طريق الغور

قصّة قصيرة

سلمان مصالحة || طريق الغور


السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة. اليد التي ارتفعت بحركة بطيئة وأمسكت بطرف منها ودّت أن تفعل هذه السّتارة أمرًا ما؛ أن لا تسمح مثلاً لضوء الشّارع ليلاً، أو ضياء الصّباح أن يدخلا أو أن يتدخّلا بما لا يعنيهما، أو على الأقلّ أن لا يسترقا لحظات تلصُّص لذيذة على ما تُخفي الغرفة من أسرار. ولكن، يبدو أنّ إرادة السّتارة قد اشتهت غير ما اشتهته اليد في ساعة متأخّرة من اللّيل. امتدّت اليد راسمة خطوطًا متعرّجة في الجسد العاري، كاشفة نتوئًا في الصّدر مدوّرة مثل كثبان رمل في صحراء داكنة ناعمة.

هل للسّتائر إرادة من ذاتها؟ سأل هلال نفسَه وهو ينظر إلى تَعرُّجات السّتارة محاولاً استخدام فراسته الطّبيعيّة، الّتي لا تُخطئ عادة في حُكْمه على بني البشر. حاول أن يختبر فراسته هذه المرّة على السّتائر. للسّتائر طباع كطباع بني البشر، همسَ لنفسه في فضاء الغرفة بصوت خفيض وقع صداه في أذنيه، فانتبه إلى أنّه قد غرق لحظة وغاب في شطحة صباحيّة طارئة.

مرّ بنظره ثانية على التواءات السّتارة التي تمايلت لعبور نسائم صباحيّة خفيفة من شقّ صغير أبقته اليد ليلة أمس. ها هو الآن في هذه العتمة يحاول أن يتذكّر لون السّتارة، نسيجها وخطوط نقوشها، يحاول جاهدًا أن يرى في هذه الأمور ما قد يكشفُ عن طبع خاصّ يميّزها عن سائر السّتائر. عندما وصل، في ساعة عصر أمس، لم ينتبه إلى كلّ هذه التّفاصيل، فرأسه كان منهمكًا بتفاصيل التواءات وتعرُّجات أخرى. نهض من السّرير، وألقى نظرة على السّاعة المتروكة على الطّاولة. السّاعة الآن هي الثّامنة صباحًا وهذه ساعة مبكّرة، على الأقلّ في هذا المكان الّذي وجد نفسه فيه.

حاولَ هلال أن يفهم لماذا يُشْغلُ بالَهُ بكلّ هذه الأمور الآن، وهل نسيَ أنّه موجودٌ في لحظة غير عاديّة ومكان غير عاديّ. هل نسي أنّه موجود في فندق، وهل نسي أنّ ستائر الفنادق لا تختلف كثيرًا عن بعضها البعض؟ كانت موظّفة الإستقبال في الفندق، وتمشّيًا مع آداب المهنة، قد رحّبت به بوجه بشوش عندما وصل عصر أمس. بعد أن فحصت جواز السّفر وتأكّدت من ترتيبات الحجز المسبقة سلّمته المفتاح فتوجّه خطوات معدودة نحو المصعد الّذي أقلّه إلى الغرفة.

فقط ما يجري وراء هذه السّتائر، أضاف بينه وبين نفسه، هو الّذي يختلف من مكان لآخر، ثمّ استدرك، أو قد لا يختلف. ستائر الفنادق، أضاف محاولاً الإفلات من براثن هذه الهواجس، أينما عُلّقت، إن كانت في پاريس أو في القدس أو في عمّان هي هي فلماذا، إذن، يشغل باله بها الآن.

ما أن قفزت كلمة عَمّان من بين شفتيه كما لو كانت حروفًا أولى يلفظها طفل يكتشفُ القدرة على الكلام، حتّى انتبه فجأةً إلى أنّه موجود في هذه المدينة الآن في هذه السّاعة من صباح أحد الأيّام من شهر آب اللّهّاب. كفَّ عن الغوص والبحث عن إجابات على كلّ هذه التّساؤلات، نظر مرّة أخرى إلى التواءات السّتارة، ورويدًا رويدًا رحلت عيناه في فضاءات الغرفة على غمامة نديّة من غباش صباحيّ خفيف، كما لو أنّه أفاق من حلم غريب لا يتذكّر الآن مجمل تفاصيله.

***
- ما الّذي تبحث عنه هنا في هذه البلاد؟ سألَه، بعد فترة من الصّمت طالت قليلاً، سائقُ التّاكسي الّذي أقلّه من الجسر، بينما كان يخرج من جيب في باب السّيّارة القريب منه علبة سچائر عارضًا عليه أن يجرّب واحدة من هذه الـ»مصنوعة محليًّا«، مُشدّدًا على هاتين الكلمتين. لم يفهم هلال من تشديده هذا إنْ كان جاء بغرض التّعبير عن روح وغَيْرة وطنيّتين أم أنّه فقط لمجرّد المزاح الشّعبي الّذي صار سمة لازمة لسائقي سيّارات الأجرة. لم يكن لدى هلال أيّ نيّة بالدخول في حديث متشعّب مع السّائق وفي هذه اللّحظة بالذّات، لأنّه كان غارقًا في هواجس وانفعالات لم يرغب في أن يلقي إليه أحدٌ، كانَ مَنْ كان، قشّة أو حبلاً من حبال الرّيح للنّجاة منها. فكم بالحريّ إذا كان هذا الأحد هو واحد من جمهرة سائقي التاكسيّات الّذين اتّخذوا من الحديث مع المسافرين مهنة أخرى لهم تنضاف إلى مهنتهم المرهقة.

عندما وقعت عينا هلال على علبة السچائر بيد السّائق، سارع فسحب من حقيبته علبة سچائره هو. كان يظنّه غير مُدخّن، ولم يشأ أن يزعجه بدخان سچائره، مع أنّه في الطّريق وَدَّ أن يتناول سيچارةً من علبته، أن يمتصّها ببطء كعادته، ثمّ ينفث معها أنفاسه المتسارعة انفعالاً ممّا تشاهد عيناه الآن، وممّا ستشاهداه عمّا قليل.

في الطّريق الّتي تقطع غور الأردن جنوبًا قبل الإلتفاف يسارًا والصّعود في ثنيّات الجبل، فكّر هلال في أمر السّيچارة قليلاً غير أنّه عدل عن الفكرة محدّثًا نفسه: حاولْ، يا رجل، أن تكبت شوقك لهذه النّار الدّاخنة، فالمسافة ليست بعيدة ويكفيك نارُ هذا الغور المُغبرّ في هذا اليوم من شهر آب. ثمّ احفظ، أضاف لنفسه، شوقَك هذا لهذه النّار، فهناك وراء هذه التّلال الجرداء، من ينتظر هو الآخر، على أَحرّ من الجمر، الإقتباسَ من هذه النّار الّتي تضطرم في أعماق نفسك.

عندما سمع هلال عرض السّائق عليه سيچارة، اعتذر عن عدم قبوله العرضَ بتناول سيچارة »وطنيّة«، معلّلاً ذلك بأنّه لا يغيّر سچائره إذ أنّ التّغيير يسبّب له قحّة »وطنيّة« معهودة. أشعل كلّ واحد منهما سيچارته وخيّم الصّمتُ من جديد على السّيّارة. فتح هلال نافذة السّيّارة قليلاً لاستنشاق هواء نقيّ قدر الإمكان في هذا المكان والزّمان من جهة، ولنفث دخان سيجارته خارجًا حتّى لا يتحوّلا هو والسّائق إلى جُثّتين مُدَخَّنتين في هذه العلبة المعدنيّة. دسّ هلال رأسه في النّافذة وواصل تفحّص هذه الطّريق ومعالمها. فقط صوتُ محرّك السّيّارة اللاّهث في هذه الطّريق الصّاعدة في السّفوح الصخريّة الجرداء ذَكّرَه الآن برحلاته المتعدّدة في الجهة الأخرى من نهر الأردن. ها هي كلّ هذه العلامات على الطّريق الّتي كان يمرّ بها في طريقه شمالا، ولكنّه الآن يراها بحجم أكبر، وعن كثب.هذه هي المرّة الأولى الّتي يسلك فيها هذه الطّريق.

طوال سنين كان يُسافر في الجهة الأخرى من الغور. كان، قبل أن يقتني سيّارة، يجلس في مقعد في الباص الخارج من القدس إلى طبريّة بجانب النّافذة، وبعد أن يقرأ الصّحيفة الّتي يقتنيها في المحطّة المركزيّة يدسّها في حقيبته ثم يُلصق عينيه بزجاج النّافذة لا يحيد نظره يمنة أو يسرى. كان ينظر إلى تلك الجبال الصّفراء عبر النّهر. كم قاحلة تلك الجبال، كان يقول في نفسه، إنّها شبيهة بالتّلال في هذا الطّرف من الغور، ولا بدّ أنّها في زمان ماضٍ بعيد أو قريب كانت متّحدة حتّى جاء زلزال وفصلهما عن بعضهما. كان الباص يشقّ طريقه في هذا الشّقّ في التواءات الطّريق الّتي تسير بحذاء النّهر من جهة الغرب قاصدًا بيسان شمالاً، ثمّ حتّى طبريّة محطّته الأخيرة. كان الباص يلتهم الطّريق ويلتوي مع التواءات الشّارع بينما كان هو يشقّ طريقه ويتلوّى في التواءات حلم لا يرى له لا أوّل ولا آخر.

في الماضي كان يسافر كثيرًا شمالاً، ولأنّ السّفرة كانت طويلة بمقاييس تلك الأيّام، كان يجعل له علامات على الطّريق. لم يضع هو تلك العلامات، بل آخرون كانوا وضعوها قبله. أحيانًا كانت تلك علامات على وجه الأرض صنعتها الطّبيعة ولم يتدخّل فيها نفر من البشر. في تلك الأيّام لم يكن ينظر إلى السّاعة فكان يعرف بالضّبط الزّمنَ الّذي تستغرقه السّفرة لكثرة ما سافر شمالاً. بدلَ أن ينظر إلى السّاعة فضّلَ أن يُلصق وجهه في زجاج نافذة الباص ويعدّ القمم في الجهة الأخرى من النّهر حينًا، وحينًا يتفرّسُ وجهَ الأرض محاولاً تَبيُّنَ قسمات جديدة أو نُدوبًا طبيعيّة تكون له علاماتٍ بارزة على الطّريق. كان يفعل ذلك كي لا يُبَرّح به الملل. لقد اختار اتّخاذ هذه الطّريقة نهجًا له بَدَلَ النّظر المملّ إلى السّاعة بين فينة وأخرى لرؤية كم تبقّى من الوقت للوصول إلى محطّة الباصات المركزيّة في طبريّة.

وها هو الآن في الجهة الأخرى من النّهر ينظرُ من شاهقٍ على طريق الغور الّتي سلكها مرّات كثيرة ذهابًا وإيابًا، وها هو الآن يتفحّصها من بعيد. كم تبدو له تلك التّلال الغربيّة الآن قريبة وبعيدة في آن معًا.

حين تقطع النّهر شرقًا وتختفي وراء القمم تشعر وكأنّك تغلغلت في أعماق الصّحراء بعيدًا عن البحر، بعيدًا عن تلك النّسائم العليلة الّتي تأتي حاملة في مساماتها تلك الرّطوبة النّظيفة والخفيفة من البحر الغربيّ، تلك النّسائم الّتي أنعشت الأغاني والحقول وكثيرًا من النّفوس. غير أنّ الصّحراء هي منبع لخيالات الرّوح، قال هلال في قرارة نفسه، بينما كان يحاول أن يمسح قطرات العرق الّتي بدأت تنبع في مساحات متّسعة من جبينه. لكنّها، أضاف لنفسه، ربّما يجب أن تبقى بعيدة، أن تبقى حلمًا يزوره في لياليه إذ عزّت الأحلامُ. الصّحراء، قال لنفسه بنبرة واثقة كما لو كانت مأخوذة من إعلان مبادئ، يجب أن تقوم هناك بين واحتين يعبرها المرءُ بين الماء والماء حتّى لا تستحوذ على العقل وتجفّف الرّوح.

*****

حينَ سأله السّائق في الطّريق عن سبب قدومه إلى هذه البلاد لم يكن السّائق يعلمُ أنّ الجواب على سؤاله لا يُمكنُ أن يُعطَى هكذا في هذه المركبة العامّة لسائق أقلّه بالصّدفة من المعبر الحدودي. كان السّائق يمكن أن يكون شخصًا آخر، فكلّ ما في الأمر أنّ رِجْلَي هلال أقلّتاه بضع أمتار إلى محطّة التّاكسيات وانتظر دوره هناك، حتّى جاء هذا السّائق. فالسّائق كان يمكن أن يكون ذلك السّائق الضّخم الجثّة الّذي سبقته إليه المرأة النّحيلة، المرتّبة الهندام برفقة ولدين كانا يبدوان أنّهما ولداها. وكان يمكن أن يكون سائقًا آخر، غير هذا وذاك، لو قبلَ عرض أحد المتسكّعين في المعبر، من أولئك الّذين جعلوا مهنة اصطياد السّائحين مهنة لهم، مرّة لنقل حقائبهم ومرّة لإحضار تاكسي لهم لقاءَ مبلغ زهيد يدفعه لهم السّائح، قد يساعدهم بالطّبع على القيام بأودهم، أو أود أولادهم وعائلاتهم.

لم يرغب هلال في الحديث مع السّائق عن أمور لم يفصح بها حتّى لأناس مقرّبين له، فزيارة هلال لهذه البلاد الآن هي زيارة سرّيّة لا يعلمُ بها أحد، فكيف بهذا السّائق الّذي جمعته به الصّدفة فقط. بعد برهة قصيرة، لم يشأ أن يخيّب أمل السّائق فأطلق في فضاء السّيّارة جملة واحدة لا تعني شيئًا، قال: إنّها مجرّد زيارة قصيرة للقاء أصدقاء، وعادا فغرقا كلّ في حال سبيله، السائق في تنفيذ المهمّة التي أنيطت به في محطّة الجسر، وهلال في مسارب وأحلام أخرى.

ها هو الجسر الّذي يمتدُّ بين ماضيه وحاضره. ها هو الجسر الّذي يعبره الآن لوحده إلى منطقة وسطى لا شيء فيها غير هذا الجسد العاري إلاّ من قطف العنب الملقى على الطّاولة، مثلما هو مُلقى الآن في هذا الفراش وجسده الآخر يتراءى له في المرآة. لا شيء في هذه المنطقة الوسطى غير هذه الرّوح الّتي تحمله بأجنحتها الواسعة الرّحبة إلى جزيرة غريبة وساحرة. قد يسأله سائل، وما هو السّحر في هذه الجزيرة؟ فكيف سيشرح لمن يسأله عن سرّ سحرها. كيف سيقول لهم إنّ سحر هذه الجزيرة هو بقوّة الجاذبيّة فيها، فهذه جزيرة ليست كسائر المواقع على وجه الأرض. إنّها جزيرة فريدة، مَنْ تطأ رجلاه فيها لا يستطيع بعد ذاك الحراك، فخطواته لاصقة بأرضها، برملها، بكثبانها، بتلالها، بعشبها الّذي تعتني به يدان غير مرئيّتين، بفروع شجرها الوارفة الظّلال، بمياهها العذبة، بنبض كثبانها الممتدّة على شاطئ الرُّوح، يستنشق الهواء، يملأ رئتيه بكلّ هذا النّقاء حتّى يَعُودَ شظايا سناء حائم في فضاء هذه الغرفة الظّلماء. في الواقع لا حاجة به للانتقال إلى أيّ مكان بعد أن وطأت رجلاه الجزيرة الآن، لأنّه عرف أخيرًا أنّه وصل إلى مكان وجد فيه كلّ شيء، إلى مكان هو المبدأ والمآل.

بدأت رحلته إلى هذه الجزيرة منذ عام تقريبًا. كان الوقتُ صيفًا، جلس هلال في شقّته الجديدة يعدّ الدّقائق مرّة أخرى. لكن ما الفائدة من عدّ الدّقائق، وعمّا قليل، بعد ساعة من الزّمن على الأكثر سيجد نفسه في مواجهة غريبة مع نفسه، مع ماضيه وربّما مع ما يخبّئ له المستقبل. كانت السّاعة السّابعة مساء أو قريبًا منها. على غير عادته، جلس في صالون بيته الجديد وصبّ لنفسه كأسًا من النّبيذ وبين رشفة من الكأس ونظرة إلى الحديقة الفاصلة بين البيت والشّارع، كان بين فينة وأخرى يختلسُ نظرات فيها شيء من الانفعال والقلق وينظر إلى عقارب السّاعة. المكان هنا لا تتغيّر تضاريسه مثلما كانت الحال في أوقات سفره بالباص شمالاً. في تلك السّفرات من الماضي كانت تتبدّل العلامات الّتي اتّخذها على الطّريق. في تلك الرّحلات كان يقيس الوقت بتبدّل العلامات، هنا قمّة غريبة، وهناك مبنى ما، هنا مغارة في التّلّ وهناك شجرة تنتصب منفردة في عرض الصّحراء وما إلى ذلك ممّا يتّخذه العقل سلوى له من ملل السّفر. أمّا هنا، في هذا البيت، فهو جديد على على هذه الحارة ولم ينتبه بعد إلى خصوصيّات البيت الصّغيرة الّتي تمكّنه من التّعرُّف على الوقت دون النّظر إلى السّاعة في يده. تمرّ الدّقائق وكأنّه أخذ على عاتقه مسؤوليّة عَدِّها. كأنّ هاجسًا ما طلب منه أن يعدّ هذه الدّقائق الّتي لا نهاية لها، هكذا بلا سبب وبلا هدف. أو كأنّ حُكمًا غريبًا بعدّ الدّقائق فرضته عليه محكمة المكوث في هذه المدينة الغريبة الأطوار.

مدينة غريبة حقًّا هي القدس، وأشدّ ما تكون غرابتها عندما يكون المرء غريبًا فيها هو أيضًا. هكذا تتراكم الغرابات هنا في هذه المدينة فوق بعضها البعض وتمتزج لتخلق حالاً من العيش على حبل رفيع شُدَّ فوق هوّة مليئة بكلّ ما هو مرعب. من جهة، يُصاب المرء بالإدمان على السّير على هذا الحبل الممدود بين قطبين، لما لهذا السّير فوق الهوّة من متعة الإنفعالات وذعر السّقوط في هوّة لا قاع لها، ومن جهة أخرى يهدّ جسده هذا الإنهاك من السّير المتواصل ذهابًا وإيابًا على الحبل بلا غاية. وما العمل وقد بدأ يرى كيف يَهِي هذا الحبلُ تحت قدميه، وكيف أخذت رجلاه ترتعدان قليلاً ولم تعودا كسابق عهدهما في ثباتهما رغم كلّ العواصف الّتي هبّت عليه في هذا المكان الغريب؟ هل يستجمع قواه ليعبر إلى أحد طرفي الحبل ليجد موطِئًا، ولو ضيّقًا، يُريح عليه مؤخّرته، ليهدأ قليلاً من هذا الإنهاك؟ أو يبقى هكذا على هذه الحال يقترب حينًا من هذا الطّرف وحينًا من ذاك فيجفل لما ترى عيناه، فيعود إلى هذه المنزلة الوسطى فوق الهوّة المُرعبة والممتعة في آن معًا؟

كلّ هذه التّساؤلات تتعالى في فضاء الغرفة مع خيوط الدّخان الصّاعدة من سيچارته المشتعلة دائمًا منذ ما ينيف على ثلاثة عقود. تتمايل الخيوط في حركات ثعبانيّة بهلوانيّة وقبل أن تصل إلى السّقف تأتي نسمة خفيفة من الشّرفة المفتوحة فتفرّقها أيدي سبأ. يشاهدُ هو هذه الخيوط المندثرة الّتي لا تُبقي أثرًا في البيت، ثمّ بحركة بطىئة يمدّ يده ويتناول كأس النّبيذ الموضوعة غير بعيد عن متناول يده. لقد اعتادَ أن يضع الكأس غير بعيد عن متناول اليد درءًا لوجوب الحراك من مقعده للوصول إليها. وصل إلى هذه الإشراقة صدفة بعد سنوات من تشتّت الأفكار الّذي لم يدر كيف كان يحصل له. ها هو قد تعلّم بعد كلّ هذه السّنوات أنّ الحراكَ في المكان يُشتّت الأفكار، وهو لا يريد لهذه الأفكار أن تتشتّت الآن. هذه اللّحظات عزيزة عليه لأنّها لحظات استغراق في بحر بعيد الغور من التأمُّل في كلّ شيء. فحتّى أصغر الأشياء شأنًا تأخذ أبعادًا غريبة وتتشكّلُ بألوان زاهية ليس في وسع المتحرّك في مكانه أن يراها. فكلّ من يرغب في الوصول إلى هذه اللّحظات، ما عليه إلاّ أن ينتحي في رُكن من أركان البيت وحيدًا، يتّخذ له مجلسًا مريحًا، كأسَ نبيذ بشرط أن تكون في متناول اليد، سيچارةً إن كان من المدخّنين وموعدًا جديدًا مع المجهول.

***
في هذه السّاعة الآن وهو لا يزال يستيقط من نومه لا يشعرُ بحاجة إلى النّظر، لا إلى عقارب السّاعة ولا إلى علامات بارزة على الطّريق، لأنّ طريقًا مُبْهِرةٌ تنبسطُ أمامَه واضحةً مُبْهَمَةً في آن. حاول جاهدًا، بما أوتي من يقظة، أن يمسك بخيوط الحلم الّتي بدأت تتشابك وتتشابك دون أن يرى لها نهاية، وبأصابعه الّتي لا يزال خَدَرٌ صباحيّ خفيف يسري فيها يحاول فكّ هذه الاشتباكات وحلّ تعقيدات هذه الخيوط، غير أنّ محاولاته الجاهدة تذهبُ أدراج رياح هذا الصّباح الوَسنان. يُجيلُ بنظره في الغرفة متفحّصًا؛ ها هي زُجاجة الويسكي لا زالت على الطّاولة في المكان الّذي تُركت فيه ليلة أمس، وها هما الكأسان الفارغتان ما زالتا بجانبها، وها هو قطفُ العنب الأحمر، الّذي نقصت منه حبّات غير كثيرة، ما زال يستلقي ثملاً من بخار الكأسين أو من بخار الشّفاه الّتي لامسته قبل ساعات معدودات، أو أنّه ثملٌ مُلقى مثله من بخار ذاته المتطايرة في كلّ اتّجاه. يتوقّف قليلاً عند هذا المشهد، ثمّ ما يلبث أن يرى نفسه مستلقيًا على التّخت عاريًا إلا من هذه الأفكار. يمرّر يده على صدره فتداعب أناملُه شعراتٍ بيضًا نبتت هناك في الوهاد والتّلال وحول الحلمتين نُزولا إلى واحة كساها العشب وتمايلت فيها نخلة نمت هناك سرًّا مثلما نَمَتْ ليلتُه سرًّا هي الأخرى على بخارِ العنب.

تتخطّى أناملُه الشّعرات البيض إلى التواءات وتعرّجات دافئة أخرى يراها في المرآة بإزاء التّخت فيحاولُ أن يفهم كيف ذا يكون له جسدٌ آخر في هذه اللّيلة. يسألُ نفسه، هل أنا هنا حقًّا؟ هل هذه الزّجاجة، الكأسان الفارغتان وقطف العنب هي أجسام حقيقيّة، أم أنّ كلّ ما تراه عيناه الآن في هذا الصّباح لا يزال فصلاً من فصول هذا الحلم الّذي لم ينتبه منه بعد. التواءات وتعرّجات السّتائر أعادت إلى مخيّلته التواءات طريق الغور الصّاعدة في المرتفعات الجرداء إلاّ من شجرة هنا أو هناك، وحيث تجمهرت شجرات قليلات رأى طريقًا ترابيّة داخلة إليها، حيث أُثبتت على جانبها لافتة تحمل اسمًا كبيرًا، له ما له في منطقة جافّة وحارّة مثل هذه. ينظر إلى اللاّفتة ويقرأ عليها كلمة »مُنتزه«، يلتفت إلى هذه الصّلعة الخضراء في الجبل، بينما السّيّارة تأخذ طريقها بلهاث صاعدة ملتوية بالتواءات الطّريق باتّجاه السّلط.غير أنّ الجسد المستلقي على السّرير تحرّك والتفت إليه، وبصوت خارج من حلم عميق سألته ليلى عن السّاعة، وحين علمت بأنّها التّاسعة صباحًا وبّختْهُ على يقظته المبكّرة، وذكّرته بأنّه ليس في القدس وما من عمل هنا ، ثمّ أشارت له أن يأتي إلى جانبها وعادت إلى سابق حلمها.

وقف هناك بجانب النافذة المطلّة على الشّارع في الطّابق الثّالث من الفندق. كان تحت في السّاحة في هذه السّاعة المتأخرة من الصّباح بعض النّزلاء الّذي يتداولون برنامج زياراتهم في هذه المدينة. قال في نفسه إنّه لم يأت إلى هنا لزيارة معالم أو أماكن بعينها، إنّما جاء لسبب لم يشأ أن يكشف عنه حتّى للسائق الّذي أقلّة بسيّارته من الجسر. أراد أن يحيط مجيئه إلى هنا بسريّة تامّة، لأنّ أحدًا لن يفهم هذه الرّحلة. أعاد السّتارة إلى مكانها، ثمّ أجال بنظره في فضاء الغرفة حتّى وقع على الجسد العاري متفحّصًا ببطء ألوانه وتعرّجاته. كان الجسدُ مستلقيًا هناك على السّرير، عينان مغمضتان كانتا تشيان بنوم هانئ عميق، حلمتان داكنتان مستريحتان في الكثبان مثل غزالتين نابضتين في ليلة مقمرة غير بعيد عن نبع الحياة الّذي تنامت على مياهه أعشاب طريّة. عند الصّدر وقع بصره على طفلة مستلقية غارقة في حلم لم يكتمل بعد لغضاضة جسدها. يد واحدة كانت تسند البطن، واليد الثّانية كانت ممدودة على السّرير في المكان الّذي استلقى فيه من قبل. كان شعر الطّفلة يكاد يُداعب حلمة هناك على الرّمل.

وقف بجانب النّافذة ناظرًا إلى هذا المشهد ثم حاول الإقتراب من السّرير غير أنّه وفي كلّ خطوة من خطواته مقتربًا كانت صورة الطّفلة يعلوها ضباب. حاول أن يفرك عينيه لإزالة غبش الصّباح لكنّه لم يُفلح في إزالة الضّباب عن الصّورة. ذُعر لهذا المشهد فعاد أدراجه إلى النّافذة محاولاً الإبقاء على تلك الطّفلة نابضة بين الحلمتين.

أزاح السّتارة قليلاً ثم ألقى نظرة إلى الساحة. لم يقع نظره على أحد هناك، لا في الساحة المفضية إلى الفندق، ولا في الحديقة الجانبيّة، حيث كان نزلاء الفندق قد خرجوا كلّ إلى طريقه، ما عدا طفلة واحدة كانت تتقافز بشقاوة في السّاحة. كان تعرّف عليها مساء أمس في الفندق. ظنّته من بعيد أباها فركضت إليه تحضنه، فلم يرغب في أن يخيّب أملها فحضنها هو الآخر حتّى نسي من هو ومن أين جاء وإلى أين هو راحلٌ من هنا. وحين يتمعّن فيها الآن في السّاحة يرى أنّها تشبه الطّفلة المستلقية بجانب الحلمتين المثبتتين في الجسد المستلقي بطمأنينة عميقة على السّرير بإزاء المرآة. مدَّ رأسه خارج النّافذة في الطّابق الثّالث، وحاول أن ينادي الطّفلة باسمها، غير أنّها لم تسمع نداءه، وسارعت إلى الدّخول واختفت في بهو الفندق. سمعت ليلى نداءه، فتململت في السّرير بعد أن استيقظت من نومها، وأشارت إليه بيديها المشرعتين أن يُسدل السّتارة ويخطو نحوها. سحب السّتارة على النّافذة فخيّم الظّلامُ مرّة أخرى في فضاء الغرفة. وما هي إلاّ هنيهة حتّى كانت ألسنة النّيران تتعالى من جسديهما في المرآة وتلقى بظلالهما المُتقلّبة على السّرير، بينما صفّارات الإطفائيّة تُولولُ بلا انقطاع خارج الفندق.

***

نشرت في مجلة مشارف.
___________________________________

مشاركات:





تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics