على قدر خيلي تكون السّماء

 هاتان اللّحظتان الجامدتان همّا نقطة الارتكاز الّتي يقف فيها درويش في هذه المجموعة ويلقي بنظره على العالم.

سـلمان مصـالحة ||

"على قدر خيلي تكون السّماء"

محمود درويش، "لماذا تركتَ الحصان وحيدًا"، منشورات رياض الرّيس، لندن-بيروت 1995.


(1) إستهلال:
مجموعة درويش هذه تشكّل نهاية مرحلة بدأت باليأس، ثم كان الأمل، وها هي الآن غاية أخرى، ليس بمعنى آخر أو نهاية، بل منتهى، هي غاية اليأس بكلّ ما حملته معها التّجربة الفلسطينيّة في السّنوات الأخيرة. ومن هنا ستكون مرحلة جديدة لدى درويش. وعلى الرّغم من كون هذه البداية الجديدة ما زالت في حدود المجهول وتقع ضمن التّكهّن، إلاّ أنّها ستكون بمثابة زلزال يؤدّي إلى تحطّم وانهيار الحلم، ولا أحسد درويش على هذا الانهيار، لأنّه في النّهاية انهيارنا جميعًا. وحينما تتشتّت الأحلام أيدي سبأ، كيف سنقوم بلملمة فتات هذه الأحلام، ومن ذا الّذي سيستمرّ في التّشبّث بحبال الرّيح. أمّا مجموعة "لماذا تركتَ الحصان وحيدًا"، فهي صرخة الولد للوالد، مثلما هي صرخة الفلسطيني للعرب. ومثلما هي بريئة صرخة الولد للوالد، تنبع من سذاجة السنّ الصّغيرة، كذلك هي صرخة الفلسطيني، إنّما هي نابعة من سذاجة عدم النّضوج. لكنّ الشّعر شيء آخر، ويحقّ للشّاعر، كما قيل، ما لا يحقّ لسواه من البشر، ليس لأنّه مفضّل عليهم، بل لأنّ هذه الصّرخات هي عالمه، عالم الشّعراء في كلّ زمان ومكان.

من يقرأ هذه المجموعة، لا شكّ أنّه واجد أمام ناظريه تلك الأجواء الّتي اعتادها لدى درويش في سائر مجموعاته السّابقة، بدءًا بتلك الّتي نشرها في الوطن، حينما كان لا يزال هناك وطنٌ للشّاعر، وطن فيزيائي محسوس على الرّغم من غربته فيه بصفته لاجئًا، وانتهاءًا بما أفرزته قريحته في الشّتات بعد تلك الأعوام الّتي قضاها بين عاصمة وأخرى حينما تحوّل وطنه إلى حقائب سفر حقيقيّة وليست مجازيّة كما في كلام الماضي. وهكذا مع الاغتراب تحوّل هذا الوطن الآن إلى ذاكرة، إلى ماض. وما أن يختار الشّاعر لحظة ما حتّى تنفرط تلك اللّحظة إلى صور ومشاهد يبسطها أمام القارئ غنيّة بألوان قوس قزح، مليئة بالاستعارات الّتي طالما فاجأت القارئ العربيّ: "أختار يومًا غائمًا لأمرّ بالبئر القديمة..../ وأقول للموتى حواليها: سلامًا أيّها الباقون / حول البئر في ماء الفراشة! أرفعُ الطّيّون / عن حجرٍ: سلامًا أيّها الحجر الصّغير ... / وقلتُ للذّكرى: سلامًا يا كلام الجدّة العفويّ / يأخذنا إلى أيّامنا البيضاء تحت نعاسها." (البئر).

الاستعارات الّتي يحملها شعر درويش بقدر ما هي مستحدثة، هي وسيلة للتّعبير تعكس ذلك الوضع الّذي تمّ تغييبه وراء كلمات، فالبئر تتصّل بماء الفراشة الّذي سرعان ما ينضب، كما عمر الفراش، ونعاس الجدّة يتحوّل إلى مكان وإلى زمان في آن. فهكذا تسحبه الذّكرى إلى الزّمان - الأيّام البيضاء - إلى ذلك المكان الّذي يقع تحت النّعاس، والنّعاس هو نعاس الجدّة، الّذي يختزل المكان والزّمان في نفس اللّحظة الشّعريّة. وهكذا، ومن هذه النّقطة، فإنّ المحاور الّتي تسير فيها هذه المجموعة هي محاور النّظر عن بعد. والنّظر بمعنى التّفكّر وليس بمعنى المشاهدة العيانيّة. وهكذا يتحوّل المكان والزّمان إلى كيان هو جلّ ما يملكه الشّاعر.

"على قدرِ خيلي تكون السّماء." (سنونو التّتار).
لو كان بوسع الخيل أن ترسم وأن تصوّر الأشياء، قال الفلاسفة، لكانت رسمت صورة الإله على شاكلتها. وهكذا تأتي سماء درويش مرسومة على قدر خيله. وخيل درويش في السّنوات الأخيرة هي خيل أصيلة، خيل سريعة، وخيل عميقة. وسماؤه أحيانًا تأني صافية الزّرقة، وأحيانًا متلبّدة بالغيوم الّتي طالما تتكسّر حاملة معها شظاياه في الفضاء. وهذه المجموعة تختزل في صفحاتها تلك التّجربة الّتي مرّ بها الشّعب الفلسطيني منذ النّكبة. لكنّ التّجربة ليست جماعيّة فحسب، بل تنسحب أيضًا إلى التّجربة الذّاتيّة الّتي لا تختلف كثيرًا عن ذاكرة الجماعة. وكلّما كان الحديث عن الذّات صادقًا كلّما شحن هذا الحديثُ الكلامَ بشحنات تقفز عن حدود الفرديّ والشخصيّ وتتخطّى إلى العام إلى الكلّ، ليس الفلسطيني بحدوده الضّيّقة، بل الإنساني الكُلاّنيّ أينما كان وأينما استكان.

وابتغاء الخوض في قراءة هذه التّجربة الشّعريّة لا بدّ من الإشارة إلى المفاتيح الّتي يجدر بالقارئ التزوّد بها بغية الولوج إلى البيت من الباب، وليس باستراق النّظر عبر النّوافذ. وهذه المفاتيح هي الّتي وسمت أعمال درويش في السّنوات الأخيرة. فنلاحظ خلال هذه المجموعة أنّ بعض التّعابير تعود وتتكرّر بين السّطور حتّى يخيّل للقارئ أنّها صارت لازمة موسيقيّة للقصيدة الدّرويشيّة. فالنّايات، والكمنجات تأخذ طريقها إلى الكثير من النّصوص الدّرويشيّة، ولا يسع القارئ للمجموعات الأخيرة إلاّ أن يقف عليها محاولاً ربط خيوطها، أصواتها وأنغامها الّتي تتّصل في هارمونيا وجدانيّة عرفانيّة، كما لو كانت مانطرا تتكرّر على لسانه. وهي بذلك تتحوّل إلى طريقة صوفيّة صاعدة في المقامات بغية الاتّحاد بالبعيد، بالأسمى. وهذا الصّعود هو الّذي يُغدق على اللّحظات الشّعريّة ذلك الإحساس بأنّك تقف أمام تجربة متجدّدة على الرّغم من التّكرار الّذي يلفّ عالمه الشّعري، وهو تكرار نابع من كون تجربته آخذة في العمق من جهة، ومن الجهة الأخرى هي تراوح مكانها، على الرّغم من بعد المسافة الزّمنيّة بين مجموعة وأخرى، بين لحظة وأخرى. وكلّما ابتعد الزّمان الدّرويشي عن زمن الوطن كلّما تكرّرت العاطفة وتكرّر الإحباط وتكّررت تجارب البحث المجدّد عن ذلك الزّمن الضّائع.

(2) تجميد اللّحظة:
تظهر اللّحظة الجامدة، أو المجمّدة، في تلك اللّحظة من الإنفجار العظيم، أو في لحظة النّزوح بالنّسبة للتّجربة الفلسطينيّة من أسطورة الخلق. تلك اللّحظة هي الّتي من خلالها بدأت التّجربة الفلسطينيّة بالاتّساع - بالأحرى، التّشتّت -، زمانًا ومكانًا، حاملة معها ذلك الضّياع العظيم. لحظة النّزوح هذه تنجلي أبعادها في قصيدة أبد الصّبّار من خلال ذلك الدّيالوچ بين الولد ووالده، بين الفلسطيني ودهره، أو كما جاء في الموروث الثّقافي العربي، بين نوائب دهره: "إلى أين تأخذني يا أبي؟" (أبدُ الصّبّار).

التّساؤل فيه الكثير من السّذاجة، سذاجة الولد الّذي يحسب أنّه خارج مع والده في نزهة تفسّح، ما يلبث أن يعود محمّلاً بالهدايا، غير أنّ هذه الرّحلة هي رحلة أخرى، هي رحلة النّزوح، أو كما يقال في اللّغة الدّارجة »روحة بلا رجعة«، وهكذا يأتي جواب الوالد فاتحًا أمام الولد مصراع النّزوح على مصراعيه: "إلى جهة الرّيح يا ولدي".

وجهة الرّيح هذه هي الجهات الأربع، ليست جهة محدّدة المعالم، وهي جهة تحمل معها ذلك النّوع من عدم المعرفة، من الجهل، من الجهل بكلّ ما هو آت بعد هذه اللّحظة. وجهة الرّيح الشّاعريّة هذه تشحنُ نفس الولد بالضّياع، فهو الولد الّذي لا يفهم بعد التّشبيهات والاستعارات والدّلالات. وهكذا يخرجان في طريقهما، غير أنّ الرّصاص من حولهما لا يترك مجالاً للوالد بالتّستّر على هذه الرّحلة الغريبة، فيشعر الوالد بنوع من عدم الرّاحة لتلك الإجابة، فيحاول تهدئة روع الولد معلّلاً نفسه بالعودة القريبة: "ونرجع حين / يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد".

هذه المحاولة الّتي يقوم بها الوالد لتهدئة روع الولد لا تنجح، لأنّ الوالد ما زال يفتح أمام الولد تلك الصّفحات المُبهمة. العودة آتية حينما يعود الجنود، ولكنّ عودة الجنود سرعان ما تتفتّح عن دهاليز تُثقل على إدراك الولد السّاذج، أي أنّ عودة الجنود إلى أهلهم ليست عودة إلى مكان محدّد بل هي عودة إلى تلك المساحات الّتي لم تتحدّد معالمها، هي عودة "إلى أهلهم في البعيد". وهذا البعيد يبقى مجهولاً ويبقى مبهمًا، وهكذا تبدأ قناعات الولد بفهم أبعاد هذه اللّحظة وإدراك أنّ هذه الرّحلة ستطول بعض الشّيء، ولذلك يبدأ بالتّساؤل: "ومن يسكنُ البيت من بعدنا / يا أبي"؟ فيستمرّ الوالد في محاولاته لتهدئة روع الولد:
"سيبقى على حاله مثلما كان / يا ولدي".

هكذا يحاول هذا الوالد أن يوقف الزّمن، أن يوقف الأشياء، أن يبقي تلك الصّورة الّتي التقطت في اللّحظة الأخيرة للخروج في طريق النّزوح. هذا التّجميد للّحظة هو الّذي استحوذ على النّفسيّة الفلسطينيّة طوال هذه العقود الأخيرة من الزّمن. في الكثير من الأحيان هو الّذي شحذ الأمل، وفي نفس الوقت فإنّ هذا التّجميد للّحظة هو الّذي ساهم في تثبيط العزائم بعد انكشاف الحقائق على ما هي. إنّ تجميد اللّحظة هو الّذي يتمثّل في تحسّس المفاتيح كالأعضاء والرّكون إلى طمأنينة: "تحسّس مفتاحه مثلما يتحسّس / أعضاءه واطمأنّ".

فالمفتاح هو نفسه الّذي يمثّل تجميد اللّحظة وهو نفسه الّذي، بنوع من الفنظازيا الولدانيّة، بوسعه تحريك تلك الصّورة، تحريك عقارب الزّمن وعقارب الحياة لبعث الحياة من جديد منذ تلك اللّحظة الحاسمة. غير أنّ هذا الولد الفلسطينيّ السّاذج سرعان ما يتذكّر الحصان المتروك وراءه. وسرعان ما يتساءل عن هذا التّصرّف: "لماذا تركتَ الحصانَ وحيدًا"؟

أهو الحصان، أهو الوطن، أهو كلّ شيء تُرك إلى مصيره، أهو هذه الأقليّة الباقية في الوطن الّتي طالما اتّهمها العرب بالخيانة لمجرّد بقائها في أرضها؟ غير أنّ الجواب القادم من الوالد فيه نوع من السّخرية، من جهة، ونوع من الأمل من جهة أخرى، فبقاء الحصان في البيت هو للإبقاء على تلك الجذوة، للإبقاء على حياة ما في هذا البيت الّذي تركه سكّانه، للإبقاء على جزء من تلك الحياة العامرة، لكي لا يموت البيت، لكي لا يموت الوطن: "لكي يؤنس البيتَ يا ولدي / فالبيوت تموت إذا غاب سكّانُها".

ومنذ هذه اللّحظة يبدأ الوالد بمطالبة الولد بالصّمود، بالصّبر والتجلّد حتّى تنفرج الغمّة. أي أنّ الولد الفلسطيني ومنذ تلك اللّحظة مطالبٌ بالانتظار الّذي له أوّل وليس له آخر: "فاصمد معي / لنعود". وحين يتساءل الولد عن زمن العودة، بعد أن بدأ الحنين إلى الأوطان يأخذ منه مأحذًا جديًّا: "غدًا، ربّما بعد يومين، يا ابني".

إجابة الوالد هي إجابات التّبصير والتّبريج، ربّما غدًا، ربّما بعد يومين، وعلى ذلك قس، أي أنّ القارئ يستطيع الإستمرار في هذه المساحة المفتوحة على مصراعيها، فيمكنه أن يضيف من لدنه: ربّما بعد شهر، شهرين، سنة سنتين، عقد عقدين إلى ما لا نهاية من هذه التّركيبات. وكلّما تقدّم الزّمن تتفتّح أمام القارئ الفلسطيني معاجم المفردات الّتي تُفيد الزّمن، والّتي تقيس الزّمن طولاً وعرضًا. وهكذا وبعد أن يطول هذا الوقت تنفتح نوافذ الذّكرى على مصراعيها:"... وتذكّر قلاعًا صليبيّة / قضمتها حشائشُ نيسان بعدَ / رحيل الجنود".

أي حينما يطول الانتظار، وحينما يتحوّل الوطن إلى تاريخ مع مرور الزّمن، تُصبح الذّكرى جزءًا من ذلك التّاريخ السّحيق. وُيصبح الوطن مسرحًا لتلك اللّعبة التّاريخيّة. وهكذا يتحوّل هؤلاء الجنود الّذين انتظر الوالد عودتهم إلى "أهلهم في البعيد" إلى حلقة واحدة من سلسلة تاريخيّة تمتدّ عبر الزّمن. لكنّ الشّاعر - الوالد - يختار الوقوف عند حلقة واحدة من حلقات تلك السلسلة، هي الحلقة الصّليبيّة. يختار الوقوف عند هذه الحلقة ليس لمجرّد الشّبه بينها وبين ما هو قائم في الوطن، بل لأنّه ما زال يتلهّى بالفنطازيا، فنطازيا العودة الجماعيّة. هنالك فرق بين الحلقة الصّليبيّة وبين ما هو قائم في الوطن من النّاحية الجوهريّة، وهي رؤيا خاطئة متجذّرة، أو هي آخذة في التّجذّر، في الذّهن الفلسطيني والعربي بشكل عام. تجدر الإشارة إلى هذه الرؤيا الخاطئة ليس من جانب الرّؤيا الشّعريّة، فالشّعر له أن يقول ما يحلو له. لكنّ الإشارة هي إشارة سياسيّة اجتماعيّة. فالفرق بين الصّليبيّين وبين الإسرائيليّين نابع من ماهيّة التّوجّه إلى هذا المكان. فالصّليبيّيون لم يأتوا إلى هذا الوطن للاستيطان، بل للاستعمار العسكري، ولم يقصدوا أبدًا بناء وطن وإحضار المستوطنين إلى هذه الدّيار، بخلاف اليهود الّذين كان مجيئهم إلى هذه الدّيار بهدف بناء وطن، وشعب ولغة للإقامة فيه إلى الأبد. وشتّان ما بين الحالتين.

ولهذا فإنّ الانتظار يطول. وكلّما ابتعد الفلسطيني عن وطنه من ناحية المكان والزّمان، كلّما تغير الوطن وتبدّل الزّمان. ولهذا السّبب يجد الفلسطيني نفسه كالواقف في محطّات تمرّ منها القطارات، ولكنّها لا تحمله معها إلى مبتغاها، بل يبقى واقفًا ينظر إلى ما يجري حوله، وينتظر شيئًا ما. ينتظر البعيد، ينتظر الغيب، ينتظر السّحاب وينتظر العودة إلى الوطن، لكنّ شيئًا ما من هذا لا يحدث، وهكذا تتحوّل لحظة الانتظار هذه مرّة أخرى إلى لحظة جامدة، فمن تجميد لحظة النّزوح يتحوّل الفلسطيني ليجد نفسه في صورة جديدة تتمثّل في تجميد لحظة الانتظار: "مرّ القطارُ سريعًا، / كنتُ أنتظرُ / على الرّصيفِ قطارًا مرَّ، / وانصرفَ المُسافرونَ / إلى أيّامهم، / وأنا / ما زلتُ أنتظرُ" (مرّ القطار).

هاتان اللّحظتان الجامدتان همّا نقطة الارتكاز الّتي يقف فيها درويش في هذه المجموعة ويلقي بنظره على العالم. غير أنّه لا يبرح النّقطة وبذلك تتحوّل النّظرات إلى دوائر تتّسع وتضيق تباعًا ولكنّها تبقى دائمًا داخل هذا المحور. ومن هنا، من هذا الثّقب الأسود، وهو كوكب متهدّم، يحاول درويش اصطياد الذّاكرة من بعيد. وهكذا نصل إلى المحور الآخر لهذه المجموعة ألا وهو:

(3) الأبعاد المكانيّة والزّمانيّة:

أ: المكان:
والمكان في صراع مستمرّ مع الإنسان، مع الشّاعر. وهكذا يتمّ اختزال المكان إلى شرفة، والإنسان -الشاعر - إلى شبح. وكلّ ذلك مردّه إلى هذا البعد الّذي يفصل بين الشّاعر وذاته، بين الشّاعر والشّرفة، البيت، الوطن: "أطلّ، كشرفةِ بيتٍ، على ما أريد / أطلّ على شبحي / قادمًا / من / بعيد." (أرى شبحي قادمًا من بعيد).

ليست الشّرفة فحسب، بل كلّ الجزئيّات الّتي تمرّ هناك، كما هي في ذاكرة الشّاعر، تتماهى في الكلّ. وقد يكون هذا الجزء مجرّد سحابة عابرة. لكنّ الصّراع بين الشّاعر الّذي تكشّف في القصيدة السّابقة سرعان ما يُصبحُ أكثر تحديدًا: "تبكي الكمنجاتُ عن بعدٍ / فتحملني / سحابةٌ من نواحيها / فتنكسرُ." (مرّ القطار).

هذا الانكسار الّذي يحصل في السّحابة ما هو إلاّ ذلك الحلم المتكسّر إلى شظايا، ولكنّها شظايا لا تحمل المطر، بل هي شظايا محمّلة بالدّموع، تلك الدّموع الّتي يُسمع صدى بكائها في أوتار الكمنجات البعيدة. ولكنّ هذا المكان، وعلى الرّغم من بعد المسافة المكانيّة والزّمانيّة عنه، يظلّ مكانًا مُحدّد المعالم، لكنّه في الوقت نفسه هو مكان عائش في الذّاكرة، ومرّة أخرى هو نابضٌ في مكان بعيد وفي زمان بعيد: "في غابة الزّيتون، شرق / الينابيع انطوى جدّي على ظلّه / المهجور. لم ينبت على ظلّه / عشبٌ خرافيّ." (كالنّون في سورة الرّحمن).

فالمكان هو غابة الزّيتون وبالتّحديد تلك الّتي تقع شرق النّبع، هناك، في ذلك المكان بالضّبط انطوى الجدّ على الظلّ المهجور، انطوى الجدّ على الوطن المهجور. فالمكان معروف بتفاصيله، معروف بناسه، معروف بتواصله مع الشّاعر من خلال جدّه. وللتأكيد على ذلك يضيف جملته التّاليه "لم ينبت على ظلّه عشبٌ خرافيّ"، أيّ أنّه ليس شيئًا قائمًا في الخرافة، في الأسطورة، بل هو جسم -جسد- محسوس، على الرّغم من كونه مهجورًا. ولكنّ النّظر من بعد يظلّ هو المحور الّذي يجعلك تشعر وأنت تقرأ المجموعة بأنّ الإحباط من هذه المسافة الفاصلة هي الّتي تبقى المهيمنة، وحتّى لا يفهم القارئ شيئًا آخر، يعود الشّاعر ليكرّر الكلام في نهاية القصيدة: "في غابة الزّيتون، شرق / الينابيع انطوى جدّي على ظلّه / المهجور. لم تشرق على ظلّه شمس / ولم يهبط على ظلّه / ظلّ / وجدّي دائمًا أبعد." (كالنّون في سورة الرّحمن).
وحتّى لا يلتبس على القارئ هذا البُعد الشّعريّ فإنّك تراه مُكرّرًا بين ثنايا القصائد ليصبح وترًا متوتّرًا كلّما وقعت عليه عيناك، أو كلّما لامسته كلّما ثار من جديد وأثار في نفسك نلك النّغمات الّتي يتكرّر صداها حاملة معها تلك الأبعاد الّتي تكوّن سيمفونيّة الانتحاب هذه، لكنّها سيمفونيّة لا تهبط بنغماتها إلى إسفاف لغويّ وعاطفيّ بل تحملك دائمًا إلى ما هو جديد. وتظلّ المسافة الفاصلة هي فيصل هذه المجموعة: "أمّي تعدّ أصابعي العشرين عن بُعدٍ." (تعاليم حوريّة). وهذه النّظرة من البعيد ليست تُلقَى فقط على المكان، بل تتساوق معها تلك النّظرة من البعيد على الزّمان أيضًا.

ب: الزّمان:
الزّمان البعيد هو الماضي، وحين تحدّثنا عن تجميد اللّحظة فها هي اللّحظة الجامدة تعود لتتكرّر في هذه النّظرة البعيدة على الزّمان. وهي تتكرّر بواسطة استعمال الأفعال الماضية: "أسرجوا الخيلَ / لا يعرفون لماذا / ولكنّهم أسرجوا الخيل في السّهل .../ كانَ المكانُ مُعدًّا لمولده...." (في يدي غيمة).

فعل الإسراج الماضي يتكرّر مرّتين ابتغاء التّوكيد على تلك اللّحظة. الإسراج تمّ وهو حقيقة معلومة، لكنّ الهدف منه ظلّ يكتنفه الإبهام، لقد قاموا بفعل الإسراج غير أنّهم لا يعرفون لماذا قاموا بذلك. في تلك اللّحظة كان المكان معدًّا لمولده. المكان بكلّ ما فيه كان جاهزًا لمولد جديد، كان على وشك الميلاد الجديد للشّعب الجديد، للوطن الجديد وللحياة الجديدة. غير أنّ تلك اللّحظة ظلّت في نقطة جامدة في الماضي، هي نقطة تشعّ بعض النّور لكنّه نور وضوء قادم من نجم بعيد، ذلك الضّوء الّذي قطع حتّى الآن الكثير من السّنوات الضّوئيّة، وهو في هذه اللّحظة حينما يصل إلينا فإنّ النّجم قد يكون قد تهدّم وانتهى ولم يعد لوجوده أيّ ذكر. وبذلك يصبح هذه الضّوء نوعًا من السّراب، نوعًا من الفنطازيا.

محاولة استشفاف الماضي هي دائمًا عودة إلى الطّفولة، طفولة الشّاعر ومن ثمّ طفولة شعب. وهكذا يعود الشّاعر إلى أمّه، والأمّ دائمًا هي العالَم الصّغير الّذي يحمل في ثناياه ويرمز دائمًا إلى العالم الكبير، والعالم الكبير الّذي في الأمّ هو الوطن وهو الشّعب وهو الوجود الفيزيائي بكامل جزئيّاته: "لم أكبر على يدها / كما شئنا." (تعاليم حوريّة).

فحين يقول إنّه لم يكبر على يدها في الجملة الأولى يتبادر إلى ذهن القارئ والسّامع أنّه أمام حالة فرديّة وأمام مشيئة فرديّة شخصيّة، لكن سرعان ما تتكشّف له أبعاد تلك الإرادة في الجملة الّتي تليها حيث تتحوّل المشيئة إلى فعل الجماعة. قد تكون هذه المشيئة هي مشيئة الإثنين، الأمّ والولد، غير أنّ »شئنا« هذه تترك الباب مفتوحًا على مصراعيه لكثير من التّفسيرات والاجتهادات، وتفسح المجال للانتقال من الواحد إلى الإثنين إلى الجماعة. وهكذا تتحوّل هذه الحركة إلى محور وإلى مبنى تسير على هديه القصيدة. وهكذا تتكرّر الحركة ليقول: "أنا وهي افترقنا عند منحدر / الرّخام". الـ "أنا" فرد والـ "هي" فرد آخر غير أنّه من الجهة الأخرى يحمل هذان الفردان معاني الجمع بالقوّة، أو هكذا هما في اللّغة الشّعريّة والموروث الشّعري الفلسطيني المعاصر، ولهذا أيضًا فإنّ الافتراق هو افتراق ليس بين اثنين فحسب بل افتراق بين جماعتين، بين جزئيّن هما كلّ واحد. وبعد هذا الافتراق لوّحت السّحب: "ولوّحت سحبٌ لنا".

هذا التّلويح هو تلويح الوداع منذ تلك اللّحظة -الحركة - من الماضي السّحيق. غير أنّ تلك اللّحظة لا تبقى ثابتة وجامدة كما قد يتبادر إلى الأذهان، بل هي لحظة تضجّ بالحياة، هي لحظة كان الماضي فيها مضارعًا ويشير إلى الإستمراريّة وليس إلى ماضٍ ذهب ولم يعد، ولهذا يأتي استخدام نفي الماضي بـ "لم" مع الفعل المضارع: "لم أكن بعدُ أعرفُ عادات أمّي." (قرويّون من غير سوء). فهو لم ينفِ بـ "ما" مع الماضي، كما أنّه لم ينفِ بـ "لم" مع المضارع لوحده بل شاء استخدام لم أكُن أعرف، ليفيد الماضي الحيّ النّابض بالحركة، الّذي يفتح باب المضارع إلى المستقبل. ولهذا أيضًا جاء استعمال "بعدُ" للتّأكيد على أنّ هذه اللّحظة هي فاتحة لمصاريع المستقبل، وليست ماضيًا مائتًا. ويستمرّ على هذا المنوال للتأكيد على هذه الحال فيقول: "لم يكن بعدُ لإسميَ ريشٌ فأقفز". ومن هنا، من هذا الماضي- الحلم، أو الفانطازيا - يقفز الشّاعر في هذه المجموعة إلى الحاضر.

ج: الحاضر:
وهذا الحاضر أيضًا يدور في فلكين بدوره. الفردي والجماعي، وهو في صراع مستمرّ مع الماضي: "ههنا حاضر لا يُلامسه الأمس." (ليلة البوم). وفي الوقت نفسه هنالك صراع معنوي في هذا الحاضر، فما هو هذا الحاضر؟ أهو حاضر الفرد أم هو الحاضر الزّماني خلاف الماضي. الجملة تبقي على هذا التّوتّر القائم بين الإثنين. فمع أنّ مقابلة الحاضر بالأمس توحي بالبعد الزّماني لهذه الحركة، غير أنّ تعبير الحاضر يحمل في طيّاته معاني الفرد، كأنّه يقول: ههنا حاضر أنا، أي "أنا" الّتي للشّاعر، الفرد والجماعة في آن، أو ههنا حاضر، أي زمان، لنا لا يلامسه الأمس. ودائمًا تستمرّ هذه المقابلة بين الآن والـ "قبل" في البعدين الزّماني والمكاني. ومن هذه النّقطة الّتي في هذا الأوان الزّماني والأوان المكاني الشّخصي والعام وبين الأوانين، الزّماني والمكاني، لذلك الماضي الّذي بدأ من نقطة الانطلاق: "حين وصلنا إلى آخر الشّجراتِ انتبهنا إلى أنّنا / لم نعد قادرين على الانتباه .../ رأينا الغياب يُكدّس أشياءه المنتقاةَ، وينصبُ / خيمته الأبديّة من حولنا." (ليلة البوم).

وهكذا، على هذه الشّاكلة تتشكّل صور الماضي الحيّة على طريق النّزوح العظيم، ذلك النّزوح الّذي أخذت أبعاده ترتسم رويدًا رويدًا. وهكذا تأخذ المفردات في الإيحاء بالماليخوليا من خلال مفردة الغياب الّتي تشتمل هي الأخرى على الأبعاد المكانية والزّمانية، وفي نفس الوقت تؤكّد على تلك المسافة المبهمة الّتي تفصل الماضي عن الحاضر، والمكان - الشاعر، والإنسان، والشّعب - عن الوطن. ومن ثمّ وبعد الدّخول في هذه الحالة النّفسيّة، يتحوّل الحاضر إلى لازمة موسيقيّة، وإلى مانطرا يستطيع الشّاعر من خلالها استجلاء الزّمان والمكان، والابتعاد بتجربته إلى حدود عرفانيّة صوفيّة للاتّحاد بالذّات الكبيرة، هو اتّحاد مع اللاّشيء. وهكذا، وفي لحظة التجلّي هذه، يصبح الحاضر بعيدًا عن كلّ شيء ومنزّه عن الصّفات المعهودة: "ههنا حاضر / جالسٌ في خلاء الأواني"، فالحاضر يتحوّل إلى عدم، إلى "ليس" من خلال مفردة الـ "خلاء" بعد أن كان أيْسًا محدّد المعالم. كما أنّ الأبعاد الزّمانية تترك هذا الحاضر ليصبح في زمان بلا زمان: "ههنا حاضرٌ / لا زمان له"، وليصبح حاضرًا مجرّدًا من البعد المكاني: "ههنا حاضرٌ /
لا مكان له". ومن هذه النّقطة المجرّدة من كلّ الفيزيائيّات لا يبقى الحاضر على حاله بل هو: "ههنا حاضر / عابرٌ"، أيّ أنّه متحوّل عن هذه الدّار، فهذه الدّار ليست بدار قرار بل هي دار متحرّكة - عابرة - إلى المجهول الّذي يلفّه الضّباب والإبهام.
ومن التّعميم إلى التّخصيص، أي من الحال الجماعيّة إلى الحال الشّخصيّة الذاتيّة الّتي هي في النّهاية تلك اللّحظة الشّعريّة الّتي وجد محمود درويش نفسه فيها. وهذه اللّحظة من الحاضر هي لحظة مراجعة الحسابات، لحظة التّأمّل: "يتأمّل أيّامه في دخان السّجائر، / ينظرُ في ساعة الجيب." (كم مرّة ينتهي أمرنا)،
هي لحظة الجلوس في نقطة المكان والزّمان مع دخان السّجائر والانتظار، وبين الفينة والأخرى النّظر في ساعة الجيب، لأنّ موضوع الإنتظار لم يحضر بعد. وسرعان ما يتبيّن هذا الموضوع جليًّا، فهو ليس شخصًا بعينه، بل هو حال كاملة من الوجود الفلسطيني، تلك هي حال نضج الشّعير والحصاد: "لو أستطيع لأبطأت دقّاتها / كي أؤخّر نضجَ الشّعير.../ جاء وقتُ الحصاد".

في هذه الحال يشعر القارئ كما لو كان بإزاء تلك اللّحظة من الوقوف على الأطلال. فلحظة التّأمّل هي لحظة الوقوف على الطّلل، والبعد الّذي من وراء نضج الشّعير والحصاد، هو تلك المعالم الّتي طواها الزّمن من أيّام الطّفولة الذّاتية والعامّة في الوقت ذاته. وبعد هذه الوقفة يأخذ لعاب الشّاعر بالسّيلان: "يحدّثني صيفُ لبنان عن عنبي في الجنوب".

فالزّمن اللّبناني لا يتركه في الحيّز المكاني الّذي هو فيه، بل كلّ ما فيه ينقله إلى مكان آخر، إلى ذلك العنب في الجنوب، وهذه هي حال ليست فقط تقريريّة، بل تحمل معها النّبض النّاضح بجوّ أجرؤ على تسميته بالإيروطيقا الوطنيّة، ليست بالمعنى الإسفافي للتّعبير. وإذا كانت الطّبيعة الّتي يجد الشّاعر نفسه فيها مختصرة في حدود ضيّقة هي حدود لبنان فإنّه يبحث كعادته عمّا وراء الطّبيعة:"يحدّثني صيفُ لبنان عمّا وراء الطّبيعة / لكنّ دربي إلى اللّه يبدأ / من نجمةٍ في الجنوب".

وهكذا يتحوّل تكرار مفردة الجنوب إلى قِبلة، أو إلى محجّة هي الغاية الّتي يسير في طريقها الصّوفي، الفلسطيني، أو إلى غاية الغايات، ولا شكّ أنّ هذه هي الطّريقة الصّوفية المتضمّنة للأحوال والمقامات الّتي يسير فيها الشّاعر باحثًا عن أمّه عن النّور، والأمّ كما ذكرت هي الوطن: "أمّي تعدّ أصابعي العشرين عن بُعدٍ / تمشّطني بخصلة شعرها الذّهبيّ. تبحثُ / في ثيابي الدّاخليّة عن نساء أجنبيّات .../ أنا وهي افترقنا عند منحدر / الرّخام. ولوّحت سحبٌ لنا، ولماعزٍ / يرثُ المكان." (تعاليم حوريّة).

فالثّياب الدّاخليّة هي رمز للعاطفة، حيث ترمز إلى ما يلي الجسد أو إلى أقرب الأشياء إلى المسامات - الجلد - والشّعور، وهي استعارة الأوطان الغريبة المتمثّلة في النّساء الأجنبيّات. فمن جهة، لا بأس عليه إمّا أقام علاقة مع هذه النّساء - الأوطان - ولا بأس عليه إمّا أحبّها، لكنّ الأمّ تظلّ محذّرة هذا الولد، وهو تحذير يشتمل على هذه المسحة من العلاقة الأوديپيّة بين الأمّ والولد: "تقول لي مثلاً: تزوّج أيّة امرأة من / الغرباء، أجمل من بنات الحيّ. لكن لا / تصدّق أيّة امرأة سواي".

وها هو على الرّغم من تلك المسافات الفاصلة بينه وبينها يظلّ مكبّلاً بهذه العقدة الّتي لا يستطيع، أو هو لا يريد أبدًا الفكاك والتّحرّر منها. وهي بذلك تتحوّل إلى كلّ كيانه: "أمّي تضيء نجوم كنعان الأخيرة / حول مرآتي / وترمي في قصيدتي الأخيرة شالًها." (تعليم حوريّة)، فتصبح هي مبدأ القصيدة وغايتها. وخلال كلّ هذه الأحوال والمقامات يجد الشّاعر نفسه في وضع من الانفصام بين لغتين، وهي حال عربيّة على العموم، لغة عاميّة دارجة، هي أيضًا لغة الماضي، الطّفولة والذّكرى، ولغة جديدة هي لغة الحاضر الفصحى، لغة الشّتات الّتي هي كيانه المُستحدث، وهي لغة تستخدم فقط كمجرّد وسيلة للشّرح والإيضاح: "وأنشأ المنفى لنا لغتين: / دارجة ليفهمها الحمام، ويحفظ الذّكرى / وفصحى كي أفسّر للظّلال ظلالها." (تعاليم حوريّة).

ولهذا السّبب ثَمّ توتّر قائمٌ بين الكلام المنصوص على الورق وبين ما يحمل في طيّاته، من صور وكلام من زمان آخر ومن مكان آخر، وهذا التّوتّر يشحن القارئ بتوتّر التّرجمة الّتي لا بدّ منها. فهو حينما يقرأ هذه المجموعة، كغيرها من الشّعر العربيّ بصورة عامّة، فإنّما يقوم دائمًا بترجمته، كلّ إلى لغته الخاصّة وكلّ إلى ذاته. وكلّما نجحت هذه التّجربة من التّرجمة وأفلح القارئ في محاولة إعادة الصياغة للشّعر الوارد في المجموعة، فهو يتحوّل إلى مبدع من ذاته، وهكذا يكتب القصيدة من جديد. ولكنّ هذا الأمر منوط أيضًا بأن يحمل الشّعر المترجم من اللّغة الفصحى شحنات وجدانيّة وعرفانيّة مكثّفة، وهذه هي حال مجموعة درويش الجديدة. وهذه أيضًا هي حال القارئ - المترجم - المُبدع لها.

القدس 1995
***
نُشرت هذه المقالة في العدد الأوّل من مجلة مشارف، حيفا 1995.

مشاركات:





تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics