5 أبريل 2015

شعب واحد أم تشعّبات؟

أرشيف (1995) - وذكّر إن نفعت الذكرى

عن شعارات الشعب الواحد وما شابه ذلك من بلاغة عربية:

سلمان مصالحة ||

شعب واحد أم تشعّبات؟


قد يظنّ البعض أنّ إطلاق الشّعارات يكفي وحده إلى تكوين مجموعة سكّانيّة هوموجينيّة متراصّة لها مقوّمات الشّعب كما يجب أن يفهم هذا المصطلح على حقيقته. ربّما كانت جميع هذه الشّعارات تعبّر عن مطمح ما لرافعيها، لكنّ إطلاق الشّعار شيء وما يجري على أرض الواقع هو شيء آخر مغاير تمامًا إن لم يكن يقف في نقيض مدلولات هذه الشّعارات.

كما نستطيع، نحن العرب، على سائر مللنا ونحلنا، التّرويج إلى ما لا نهاية لهذه المقولات الّتي تنفع لوسائل الإعلام مستندين إلى دعامة البلاغة العربيّة الواضحة. غير أنّ البلاغة وحدها لا تكفي ولم تكن في أيّ آن لتكفي من أجل بلورة مجموعة سكّانيّة تُطلق على نفسها اسم الشّعب الواحد.

ثمّ، هل بوسعنا، نحن أصحاب الأقلام العرب تطليق النّهج القديم من التّفكير الّذي كان همّه الوحيد تملّق الرأي العام وتملّق الشّارع بغية الرّكوب على موجة مؤقّتة ما تلبث أن تتحطّم على شواطئ الواقع الّذي نعيش فيه. هل بوسعنا إثارة التّساؤلات الحقيقيّة وعرض الأمور كما هي دون محاولة تجميلها بوسائل مصطنعة. ثمّ هل تكفي تلك المساحيق ومستحضرات التّجميل للتّستّر على وجهنا الدّميم إلى حدّ الشّناعة. ثُمّ ألم يأت الأوان لكي ننظر كلّ في قرارة نفسه إلى كلّ هذه الأوبئة الّتي تنخر عظامنا دون أن نجد ما يكفي من الشّجاعة لكشف هذه الشّناعة.

ومجتمعنا هذا مليء بالأوبئة الاجتماعيّة غير أنّنا لا نزال ندسّ رؤوسنا في الرّمال ظانّين أن العالم لا يرى ولا يعي ما يجري بين ظهرانينا. فالعنف ضدّ الأولاد وضدّ النّساء يكاد يملأ كلّ حارة وكلّ بيت، والاعتداءات الجنسيّة داخل العائلة الواحدة بدأت تتكشّف رويدًا رويدًا. وبدل البحث في الجذور الّتي توصل إلى هذه الأوضاع، نستمرّ في رفع شعارات الشّهامة الزّائفة. قد يظنّ البعض أنّ الاحتلال هو السّبب لكلّ هذه الظّواهر، غير أنّ الحقيقة غير ذلك. كلّ من يلقي مسؤوليّة هذه الأمور على عاتق الاحتلال وعلى عاتق الإمپرياليّة وعلى عاتق التّلفزيون هو في الحقيقة لا يريد النّظر إلى قرارة نفسه، كما لم يعقد النيّة على تغيير شيء من مفاهيمه الزّائفة الّتي لا ترتكز على شيء سوى البلاغة، وفي الحقيقة فإنّ الصّمت المطبق حول كلّ ما يتعلّق بهذه الظّواهر هو في النّهاية ينصبّ في خانة المسؤوليّة عن هذا الوضع.

لقد حاول الإسلام منذ نشأته القضاء على العقليّة القبليّة المتجذّرة في الذّهن العربيّ، ولفترة ما قصيرة أفلح في الوصول إلى مجتمع ودولة بلغت من الازدهار مبلغًا كبيرًا، ولكن ومع مرور عقود قليلة من الزّمن، وفي الحقيقة منذ اللّحظة الأولى لوفاة الرّسول العربيّ، ثارت من جديد تلك النّوازع القبليّة الأمر الّذي أدّى في النّهاية إلى انحطاط الدّولة.

لم يتغيّر شيء في الذّهن العربيّ منذ الجاهليّة الجهلاء. فالوحدة السياسيّة الفاعلة في هذا المجتمع لا تزال إلى يومنا هذا هي وحدة القبيلة، والعشيرة، والحمولة والعائلة. أيّ أنّ ما يميّز العلاقات بين النّاس هو ذلك الرّباط القبليّ الّذي لم يستطع المجتمع العربيّ الفكاك منه حتّى الآن. وإذا كانت هذه هي الحال فكيف بنا إذا نظرنا إلى تلك التّشعّبات المرتكزة على أساس مذهبّي ديني.

خلال عقود من الزّمن يعيش العرب الفلسطينيّون داخل إسرائيل، ودون النّظر إلى الوضع الّذي يعيشون فيه، لكن هنالك إشارة لا بدّ منها. وهي أنّ هؤلاء استمرّوا في العيش ضمن هذه الحدود القبليّة والطّائفيّة، وما تلك النّزاعات الطّائفية والعائليّة القائمة في القرى والبلدات العربيّة داخل إسرائيل سوى مؤشّر على أنّ القبليّة هي جزء من هذا الذّهن الّذي شلّ أصحابه.

وإذا ظنّ البعض أنّ الوضع في المناطق المحتلّة أفضل من ذلك فهو على خطأ فادح. إنّ من يتصفّح الصّحف الفلسطينيّة الصّادرة في المناطق المحتلّة لا شكّ أنّه يلاحظ تلك الإعلانات العشائريّة الّتي تملأها. والسّؤال الّذي يتبادر إلى الأذهان لماذا لم تستطع الانتفاضة خلال عقد من الزّمن خلق مجتمع واحد. ثمّ أليس من حقّنا أن نتساءل كيف آل الوضع لدى هذا الشّعب إلى إفراز عشرات الآلاف من العملاء، وهي ظاهرة فريدة لم تحصل لدى شعوب أخرى وبهذه النّسبة.

السّبب في ذلك هو أنّنا نفهم معنى الشّعب على أنّه القبيلة ليس إلاّ، ولذلك فالتّضامن مع القبائل الأخرى هو بمثابة تضامن مع شعوب أخرى. وهذا التّضامن يخضع فقط للمصالح القبليّة الضيّقة. فكيف بنا إذن، إذا تحدّثنا عن طوائف دينيّة مختلفة.

خلال عقود طويلة قدّم ”الشّعب“ الفلسطيني قافلة طويلة من الشّهداء على مذبح نضاله من أجل حرّيته. وهؤلاء الشّهداء جاؤوا من جميع القبائل والطّوائف الّتي يتألّف منها الشّعب الفلسطينيّ. وعلى الرّغم من هذه الحقيقة لم يُفلح الشّعب حتّى في لحظات الموت في خلق هويّة جديدة تعبّر عن هذه الفسيفساء التّعدديّة، بل وبدل ذلك كان يُدفن كلّ شهيد في مدافن القبيلة والطّائفة.

ولهذا أريد أن أؤكّد هنا أنّه قد آن الأوان إلى إيجاد مقبرة للشّهداء تضمّ الشّهداء دون فرق وتمييز في المعتقد الدّيني، وفقط من خلال ذلك يمكن الوصول إلى شعب واحد متجانس. وإن لم يحصل ذلك فسنظلّ في الطّور القبليّ ولن تغيّر الشّعارات الطنّانة شيئًا من هذا الواقع.

إنّ طبيعة الشّعب الفلسطيني المتكوّن من طوائف وملل مختلفة تفرض طريق العلمانيّة عليه، وبغير هذه الطّريق لن يصل إلى سواء السّبيل. وفوق كلّ ذلك يجب وضع الفرد في مقدّمة الأولويات، ذلك الفرد الخارج عن الإطار القبليّ والطّائفي.

هذه فقط هي طريق الشّعوب الّتي سيكتب لها البقاء.

*

نشرت في: ”الحياة الجديدة“، رام اللّه، 9 يناير 1995

***




Print Friendly and PDF

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة.
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    الأولى أم الأخيرة؟

    إنّ الطغم العسكرية التي اغتصبت البلاد والعباد وسيطرت على مقاليد الحكم في بعض الأقطار بعد جلاء الاستعمار، حوّلت الإتجار بالمسألة الفلسطينية إلى درع يقيها من أيّ محاولة لنقدها من جانب المواطنين.
أصوات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • حانوخ ليڤين

    الوالدُ اشْترَى جَريدَة،
    وذَهبَ مَعَها للمِرْحاض،

    جَلسَ، قَرَأَ، وفِي هذه الأثناء
    بُمْ، طَخْ، ضْراط، مِنَ الوَراء!
  • جهة الفيسبوك

    تعليقات أخيرة

  • زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء هنا الآن

  • مواضيع مختارة