22 مارس 2017

كلّ يغنّي على ويلاه




إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم التي انبنت على عقد إجتماعي متجذّر في حضارتهم...

سلمان مصالحة ||

كلّ يغنّي على ويلاه


هل يجب إعادة الاعتبار إلى الجاهليّة العربية التعدّدية؟

إنّ القطيعة التي فرضها الإسلام على العرب مع جذورهم الجاهلية قد سجنتهم في بوتقة الواحدية الأيديولوجية التي لا يمكن أن تكون إلاّ كابتة ومستبدّة، أي فاشية في نهاية المطاف. كذا هي طبيعة الأيديولوجيّات الواحدية، أكانت هذه الأيديولوجيات دينية أو سياسية، لا فرق. ولمّا كان بنو البشر «قد ولدتهم أمّهاتهم أحرارًا» فإنّهم يجنحون إلى الحريّة بطبيعتهم، وقد تذهب هذه الحرية إلى البحث عن وسيلة للانضواء في «أحزاب»، وأيديولوجيّات دينية، طائفية أو سياسية. وهكذا فإنّ الحريّات البشرية التي انطبع عليها بنو البشر هي التي تولّد بالقوّة كلّ الصّراعات الفكرية، وقد تنقلها في مرحلة معيّنة من القوّة إلى الفعل. إلى هنا لا بأس في ذلك، بل على العكس تمامًا. إذ إنّ هذه الصراعات، في حال بقائها في وضعها الطاهر، هي ما يدفع المجتمعات وينقلها إلى مراحل متقدّمة في مسار تطوّرها.

لكي نضع حدًّا للتخبّطات التي وجدت فيها النخب العربية نفسها على خلفية ما يجري من أحداث في العالم العربي، نجد لزامًا علينا أن نضع بعض الخطوط العريضة لتلمّس طريقنا في هذه الظلمة المخيمة والتي ولا نرى أنّها منقشعة في المستقبل المنظور.
لكن، وقبل ذلك حريّ بنا أن نعود إلى جذور هذا المأزق العربي.

لقد أضحى العالم العربي في وضع يمكن فيه توصيفه كحالة وجودية لا تمتّ إلى هذا العصر الذي انفرزت فيه شعوب العالم إلى كيانات مدنيّة تسمّى دولاً وطنيّة. إنّ ما يميّز الدولة الوطنية العصرية هو ذلك الوفاق الاجتماعي على أعراف سياسية تنضوي تحتها جمهرة المواطنين، بعيدًا عن خلفيّاتهم الإثنية، الدينية والطائفية.

بالنظر إلى أحوال عالمنا العربي في القرن المنصرم، وعلى وجه الخصوص منذ خروجه من هيمنة السلطنة العثمانية وعبوره لاحقًا إلى مرحلة «الاستقلالات الوطنيّة»، فإنّنا نلاحظ تيّارين قد تقاذفاه في خضم الصراعات العالمية هما التيّار العروبي والتيّار الإسلامي. إنّ هذين التيّارين في جوهرهما عابران للحدود الـ«وطنية» للكيانات المستجدّة. ولذلك فإنّ من يحمل على عاتقه شيئًا من هذه التوجهات أو يأخذ بأحد هذين التيّارين يجد نفسه في مأزق وجودي. فإنْ أخذ بالعروبة أو بالإسلام فلا معنى للكيان الوطني الذي يعيش في كنفه فلا حاجة له به. إذ إنّه يعبر بهويّته من حدود الإقليم الضيّق إلى ساحة أرحب. هكذا، وصل مرشد الإخوان المسلمين إلى القول «طز في مصر»، وهكذا يصل العروبيّون إلى القول: طزّ في هذا البلد العربيّ أو ذاك.

غير أنّ الرياح العربية، ومن ورائها الإسلامية، تجري بما لا تشتهيه هذه الأيديلوجيّات العابرة للأقاليم. ولهذا، ورغم مرور قرن من الزمان على هذه التحوّلات، نرى أنّ التجزئات العربية إلى كيانات هي التي صمدت. فلا أدعياء العروبة ولا أدعياء الإسلام أفلحوا في إلغاء هذه الحدود الفاصلة بين كياناتهم. فماذا يعني كلّ ذلك؟

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم التي انبنت على عقد إجتماعي متجذّر في حضارتهم، وما لم يتمّ الالتفات إلى هذه الجذور الضاربة في القدم، فلن يتمّ تبصّر السبيل للخروج من هذه المآزق.

وإذا ما استثينا الحال المصرية، فإنّ الحديث عن وطنيّات جامعة لجمهرة المواطنين، في سياقات العالم العربي، لا يستند إلى أيّ أساس. فقط في الحال المصرية يمكننا الحديث عن وطنية مصرية. فعلى الرغم مما يعتري الحال المصرية من شوائب متعلّقة بحال الفرقة بين الأقباط والمسلمين يمكن الحديث عن وطنية مصرية بعيدة عن القبليّة. أمّا سائر العالم العربي فلم يخرج بعد من الطور القبلي والطائفي. ولهذا نرى أنّ حالة التوريث للزعامات السياسية والاجتماعية هي الأصل في هذا العالم، ولا معنى لكون الكيانات جمهورية أو ما شبه ذلك. حتّى كلّ الجمهرات التي يُطلق عليه مصطلح «أحزاب»، لا معنى لها، إذ أنّ التوريث فيها هو الأصل.

هكذا، يضحي خطاب النخب العربية عن العروبة أو الإسلام سبيلاً للهرب من مواجهة هذه الحقائق في البيت الوطني الصغير، أي في الدول التي رسم حدودها الاستعمار، كما دأبت تلك النخب على القول.
بعد مرور قرن من الزمان، نرى أنّ هذه الكيانات العربية المستجدّة هي التي صمدت أو بالكاد. فهي تتشبّث بكلّ ما أوتيت من قوّة بهذه الحدود الاستعمارية. وإن لم تصمد فهي آيلة إلى التفتّت والزوال والانفراط إلى كيانات طائفية أقلّ اتّساعًا. فهل، والحال هذه، يمكن الحديث عن وطنيّات عربية؟

لهذا، ربّما كان من الأجدى لهذه النخب الانكفاء إلى الداخل بغية إصلاح الحال في رقعة جغرافية ضيّقة. فلا المغربي يستطيع إصلاح حال العراقي، ولا المصري يستطيع إصلاح حال اليمني أو الجزائري، وكلّ هذا، ناهيك عن أحوال العرب المنكوبين في أماكن تواجدهم.

خلاصة القول، لا يمكن لمّ شمل العرب. إنّ السبيل إلى لمّ الشمل يبدأ بالإصلاح الداخلي في كلّ كيان على حدة. ومتى ما تمّ هذا الإصلاح بإجماع المواطنين في كلّ بلد على حدة، تضحي الطريق سالكة إلى الانتقال لمراحل عربية أكثر تطوّرًا. ولكن وحتّى نصل إلى ذلك الأوان، فيمكن اختزال حال العرب الآن بجملة واحدة: كلّ يغنّي على ويلاه.
*
الحياة، 22 مارس 2017


مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن