13 سبتمبر 2009

مدينة الزّهرة الماشية

سلمان مصالحة

مدينة الزّهرة الماشية

هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة. في ذلك السّيناريو المرعب لا مجال لارتجال يقوم به الممثّلون. لقد أعدّ لهم المُخرج الأكبر المتربّع في عليائه تفاصيل الأدوار: سيهدم اليهود الحرم القدسيّ، فتبدأ عقب ذلك سلسلة من ردود الفعل، فيقوم المسلمون بهدم الكنائس المسيحيّة ردًّا على دعم الغرب المسيحي لإسرائيل. وعقب ذلك يسارع الغرب إلى هدم المقدّسات الإسلاميّة في أرض الحجاز. هكذا تبدأ الحرب الكبرى الّتي تنذر بقيام السّاعة.

لم أكن أتخيّل، أيام الطّفولة تلك، أنّ الدّهر سيقودني إلى العيش في عين العاصفة. ولكنّي لستُ وحيدًا. ففي سنة 1690 ظنّ آخر أنّ السّاعة قد قامت. في تلك السّنة جاء عبد الغني النّابلسي إلى بيت المقدس قادمًا إليها من حلب. في أحد الأيّام خرج النّابلسي لزيارة قبور الصّالحين في مقبرة إسلاميّة خارج الأسوار، وهي مقبرة لا زالت قائمة إلى يومنا هذا في حيّ ماميلا، أو "مأمن اللّه"، في مركز المدينة. لقد روى لنا النّابلسي فيما رواه: "وجينا من تلك الجبّانة إلى مكان خال من القبور، فأخبرونا أنّ هذا المكان حُفر فيه مرّة على قبر فوجدوا فيه رجلاً جالسًا يقرأ القرآن، فسأله: هل قامت السّاعة؟ فاندهش الّذي نبش وذهب. ثمّ رجعوا فلم يجدوا للقبر أثرًا".

وبعد مضيّ قرنين من الزّمان، ظنّت امرأة أخرى أنّ السّاعة قد أزفت. ففي سنوات السّبعين من القرن التّاسع عشر وصلت إلى القدس امرأة تُدعى جين ماركس، فأطلق عليها أهل القدس اسم "الأميرة الهولنديّة". لقد وصلت جين هذه إلى قناعة بعدم جدوى الحلم لوحده، وقرّرت أن آن الأوان للاهتمام بالأمور العمليّة للخلاص، فبادرت إلى إنشاء بناية كبيرة بوسعها أن تحوي مائة وأربعين ألف شخص من أحفاد بني إسرائيل الّذين سيبقون على قيد الحياة عند قيام السّاعة. أمّا الموقع الّذي اختارته للبناء فهو بالضّبط موقع ماميلا ايّاه، وفي طرف المقبرة الإسلاميّة ذاتها. صحيح أنّ رجل القبر من رواية النّابلسي ينتمي إلى أحفاد بني إسماعيل، غير أنّه ربّما كان سيكون محظوظًا بالعمل في فندق خمسة نجوم، عندما يُبعثون.

لم يتمّ إكمال مشروع الأميرة الهولنديّة، إذ صرفت جميع مالها على التّحضيرات. ولعلّ ذلك خير دليل على أنّه، حتّى فيما يتعلّق بأمور الآخرة فإنّ أمور الدّنيا تسير بحسب قوانين وأسعار السّوق.

في ذات الموقع، تقع اليوم "حديقة الإستقلال". وهي حديقة، على غرار حدائق بهذا الاسم، صارت مطرحًا للقاءات خفيّة، من النّوع الّذي يُطردُ بسببها آدم وصحبه من الجنّة. وهكذا، وعلى مرّ السّنين، يعيش أهل القدس، الأحياء منهم والأموات، بانتظار القيامة.

غريب أنا في القدس كأهلها. لكن، ورغم أنّ أهلها غرباء، إلاّ أنّ للغربة فيها درجات. ففي سنوات السبعين من القرن التّاسع عشر، أي قرنًا من الزّمان قبل أن أطرق أنا أبواب القدس، وصل إلى المدينة أحد الشّاميّين، نعمان القساطلي اسمه. جاء باحثًا عن الحضارة والانفتاح في المدينة، لأنّ دمشق الشّام بدت له، في تلك الأيّام، ذروة في التّخلُّف.

يمّم القساطلي وجهه نحو بيت المقدس الّتي تخيّلها مدينة الأنوار، فلم يجد فيها الأنوارَ، فما كان منه سوى أن دّون هو الآخر ما رأته عيناه: "إنّ مدينة أورشليم أو القدس مبنيّة على أربعة جبال وهم صهيون ومريا وأكرا وبزيتا... وعدد سكّانها نحو أربعين ألف تقريبًا، أكثرهم من اليهود السّكناج المتغرّبين، منهم 6000 مسلمين و 12000مسيحيّين من جميع الطّوايف، إفرنج ووطنيّين، والباقي 22000 يهود وطنيّين وسكناج".

سكّان المدينة اليوم يزيدون على خمسمائة ألف نسمة. وأهلها، إمّا هم غرباء حديثو العهد أو هم أحفاد غرباء الأمس. ولا شكّ أنّ غرباء اليوم هم آباء الغرباء الّذين سيولدون. يتّضح رويدًا رويدًا أنّ الغربه هي جزء لا يتجزّأ منها. ولكنّ الغرباء الّذين استوطنوا فيها على مرّ السّنين يحبّون أن يأتي غرباء آخرون للزّيارة فقط: ”وهم قوم لا يحبّون الغرباء وقد أجمعوا جميعهم على ذلك، وإذا نظرتَ أحدَ الغرباء مألوف من أحدهم، فيكون ايتلافه طمع الوطني بماله وعرضه أو ديانته... والفحشا في هذه المدينة كثيرة، وأرغبُ النّاس بها نساءُ المسلمين، وبعضُ النّصارى واليهود... والجميلة بينهنّ قليلة"، كما يشهد القساطلي.

مَنْ يبني مَنْ على هذه الأرض؟ أهو الإنسان يبني مدينة له على شاكلته، أم أنّ المدينة تبنيه على شاكلتها؟ أهل مدن البحار والشّواطئ يأخذون من البحر طباعه، ينفتحون على البحر فيستلهمون منه السّكينة. وللقدس أيضًا، أقول لنفسي، مدّ وجزر وأمواج متواترة دونما كلل. لكنّها أمواج من لظى براكين لا يعرف أحد متى ستثور. ولها بحرٌ أيضًا، تستلقي فيه على الظّهر وعيناك في السّماء فلا تحتاج إلى تحريك ساكن للعوم فيه. كلّ محاولة للوقوف فيه وفيها على أرض الواقع، غالبًا ما ترافقها الدّموع. وليس دائمًا بسبب مياه بحرها الميّت.


لم أولد في القدس. قدمت إليها من الجليل فانحشرتُ مع جمهرة الغرباء. لا علاقة لي بالمكان، وإنّما هي علاقة بالزّمان. لا علاقة لي بحجر أو بشر، وإنّما هي علاقة بلحظة، ببرهة وبرمشة عين. فالقدس، بخلاف سائر المدن، لها فائض من الزّمان، وفائض من الماضي، ومن كثرة المواضي لا تملك أن ترى المستقبل فيها أبدًا. كلّ حركة فيها تُخفي جرحًا، وكلّ حجر يُقْلَب فيها يُخبّئ تحته العقارب، إذ أنّ القدس كما يروى: "كأس من ذهب مليئة بالعقارب".

هل تبقى القدس جاثمة هكذا على تلال الرّوح، يتنازعها بحران، بحر من الغرب للحياة وبحر من الشّرق للموت؟ أتساءل، ثمّ ما ألبث أن أستدرك، ثمّة حياة وسحر في القدس. ففي ذلك المكان بالضّبط، في حيّ ماميلا، يحكي لي النّابلسي أنّه رأى أمرًا عجبًا: "ومن العجايب أنّنا وجدنا في هذه المقبرة حشيشةً طول الإصبع، خضراء مزهرة ولها يدان وأربع أرجل ورأس صغير أحمر، ولها عرف أبيض فوق رأسها وذنبها زهر أحمر مُعقد، وفيها الحياة وتمشي على أرجلها".

ها أنذا أعيش منذ سنين في القدس. طالما مررتُ بذلك الموقع، وطالما تفرّستُ الأرض لعلّي أحظى برؤية تلك الزّهرة الماشية على أرجلها. لم أعثر عليها بعدُ طوال هذه الأعوام. لكنّي، في هذه الأثناء، صرت أكتفي بزهور أخرى، طالما رأيتها في المدينة. وهي أيضًا زهور تخطو بيدين ورجلين. لكنّ هاتين يدان وهاتين رجلان لفتاة تجول في اللّيالي، تحاول بيع الزّهور للعاشقين في حانات القدس.


***
نشرت في "زوايا"، تحرير: بيار أبي صعب، عدد 10-11، بيروت 2005

للنص بالعبرية، اضغط هنا.
للنص بالإنكليزية، اضغط هنا.




مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



مواضيع مختارة


أرشيف الجهة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن