الجمعة، 30 أكتوبر 2009

الضراط في التراث العربي


فلو عدنا إلى قراءة التّراث الّذي حفظه لنا القدماء، سنصل إلى قناعة مفادها إنّه، وعلى ما يبدو، فإنّ العرب هم أعلمُ خلق الله بضروب الضّراط. ولذلك جرى على لسانهم وأطلقوه في أمثالهم.

سلمان مصالحة


الضراط في التراث العربي



مثلما سينجلي لنا فيما هو آت
من كلام دوّنه السّلف في المأثورات، فلعلّ خير ما نستهلّ به هذه المقالة هو أن نبدأها بحمد اللّه الّذي أنعم على خلقه بالفساء والضّراط. فلو عدنا إلى قراءة التّراث الّذي حفظه لنا القدماء، سنصل إلى قناعة مفادها إنّه، وعلى ما يبدو، فإنّ العرب هم أعلمُ خلق الله بضروب الضّراط. ولذلك جرى على لسانهم وأطلقوه في أمثالهم.

ولمّا كان الضّراط من نعم الخالق على خلقه، فلا حرج من الولوج في هذا الباب لنقتفي آثار السّلف الصّالح (ربّما أحرى بنا أن نقول: السّلف السّالح)، ناظرين فيما أبقوه لنا من روايات تتطرّق إلى هذه المسائل لما لها من سرّ مكنون، ومن أبعاد حضاريّة وإسقاطات معنويّة على مجريات حياة الأفخاذ والبطون.

ولكن، وقبل أن نلج عميقًا في تضاعيف هذا التّراث، دعونا ننظر أوّلاً في معنى الضّراط من الناحية اللّغويّة كي لا يلتبس باب الضّراط على عامّة القرّاء أو على الخاصّة من أهل البلاط.

فلو بحثنا في مدلول الضّراط، لغةً،
سنجد، كما يذكر ابن منظور في اللّسان، أنّه: "صوت الفَيْخِ، معروف. ضَرَطَ يَضْرِطُ ضَرْطًا وضَرِطًا، بكسر الراء، وضَرِيطًا وضُراطًا. وأَضرَطَهُ غَيْرُه وضَرَّطَه بمعنًى. وكان يقال لعمرو بن هند: مُضَرِّطُ الحِجارة لشِدّتِه وصَرامَتِه. ورجل ضَرّاطٌ وضَرُوطٌ وضِرَّوْطٌ... وأَضْرَطَ به: عَمِلَ له بفِيه شبهَ الضُّراط." (لسان العرب: مادّة ضرط). والضّراط، على العموم، لا يقتصر على بني البشر، بل هو حدثٌ يحدث للحيوان أيضًا. غير أنّ أهل العلم بالضّراط من العرب قد أفردوا مصطلحات خاصّة لضراط كلّ من هؤلاء، كما يذكر فقهاء اللّغة، فأشاروا إلى: "ضراط الإنسان، ردام البعير، حصام الحمار، حبق العنز." (أنظر: فقه اللغة للثعالبي: ج 1، 432).

غير أنّ مصطلحات الضّراط هذه تستعارُ أحيانًا من الحيوان استخدامًا للإنسان، فيقال حبق بدل ضرط نقلاً للإنسان من العنز، ربّما لغايات الغمز واللّمز. وقد يكون استخدام الأصل "حبق" لغرض آخر، فكما قيل عن عمرو بن هند مضرّط الحجارة، فقد يُستخدم الأصل "حبق" تسمية لشخص تفاؤلاً بشجاعته، مثلما أُطلقَ على المُحَبِّق، وهو والد المُحدِّث سلمة بن المُحبّق: "وإنما سمّاهُ أبوه المُحبّق تفاؤلاً بشجاعته أنّه يُضرّطُ أعداءَه." (عون المعبود: ج 9، 159). فالحبق هو الخلف، الرّديء الخارج من الاست، إذ يقال للرّديء من الكلام خلفًا. وذكرت العرب في الأمثال: "سكت ألفًا ونطقَ خَلْفًا. أي رديئًا من الكلام، وقيل للاست إذا ظهر منهُ حبْقَة: خَلْفَة" (مفردات غريب القرآن للأصفهاني: ج 1، 155؛ أنظر أيضًا: إصلاح المنطق لابن السكيت: 3، 20)، والحَبْقَة ههنا هي الضّرطة بعينها، أو هي "الضرطة الخفيفة"، كما يذكر ابن دريد (أنظر: جمهرة اللّغة لابن دريد: ج 2، 129. أنظر أيضًا: "حبق"، القاموس المحيط، لسان العرب، الصحاح). وقد دخل الضّراط في الأمثال العربيّة، كما روي عن السّليك بن السّلكة: "وقع عليه رجلٌ وهو نائم فضغطَه السليك، فحبقَ الرجلُ، فقال السّليك: أضَرْطًا وأنتَ الأعْلَى؟ فأرسلها مثلاً." (نضرة الإغريض في نصرة القريض للمظفر بن الفضل: ج 1، 24). ولذلك قالوا أيضًا: "الضّراط في أوانه خير من الكلام في غير زمانه." (محاضرات الأدباء للراغب الأصفهاني: ج 1، 26).

ولمّا كان العربُ علماء بالضّراط
فقد اتّسعت معارفهم لتشمل معلومات عن أمم ضارطة أخرى، سالفة منها وطارفة. فها هم يطوفون الآفاق ويطرقون باب الهند بحثًا عن علوم الضّراط وفوائده العلاجيّة، فنقرأ على سبيل المثال: "زعمت الهندُ أنّ حبْسَ الضّراط داءٌ دويٌّ، وأنّ إرساله مُنجٍ، وأنّه العلاجُ الأكبر. وكانوا في يوم اجتماعاتهم ومحافلهم لا يَحْبسون ضرطةً، ولا يُسرُّون فَسْوةً، ولا يرون ذلك عيبًا ولا ضحكة." ( أنظر: محاضرات الأدباء للراغب الأضفهاني: ج 1، 445).

غير أنّ عرب الجاهليّة،
وبخلاف أهل الهند طبعًا، فقد كانوا يرون في الضّراط عيبًا، ومثارًا للضحك: "وكانوا في الجاهلية إذا وقعَ من أحدهم ضرطةٌ في المجلس يضحكون..."، وقد وصل علم العرب والمسلمين بالضّراط أنّهم تحقّقوا من أنّه كان من أفعال قوم لوط القدماء الّذين كانوا لا يأبهون من إحداث ذلك في مجالسهم: "وكان هذا من جملة أفعال قوم لوط، فإنّهم كانوا يتضارطون في المجلس ويتضاحكون." (عمدة القاري للعيني: ج 28، 496؛ أنظر أيضًا: تاريخ الطبري: ج 1، 113؛ البداية والنهاية لابن كثير: ج 1، 206؛ الكامل لابن الأثير: ج 1، 38).

لقد بلغ ضحك العرب القدماء من الضّراط في المجالس مبلغًا لدرجة أنّهم لقّبوا بعض فحول شعرائهم به، كما كان من حال الشّاعر جرول بن أوس، الشّهير بالحطيئة. فهذا الشّاعر، كما تذكر الرّوايات، هو: "من فحول الشعراء ومُقدّميهم وفصائحهم وكان يتصرّف في جميع فنون الشعر من مدح وهجاء وفخر ونسب ويجيد في جميع ذلك... قال حماد الراوية: لُقّب الحطيئة لأنّه ضرطَ ضرطةً بين قوم، فقيل له: ما هذا؟ قال: إنّما هي حطأة، فلُقّب الحُطيئة." (الإصابة لابن حجر: ج 2، 176؛ أنظر أيضًا: الوافي بالوفيات للصفدي: ج 4، 8؛ التذكرة الحمدونية: ج 2، 405؛ نهاية الأرب للنويري: ج 1، 270). وحين نبّه أحد الكتّاب الذين كانوا يشتغلون عند أحد العلماء الذي كان به طرش: "وكان يُرسلُ الضّرطةَ في مجلسه ويحسبها فسوة، فعرّفه كاتبُه ذلك في رقعةٍ، فوقّع في جوابها: أقلُّ ما لي عند أهل علمي، أن يحتملوا إلى صَرْف ما بين الفسوة والضرطة." (نثر الدرّ للآبي: ج 2، 40).

غير أنّ الضّرطة
ليست على هذه الحال دائمًا. بل كان العرب يتفاخرون بالضّراط أحيانًا، وقد ذكروا ذلك في أشعارهم، كما روى أبي عبيدة: "قال: تضارط أعرابيان عند خالد بن عبد الله، أحدهما تميمي والآخر أزدي فضرط الأزدي ضرطة ضئيلة، فقال التميمي: "حبقتَ عجيفًا محثلاً وَلَوَ انَّنِي - حَبقْتُ لأسْمَعْتُ النّعامَ المُشَرَّدَا / فَمَرَّ كَمَرِّ المَنْجَنيقِ وصَوْتُهُ - يبذُّ هزيمَ الرّعْدِ بدءًا عَمَرّدَا." (الحيوان للجاحظ: ج 1، 385).

يمكننا القول إنّ الضّرطة، وإنْ كانت تُعدّ عيبًا بنظر العربيّ حينما كانت تحدث في المجالس العامّة، فهي أيضًا من دواعي فخره، وفي بعض الأحيان تُعتَبرُ بَرَكةً ونعمةً في حال حدوثها في العزلة، كما يُروى: "عن الحسن بن دينار عن حميد بن هلال قال: ذهب رجل يبولُ فتبعه رجل، فقال له: حرمتني بركةَ بَوْلي. قلت له: ما بَرَكةُ البَوْل؟ قال: الفَسْوَة والضّرْطَة." (لسان الميزان لابن حجر العسقلاني: ج 1، 287؛ الكامل لابن عدي: ج 2، 297).

وهكذا نرى
أنّ نظرة العربيّ إلى الضّراط ليست مقتصرة على وجه واحد من وجوهه، وإنّما هي تشمل أوجهًا أخرى من السّلب والإيجاب في آن معًا. وفي ذلك فليتفكّر المتفكّرون!


***
سنترك القرّاء الآن في عزلتهم، ليتضارطوا ويتضاحكوا على هواهم. وفي المقالة القادمة سنتطرّق بعون الله إلى الضّراط في الإسلام.

والعقل ولي التوفيق.
***
إقرأ أيضًا:
المقالة الثانية: "فسّاؤون في الجاهليّة ضرّاطون في الإسلام"
المقالة الثالثة: "فسّاؤون ضرّاطون في اليهوديّة"
مشاركات


******

تعليقات

تعليقات فيسبوك :


تعليقات الموقع:

هناك 5 تعليقات:

  1. هل أظن أنه مقال رمزي سياسي يتجاوز إطار البحث والتنقيب في التراث العربي..؟

    دمت بمحبة..

    ردحذف
  2. إلى الشاهد:
    إنّ بعض الظنّ حلم.

    سلمان

    ردحذف
  3. قصدت "حلم" (بكسر الحاء).

    س. م.

    ردحذف
  4. مقالة تافهة تعكس شخصية حاقدة على كل ما حولها !!
    اقرأ شخصية الكاتب من اسلوبه في الكتابة
    شخصية كاتبنا هنا ينطبق عليها الوصف " يقاتل ذباب وجهه " !!

    ردحذف
  5. غير معرف12/1/17 07:34

    حمار ناهق لاعتب عليك ياعبد الصليب وياحفيد القردة
    اهم مافي الأمر اننا شاغلين بالك حتى تتعب نفسك وتتقيأ كل هذا
    بالعامي ضاغطينك ����

    ردحذف

يمكن إضافة تعليق هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بالموضوع.

قضايا محلية
  • تطبيع إسرائيل

    لقد آن الأوان لأن يقف العرب في البلاد على رجليهم الاثنتين في بلدهم هنا، لا أن يضعوا رجلًا هنا ورجلًا هناك، كمن هو عالق في أرض حرام بلا أف..تتمة الكلام
  • عروس عروبتكم

    منذ العام 67 وبعد حرب حزيران تسيطر إسرائيل على شطري مدينة القدس شرقها بغربها. وبين الفينة والأخرى تطفو على السّطح قضيّة القدس بأبعادها الفلسطينيّة، العربيّة والإسلاميّة.
  • الأسرلة هي الحل

    يتّضح بعد كلّ هذه العقود من رفع شعارات الـ«عربنة» أنّ هذه العربنة قد كشفت عن جوهرها الحقيقي المتمثّل بكلّ هذه الـ«عربدة» ...
نصوص نثرية
  • كيف يقولون "بدو" في العبرية؟

    يُنزلك سائق التّاكسي عند نقطة الجمارك لتنتقل عبرها مع حقائبك إلى الطّرف الآخر...
  • البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال...
نصوص شعرية
  • لا شيء يشبه هذا العيد

    لا شَيْءَ يُشْبِهُ هٰذا العِيدَ فِي
    الحُلُمِ. أَطْفالُهُ كَشَفَتْ
    عَنْ لُعْبَةِ الأُمَمِ.


  • تداعيات صباحية

    وَفِكْرَةٍ،
    خَطَرَتْ فِي الصُّبْحِ،
    تَحْمِلُنِي عَلَى النُّهُوضِ
    مِنَ الأحْلامِ، والسَّفَرِ

قضايا عربية
  • ميكروكوسموس العرب


    التّناقضات العربيّة أكبر وأكثر من أن تُحصى. غير أنّ السؤال الكبير الّذي يقضّ مضاجع كلّ ذي بصر وبصيرة يتمحور حول مسألة الهويّة، وبكلمات أخرى: ماذا يعني أن تكون عربيًّا في هذا الأوان؟
  • هل البطون والأفخاذ عورة؟

    لا فرق، إذن، بين فقهاء الظّلام الّذين يُعوّرون المرأة كلّها، وبين فقهاء الفضائيّات المطبّلين المزمّرين للدكتاتوريات العربيّة على اختلاف مشاربها. فمثلما يرى هؤلاء الفقهاء المرأة كلّها عورة يجب سترها، فإنّ فقهاء الدكتاتوريات العربية يرون في الشّعوب العربيّة بعامّة كلّها عورة...
  • المرأة هي الحل

    من أجل الخروج من مأزق المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، هنالك حاجة إلى إعادة هيكلة لهذه المجتمعات، بشرط أن تنبني هذه الهيكلة على: أوّلاً، إعادة الثّقة للرّجل العربيّ بنفسه، وجعل شرفه نابعًا من ذاته هو، لا من ذوات أخر...

الأكثر قراءة

أرشيف الموقع

موسيقى جاز
موسيقى كلاسية
 
دراسات
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • جذور الإرهاب الإسلامي

    وهكذا، يتحوّل الحنين إلى الماضي الأسطوري والمتوهّم، والّذي ترعرعت عليه الأجيال العربية والإسلامية طوال عقود طويلة، إلى الملجأ الوحيد الذي يهرب إليه العربي، والمسلم بعامّة، من حالات الإحباط النفسية في حياته الراهنة
  • إيلوهيم في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."

ترجمات
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • سفر المبدأ

    (1) فَتُمِّمَتِ السَّمٰواتُ وَالأَرْضُ وكُلُّ جُنْدِها. (2) وَأَتَمَّ اللّٰهُ فِي اليَوْمِ السَّابِعِ، صَنِيعَهُ الَّذِي عَمِلَ؛ فَسَبَتَ فِي اليَوْمِ السَّابِعِ، مِنْ كُلِّ صَنِيعِهِ الَّذِي عَمِلَ. (3) وَبارَكَ اللّٰهُ اليَوْمَ السَّابِعَ، وَقَدَّسَهُ: إذْ فِيهِ سَبَتَ مِنْ كُلِّ صَنِيعِهِ، الَّذِي بَرَأَ اللّٰهُ عَمَلًا.
  • ناتان زاخ

    أنا أيضًا مُتَسلِّل
    غير قانوني. وَصلتُ إلى
    هُنا، ليسَ بِمَحْضِ إرادَتِي
    الحُرّة، وَليسَ لأنّ
    وَالدَيَّ قَرَؤُوا
    كِتابَ ثِيودُور...
    تتمة الكلام
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • تعقيبات أخيرة



  • مواضيع مختارة


لغات أخرى