقد قُتل وجرح الكثيرون. لقد عمّت الفوضى وتراكض الآلاف من الناس في الشوارع لا يعرفون إلى أين يهربون، وهم يسمعون أزيز الرصاص المتطاير فوق رؤوسهم ويصمّ الآذان. الصراخ والعويل ملأ الأجواء وكلّ يبحث عن إنقاذ نفسه وأبناء عائلته. لقد كانت المخازن مغلفة الأسواق مهجورة، وفقط في بعض الأماكن كان هناك بعض العرب البسطاء وبعض الشبّان الذين حملوا البنادق، المارتينات والسيوف؛ إذ إنّ الحكومة استجابت لطلب الشعب ووزّعت البنادق. بالإضافة إلى الحكومة فإنّ اثنين من العرب، هما عبودي وبيضون، والمعروفين في المدينة كلصّين كبيرين قد فرّقا البنادق على رجالهما، كما قاما بتحطيم أبواب الحوانيت التي تبيع البنادق وأخذوا منها البنادق. لقد أرسلت الحكومة فرقًا من الجنود إلى الشاطئ ليكونوا على أهبة الاستعداد عندما ينزل الطليان. كلّ بيت يمكث فيه أناس من الرعايا الأجانب علّق على البيت علمه القومي لكي لا يُصاب بيته بأذى. لقد هرب المئات راجلين وعلى عربات إلى جبال الدروز، وإلى سائر لبنان في عرض البحر، إذ إنّ العربات الكهربائية توقّفت عن المسير، كما إنّ العربات قلّت وكان من الصعب العثور عليها. الكثير من اليهود هربوا وجاووا إلى هنا، بينهم أحد معارفي الذي روى لي تفاصيل هذه الأحداث.
إنّه لمن الصعب وصف المخاوف التي دبّت في قلوبنا لسماعنا التفاصيل على فظاعتها. لقد اقترحت على أصدقائي أن نسافر إلى بيروت ... ”ماذا؟ هل جُننت؟“ أجابوني، ”لن نسمح لك أبدًا بالسفر إلى بيروت!...“. أمّا أنا فقد أصررت على الذهاب إلى هناك لرؤية ما جرى بأمّ عيني، ولمعرفة ما جرى لأصدقائي، غير أنّ أصدقائي حثّوني على البقاء حتّى الصباح، وهكذا بقيت حتّى اليوم التالي.
لقد قضينا الليلة والخوف يخيّم علينا، وأنا استغللت فرصة بقائى في المدينة لكتابة هذه التفاصيل لقراء ”هاحيروت“.
***
(2)
... ها أنا في بيروت. دقّات قلبي تتسارع. فرائصي ترتعد وعيناي تسرحان لمشاهد المدينة المهجورة. في البداية خفت من الذهاب، غير أنّ قوّة مجهولة دفعتني للتجوال في الشوارع. توجّهت إلى محطة الشرطة الأولى التي صدفتها في الشارع، عند المستشفى البلدي. لقد فرحت بوجود شرطي هناك، من زملائي، فسألته فورًا عن الشهداء الذين سقطوا إبّان الهجوم. لقد سلمّني قائمة الأسماء لكلّ القتلى والجرحى. لقد كانت غالبيتهم من المسلمين. المسيحيون واليهود كانوا قلّة. وها هي بعض أسماء القتلى: عمر شمالي، عبد الرحيم شعبان، الحاج سعيد مصطفى باشا، محمد أبو سليم الحملي، سليم يوسف صباغ، رؤبين بن سلومون (يهودي)، محمد شاني (شرطي)، جميل دريان (كوميسار)، يوسف واكد، إلياس أبو الماع، وغيرهم كثيرون. ستّة عشر من القتلى المجهولين أُحضروا إلى المستشفى العسكري. في البحر قُتل عشرون ملّاحًا وموظّفًا، عشرون آخرون اختفوا وعلى ما يبدو فقد غرفوا في البحر. ثمانية موظّفين قُتلوا وأربعة عشر ملّاحًا جُرحوا. من سكّان المدينة جُرح كثيرون وها هي بعض أسمائهم: خالد بن غفور آغا، نجيب متري بربور، يشعيا بن يوسف (يهودي)، رفيق بك وابنه (صيدليان)، جواد بك (طالب في كلية الطبّ)، إبراهيم أفندي (ملازم)، الحاج يوسف الحلبي، فهمي أفندي (كاتب محكمة الاستئناف)، وغيرهم كثيرون.

لقد روى لي الشرطي أيضًا أنّ الحكومة قد اتّخذت جميع الاحتياطات بغية الحفاظ على أمن الشعب، وقد قام الوالي بإرسال برقية إلى وزير الداخلية ووزير الحربية للوزارة العليّة والباب العالي وينتظر الجواب.
لقد عمّت الفوضى في المدينة أمس. عندما ذهبت السفن الطليانية بدأ المئات من أفراد االشرطة بالسير في الشوارع والأسواق للحفاظ على النظام. لقد دبّ الخوف في قلوب المواطنين من الشبّان الغوغائيين الذين حملوا المسدّسات واستخدمونها لمآربهم الدنيئة عندما شاعت الفوضى. الضحية الأولى التي سقطت كان يهوديًّا، الأدون شتاينهارد، كان واقفًا في الصباح عند باب المتجر الكبير «أوروزدي باك» حين مرّ أحد الأتراك مشهرًا مسدّسه ودون أن يشعر به السيد شتاينهارد أطلق الحقير النار عليه فسقط اليهودي المسكين مضرّجًا بالدماء. إنّه يرقد الآن في المستشفى والأطبّاء فقدوا الأمل من إنقاذه. لم يكتف الحقيرون بذلك، وحين لقوا صهر السيد شتاينهارد أطلقوا النار عليه أيضًا، لكن لحسن حظّه أُصيب بيده بجرح بسيط. أيضًا على أحد اليهود السفراديم أطلقوا النار بالخطأ، إذ كانوا يصوّبون نحو أحد العرب والذي قُتل بعد أن سقط اليهودي أرضًا. لقد أثارت هذه الأحداث مشاعر اليهود.
لدى هبوطي الآن إلى الشاطئ اقتربت من السفينة المحطّمة الغارقة في البحر. جزء من البناية الجميلة للبنك العثماني القريب من مكان رسو السفينة المحطّمة قد انهار، وتحطّم الزجاج والأبواب. مبنى بيت الجمرك الجديد الذي بني منذ سنة تحطّم كلّه تقريبًا. كما تضرّر جدًّا مبنى «بنك دي سالونيك» الذي يقع مقابل الشاطئ. فقد اخترقت قذيفة أحد الحيطان ولو أنّها اخترقت الحائط الثاني لتهدّم البيت كليًّا.
الخوف يخيّم على المدينة. ثمّة خوف من حصول تمرّد في المدينة أو حدوث مناوشات بين المسلمين والنصارى، إذ إنّ الكراهية بين الطرفين شديدة. النصارى يخشون من المسلمين لأنّ هؤلاء غاضبين جدًّا ويرغبون في ضرب كلّ من يضع قبّعة على رأسه. وهكذا جرى مع أخينا السيد بارزل إذ تقدّم نحوه هؤلاء الشبّان الغوغائيين ظانّين أنّه طلياني، وبعد أن وعدهم بالمضيّ معهم حيثما يريدون تركوه وأطلقوا سراحه. وهكذا، فإنّ غالبية الذين كانوا يعتمرون القبّعات يلبسون الآن الطرابيش. في الحيّ الرئيسي الذي يسكنه نصارى كثيرون يخافون جدًّا من المسلمين، ممّا حدا بمدير الجامعة الأميريكية بالسماح للنصارى  بالدخول وبالاختباء في الجامعة حتّى تمرّ هذه الغمامة.
لقد أثرت الأحداث بالطبع على الحركة التجارية فكانت غالبية المخازن مغلقة في اليومين الأخيرين.
***
(3)
أخينا المسكين، السيد شتاينهارد، الذي هاجمه الغوغائيون، توفي صباح اليوم في المستشفى.
من دمشق وصل جنود وفرسان. أمس وطوال الليل مرّ الـ«طرامواي» في كلّ المدينة مليئًا بالعساكر ورجال الشرطة، وهكذا حافظوا على النظام فلم يحدث شيء. كلّ المؤسسات الأجنبية كانت محاطة برجال العسكر لحراستها.
أمس وصلت برقية من وزير الحربية في القسطنطينية بإعلان حالة الحرب في بيروت. لقد فرح السكّان بهذا الأمر الذي يُهدّئ القلوب ويعزّز الحراسة جدًّا، فلن يستطيع الزعران مواصلة أفعالهم الدنيئة في الشوارع. في جميع الأسواق يتواجد الآن أفراد الشرطة بالعشرات، ووحدات من الجندرمة والپوليس تجوب الشوارع إضافة إلى الشرطيين الثابتين في مواقعهم.
لقد بعث الوالي إلى الصحافة المحلية بيانًا رسميًّا بخصوص إعلان حالة الحرب في المدينة. وفقًا لهذا البيان يُحظر حمل السلاح دون إذن من الحكومة، يُحظر الخروج في الليل بعد الساعة الثامنة مساءً، يُحظر حمل بنادق الصيد بدون إذن خاصّ، كلّ من بحوزته سلاح عليه تسليمه للحكومة؛ كلّ من يخالف هذه الأوامر سيلقى أشدّ العقاب.
حتّى هذه اللحظة نحن متأكّدون بعض الشيء من أنّ السفن الطليانية لن تعود ثانية، إذ ساعة قصف الطليان ظهيرة يوم السبت للسفينة التركية، وصلت سفينة خديويّة، وأعلمتها السفينة الطليانية أنّها تاركة المدينة وأنّ بإمكان السفينة الخديويّة أن تدخل دون خطر إلى الشاطئ. بعض الأشخاص الذين كانوا ينظرون إلى البحر بالنواظير يقولون إنّهم شاهدوا سفنًا حربية أخرى كثيرة. لقد رافقت السفينتين الحربيّتين اللتين قصفتا المدينة سفينة أخرى حملت الطعام للجنود. غير أنّ هذه لم تقترب ووقفت بعيدًا من المدينة.
هذا، إذن، مافعله الطليان بمدينتنا. باستثناء الملّاحين الذين كانوا في السفينة وأشخاص آخرين قتلوا بينما كانوا على الشاطئ لم يُقتل سوى مائة وخمسين. من اليهود قتل اثنان فقط وهما اللذين ذكرتهما في رسالتي. وبالطبع على المقدسيّين ألْا يقلقوا على أقربائهم. الطلّاب اليهود الذين يدرسون هنا كانوا واثقين من أنّ مدير الجامعة الأميركية سيتيح لهم المبيت في الجامعة.
***
(4)
أمس كان كلّ شيء هادئًا. غير أنّ حوانيت كثيرة كانت مغلقة، وتلك التي كانت مفتوحة أُغلقت في الساعة الرابعة بعد الظهر. لم تصدر الصحف يوم أمس لأنّ العمّال لم يحضروا للعمل لأنّ غالبيّتهم ذهبوا إلى جبل لبنان.  اليوم بعد الظهر صدر الصحيفة العربية المحلية ”لسان الحال“.
أمس حضر الوالي والقنصل الروسي إلى متجر ”أوروزدي بك“ وحقّقوا في مقتل اليهودي الأدون شتاينهارد الذي كان يحمل جنسية روسية.
يُقال إنّ القنصل الروسي أبرق إلى بطرسبورغ كي ترسل الحكومة الروسية سفنًا حربية بسبب مقتل المواطن الروسي وبسبب الإشاعة التي انتشرت في المدينة بأنّ الأتراك يريدون قتل نائب القنصل الروسي.
الآن، الساعة الثانية بعد الظهر، وصلت سفينة حربية فرنسية واسمها مارسيليير Marseilleuse.  
حتّى يوم أمس قاموا في الأسواق بإعلام الناس بألّا يخافوا من سماع إطلاق الرصاص لأنّ سفنًا حربيّة أجنبية من المتوقّع أن تصل إلى مدينتنا.
الوضع الآن هادئ، غير أنّ القلوب لا زالت مضطربة. غالبية أصحاب الحوانيت يغلقون حوانيتهم مبكّرًا والنساء والصبايا لا يخرجن من بيوتهن من الخوف.  الحراسة في المدينة ممتازة.
إذا حدث شيء جديد، سأسارع إلى إخبار قراء ”هحيروت“.

جريدة ”هحيروت“ 1.3.1912

***


الجمعة، 5 فبراير 2021

حفاوة عربية بالزعيم الصهيوني

كذا كان قبل قرن من الزمان - 


الكولونيل كيش في الوسط وشيوخ العرب

سلمان مصالحة ||

حفاوة عربية بالزعيم الصهيوني


بين فينة وأخرى أحبّ العودة إلى الصحف والمجلات العربية القديمة، إذ إنّي كثيرًا ما أعثر فيها على روايات وأخبار تُضيء أمورًا مُظلّلة في هذا الأوان. إنّها بمثابة مصباح فَتّاشٍ من الماضي يكشف لنا ما لم يفلح بصرنا في الوقوف عليه في هذه الأيام.

السبت، 26 سبتمبر 2020

لماذا الترجمة، وكيف؟

من الأرشيف - عام 2005: 

 
استفتاء إيلاف - (4):

كيف يترجم الشاعرُ شاعرا؟ 

يكاد أن يُجمع جل المترجمين العرب على مقولة صلاح الصفدي، كما وردت في كشكول العاملي: "للترجمة في النقل طريقتان إحداهما أن يُنظر إلى كل كلمة مفردة من الكلمات الأجنبية وما تدل عليه من المعنى فيأتي الناقل بلفظة مفردة من الكلمات العربية ترادفها في الدلالة على ذلك المعنى فيثبتها وينتقل إلى الأخرى حتى يأتي على جملة ما يريد تعريبه... الطريق الثاني: أن يأتي الجملة فيحصل معناها في ذهنه ويُعبّر عنها من اللغة الأخرى بجملة تطابقها سواء ساوت الألفاظ أم خالفتها".

الأحد، 23 أغسطس 2020

تطبيع العرب في إسرائيل



لقد آن الأوان لأن يقف العرب في البلاد على رجليهم الاثنتين في بلدهم هنا، لا أن يضعوا رجلًا هنا ورجلًا هناك، كمن هو عالق في أرض حرام بلا أفق.

الجمعة، 14 أغسطس 2020

لبنان، الفرصة الأخيرة

 
إنّ الكارثة الأخيرة التي ضربت لبنان هي فرصة ذهبية تسنح الآن أمام الجيل اللبناني الجديد، لإعادة الأمل ليس فقط إلى سكّان هذه الدولة، وإنّما للفضاء العربي بأسره.

الجمعة، 7 أغسطس 2020

كالمستجير من الجائحة بالنائحة


 علينا الاعتراف أمام أنفسنا أنّ كلّ هذه العصبيّات التي ترضع من الدين، والطائفة والقبيلة، هي الدود الذي أفسد على العرب لذّة الوجود.
سلمان مصالحة

نصوص
  • شفا القلق

    خُذْ مِنْ بَقَايا الرُّوحِ مُرْتَمَقًا،
    وَانْثُرْ بَقايَاكَ عَلَى الوَرَقِ

    لَمْ يَبْقَ مِنْ شَـيْءٍ تُسَـائِلُـهُ
    إلاّ سَبَايَا الهَمِّ فَانْطَـلِـقِ

    وَارْسِمْ حُرُوفًا لَيْسَ يُدْرِكُـها
    قَوْمٌ تَوَارَوْا عَنْ خُطَى الأَرَقِ



محتويات الموقع

 
مختارات
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره.


  • كشف أسرار الرهبان

    "اعلم أنّ بعض هذه الطائفة أعظم الأمم كذبًا ونفاقًا ودهاء، وذلك أنّهم يلعبون بعقول النصارى ويستبيحون النساء وينزلون عليهم الباروك، ولا يعلم أحد أحوالهم...
  • مواطنة شرف

    عقب حرب حزيران في العام 1967، أو حرب الأيام الستّة كما شاع اسمها إسرائيليًّا،  أو النكسة، كما وسمها الإعلام العربي...
    تتمة الكلام
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة...
    تتمة الكلام...

قراءات
  • يهوه التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح ...


  • سبحان الذي أسرى

    نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...
    تتمة الكلام...

زوريخ، 17 فبراير 2026