القصيدة الشاميّة


ولأنّ للعواطف مكانًا في هذا الفضاء العربي الدّامي، فقد آن أوانُ هذا القريض الذي يسير على خطى القصيد العربيّ...

 

سلمان مصالحة||

القصيدة الشاميّة


أحيانًا، هنالك لحظات يبتعد فيها المرء عن الخوض في تحليل الأحداث التي تجري على الساحة، ويبتعد فيها عن اللغة التقريرية التي يتطلّبها مقال سيّار من هذا النّوع. أحيانًا، هنالك لحظات يكون فيها للعاطفة دور غالب. فما بالكم، ونحن نرى كلّ هذا التّقتيل اليومي للبشر في منطقتنا؟

لقد كان ذكر قديمًا، طرفة بن العبد، شاعرٌ عربيّ حكيم من السّلف الصّالح أنّ ”ظلم ذوي القربى أشدّ مضاضةً“. وها هو ذلك الظّلم، وها هم ذوو القربى، وها هي تلك المضاضة من ذلك الماضي تظهر جميعًا الآن على الملأ وبجلاء، بفضل وسائل الاتّصال الحديثة. إنّها بارزة بكلّ قتامتها أمام أعين من لا يزال يمتلك ذرّة من بصر أو بصيرة.

ولأنّ للعواطف مكانًا في هذا الفضاء العربي الدّامي، فقد آن أوانُ هذا القريض الذي يسير على خطى القصيد العربيّ:
*

القصيدة الشاميّة


نَدًى بِعَيْنِكَ، أَمْ دَمْعٌ بِهِ نارُ؟
أَمْ فَارَقَتْ سِرْبَهَا فِي الجَوِّ أَطْيَارُ؟


وَمَنْ تَرَجَّلَ جُنْحَ اللَّيْلِ عَنْ فَرَحٍ
إذْ رَجَّعَتْ حُزْنَهَا فِي الأُفْقِ أَسْحارُ؟


لا زِلْتَ لَيْلَكَ أَرْضَ الشّامِ تَرْقُبُها
شَعْبٌ تَمَلْمَلَ مِنْ ظُلْمٍ، لَهُ ثارُ


فَالظّالِمُونَ تَمَادَوْا فِي مَظَالِمِهِمْ
لا يَأْبَهُونَ بِطِفْلٍ قَامَ يَخْتارُ


عَيْشًا كَرِيمًا وَحُلْمًا فِي مَرابِعِهِ،
حُرِّيَّةً نُقِشَتْ فِي النَّفْسِ، فَاحْتارُوا


إنْ أَخْمَدُوا وَلَدًا شَبَّتْ مَلائِكَةٌ
لا يَعْرِفُونَ بِأَنَّ الجَمْرَ سَعَّارُ


لَنْ يُطْفِئُوا أَمَلاً فِي نَفْسِ مَنْ نَبَتَتْ
فِيهِ حَمِيَّةُ أَبْرارٍ، بِهِ نَارُ


لِلظّالِمِينَ دِيَارٌ عِنْدَ مِزْبلَةٍ
كَيْ يَخْلُدُوا مَثَلاً فِيها وَيَعْتَارُوا


لا يَفْقَهُونَ أُصُولَ الحُلْمِ مُذْ دُحِيَتْ
أَرْضٌ لِعَيْشٍ، بِأَنَّ الدَّهْرَ دَوَّارُ


مَهْمَا تَغابَى سَراةُ الضَّيْمِ فِي بَلَدٍ
وَاسْتَأْسَدُوا عَمَهًا فَالشَّعْبُ صَبَّارُ


وَإنْ تَأَخَّرَ بَلْجُ الصُّبْحِ عَنْ مَهَلٍ
لا بُدَّ تَعْقُبَهُ فِي التّوِّ أَنْوارُ

***

نَدًى بِعَيْنِكَ أَمْ كَلْمٌ يُؤَرِّقُها
غَداةَ طَلَّ عَلَى الشّاشاتِ أَحْرارُ


هَبُّوا فَرَادَى فَهَبَّ النّاسُ خَلْفَهُمُو
حَتَّى أَتاهُمْ إلَى المَيْدانِ غَدَّارُ


فَاسْتَلَّ مِنْ جُعْبَةِ الشَّيْطانِ عُدَّتَهُ
يَغْتالُ فِي شَغَفٍ أَحْفادَ مَنْ سَارُوا


وَراءَ حُلْمٍ تَنامَى بَعْدَمَا انْعَتَقَتْ
فِي النّاسِ أُغْنِيَةٌ تَعْلُو وَأَنْظارُ


إنَّ الغَمامَ الّذِي يُرْخِي ضَفائِرَهُ
ناحَتْ بَوَارِقُهُ مِنْ فِتْيَةٍ ثَارُوا


فَاسْتَقْبَلُوا حِمَمًا مِنْ نَارِ غاصِبِهِمْ
لَمْ يَنْجُ مِنْ لُؤْمِها الأَهْلُونَ وَالجارُ


***


نَدًى بِعَيْنِكَ أَمْ دَمْعٌ تُكَفْكِفْهُ
لَيْلاً عَلَى نَفَرٍ فِي النّهْرِ قَدْ صَارُوا


لَوْلا الهَوانُ الّذي أَخْنَى عَلَى عَرَبٍ
لاسْتَنْفَرَتْ رَبْعَهَا فِي الشَّرْقِ أَخْيارُ


لكِنَّنَا هَمَجٌ مِنْ أُمَّةٍ دَثَرَتْ
لا يَنْفَعُ القَوْلُ فِي مَنْ زَيْتُهُ قَارُ


يَا سَامِعَ الصَّوْتِ لا تَبْخَلْ عَلَى وَلَدٍ
مِنْ بَعْضِ ما حَمَلَتْ فِي اللَّيْلِ أَذْكَارُ


وَارْحَمْ بِعَطْفِكَ طِفْلاً غَابَ فِي عَفَرٍ
أَلْغَتْ جَوارِحَهِ الأَحْقَادُ وَالعارُ


عارٌ عَلَى عَرَبٍ مِنْ أُمَّةٍ حُسِبَتْ
فِي قَوْلِهَا نَسَبٌ، وَالفِعْلُ أَغْيَارُ


عارٌ عَلَى حَجَرٍ، عارٌ عَلَى شَجَرٍ
عارٌ عَلَى بَشَرٍ فِي الشّامِ بَشّارُ

*


كانون الثاني 2012


***

نشرت في: ”إيلاف“، 12 يناير 2012

ـــــــــــــــــــــــــــــــ


مشاركات:

تعليقات في الفيسبوك:

تعليقات في الموقع: يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح; بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • مديح الاستعمار

    لو نظرنا إلى مجتمعاتنا من حولنا... فما الفرق بين أنظمة ملكيّة متوارثة وبين أنظمة تتسمّى بالثّوريّة والجمهوريّة وما إلى ذلك من تسميات أقرب إلى الزّور والبهتان منها إلى حقائق المكان والإنسان؟


  • مديح سايكس بيكو

    يمكننا القول إنّ كلّ الشعارات الفضفاضة عن الأمّة والعروبة والثورة والاشتراكية، وما شابه ذلك...
قضايا محلية
  • شمال يمين

    المرة تلو الأخرى يفشل ما يسمى هنا اليسار في الاختبار المدني...
  • قائمة قاعدة

    اذا تجمّع كل العرب في سلة واحدة فمن الواضح تلقائيا أن كل اليهود سيتجمعون في سلة أخرى...
  • شعب واحد؟

    لم يتغيّر شيء في الذّهن العربيّ منذ الجاهليّة الجهلاء. فالوحدة السياسيّة الفاعلة في هذا المجتمع لا تزال إلى يومنا هذا هي وحدة القبيلة، والعشيرة، والحمولة والعائلة.
نصوص شعرية
  • ليل العروبة

    ليلُ العُرُوبةِ أَتْراحٌ
    وَأَحْزانُ. وفي رُباها
    مِنَ الحُكَّامِ أَلْوانُ.

    مِنْهُمْ بَلِيدٌ، جَلِيسُ العَرْشِ
    تَحْسَبُهُ قَدْ باتَ مُعْتَكِفًا
    وَالعَقْلُ نَعْسانُ.
  • لغة أم

    لُغَتِـي الَّتِـي خَبَّأْتُهَا
    فِـي هَوْدَجٍ يَطْفُو عَلَى
    عَرَقِ الرِّحَالْ،

    لُغَتِـي الَّتِـي وَهَبَتْ
    شَظَايَا اللَّيْلِ لِلطَّيْرِ الَّذِي
    اتَّـكَـرَ الهِلالْ،
جوارير
  • هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار
  • البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال...

أرشيف الموقع



موسيقى كلاسية





موسيقى جاز



 
ثقافة
  • التأنيث في اللغة والحياة

    أمّا بخصوص ما يتعلّق بتأنيث اللّغة، فهذه قضيّة أخرى مختلفة تمامًا. وهي، وإنْ كانت نابعة بطبيعة الحال من كينونة لغويّة ثقافيّة واجتماعيّة عربيّة، غير أنّها ليست حكرًا على العرب ...
  • جبران والحلم الصهيوني

    قد يكون القارئ على علم بآراء جبران في الأدب، المجتمع والأخلاق، فقد دوّن كلّ ذلك في كتاباته ومؤلّفاته. لكنّ القارئ العربي قد يُفاجأ بآراء جبران في السياسة...
  • الجامعة | الفصل الثاني

    حَدَّثَنِي قَلْبِي أَنْ أُعَلِّلَ جَسَدِي بِٱلْخَمْرِ، وَقَلْبِي يَنْهَجُ بِٱلْحِكْمَةِ، وَأَنْ أُمْسِكَ بِٱلْحَمَاقَةِ، حَتَّى أَرَى مَا يُجْدِي ٱلْبَشَرَ مِنْ خَيْرٍ، لِكَيْ يَصْنَعُوهُ تَحْتَ السَّمٰواتِ عَدِيدَ أَيَّامِ حَيَاتِهِمْ...


أصوات
  • تعليقات أخيرة



  • مواضيع مختارة