22 سبتمبر 2017

تفكيك العنصرية العروبية

إنّ هؤلاء النّفر من أبناء جلدتنا هم أكثر خلق الله حملًا للتناقضات. غير أنّهم ولاستفحال هذا الوباء في ذهنيّاتهم فقد عميت أبصارهم عن رؤية هذه التناقضات

 

سلمان مصالحة ||

تفكيك العنصرية العروبية


الإنسان، بطبيعة الحال وعلى غرار أبناء جلدته في كلّ صقع من أصقاع الأرض، ينتمي إلى جماعة بشرية تعيش في دوائر، تبدأ بالعائلة ثمّ تتسلسل وتتّسع اضطرادًا نحو دائرة أوسع هي القبيلة، ثم الطائفة والقوم والشعب والأمّة إلخ.

غير أنّ القومجية ،على كافّة تنويعاتها ومشاربها في كلّ مكان، هي مرض عضال. بل وأبعد من ذلك، هي مرض تتدهور معه ذهنية الإنسان فيعود إلى مرحلة التوحّش الغابَوَيّة. لقد ظهر هذا الوباء وتجلّى التوحّش فيه بأبشع صوره في ألمانيا النازية في ثلاثينات القرن المنصرم.

إنّ الانتماء إلى قوم هو جزء من طبيعة البشر الاجتماعية، غير أنّ هنالك حدًّا شفّافًا يفصل بين هذا الانتماء الطبيعي وبين حال الإنسان لدى تخطّيه هذا الحدّ. إذ يسقط الفرد عندئذ في دائرة الكراهية لكلّ ما هو مختلف عنه. وإذا كان هذا المختلف ينتمي إلى قبيلة، قوم، طائفة أو شعب آخر فسيفقد هذا الآخر بنظره كلّ شيء وسيُضحي بنظره لا شيء. إنّ هذا الحدّ الشفّاف هو ما يفصل القومي عن ذلك القومجي، الذي لا يرى سوى ذاته. ولذا ينزع القومجي عن هذا الآخر كلّ الحقوق الطبيعية التي يراها ملكًا له دون غيره.

كذا هي حال القومجيين العروبيين. إنّ هؤلاء النّفر من أبناء جلدتنا هم أكثر خلق الله حملًا للتناقضات. غير أنّهم ولاستفحال هذا الوباء في ذهنيّاتهم فقد عميت أبصارهم عن رؤية هذه التناقضات. فمن جهة، طوال عقود قاموا بصرصعتنا حتّى صمّت آذاننا بإطلاقهم الشعارات والاتهامات للاستعمار والمستر سايكس والمسيو بيكو لتفتيتهم العرب برسمهم حدودًا مصطنعة بين أقطارهم. ولكن، من جهة أخرى وفي الآن ذاته، نرى أنّ هؤلاء القومجيين العروبيّين هم أشرس العرب دفاعًا عن هذه الحدود ذاتها التي يكيلون السباب عليها وعلى راسميها. بل وأكثر من ذلك، فهم يظهرون على الملأ بوصفهم أشدّ المدافعين عن ”وحدة التراب الوطني“، كما نهجوا على تدبيج كلامهم. إنّهم لا يرون في تشبّثهم بخطابهم هذا إقرارًا ضمنيًّا منهم بكون هذه الـ”وطنيّة“ صنيعة من صنائع الاستعمار الذي يكيلون له السباب، كما إنّّهم لا يرون حرجًا في كلّ هذا التناقض في مقولاتهم.

إنّ الأيديولوجية القومجيّة تفتك بحامليها أحيانًا، إذ تجعلهم ينظرون نظرة فوقية تجله أناس يُفترض اجتماعهم معهم بالانتماء ذاته. وبهذا السياق فقد أصاب الأستاذ خالد الدخيل في مقالة له نشرت هنا قبل عام، حيث نوّه فيها إلى ظاهرة ”عنصريّة القوميين العرب تجاه الجزيرة العربية“ (الحياة، 5.7.2017). إذ يعتقد دعاة العروبة الناصرية والبعثية الآفلتين إلى غير رجعة أنّ الحضارة العربية قد بدأت بهم، بينما مَحلّ أهل الجزيرة في البداوة والأعراب، ولا محلّ لهم في إعراب جملة القوميّة التي يتشدّقون بها. وفي الآن ذاته، ترى كلّ هؤلاء المتشدّقين يطالبون بحصّة من الموارد الطبيعية التي أنعم الله بها على الجزيرة، وكأنّ أهل الجزيرة مدينون لهؤلاء القومجيّين بشيء.

ولدى الحديث عن التناقض، حريّ بنا أيضًا أن نُذكّر هؤلاء وأمثالهم، إن نفعت الذكرى، أن لا عروبة دون الجزيرة التي تسمّى العرب باسمها وتسمّت باسمهم. فالجزيرة العربية ومنذ حقبتها ”الجاهليّة“ هي المهد الذي احتضن العروبة منذ العصور القديمة. وكما يقال، من أنكر أصله فلا أصل له. لا يعني هذا الكلام بأيّ حال دفاعًا عن أنظمة سياسية أو دينية، وإنّما هو وضع النقاط على الحروف حضاريًّا وثقافيًّا.

فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال، ففي مثل هذه الحال، حدّث عن عنصريّة العروبيّين ولا حرج. لقد وصل أمر هؤلاء إلى إطلاق مصطلح ”قردستان“ على وطن الأكراد، كما فعل سعدي يوسف، وهو أحد دعاة العروبة من شعراء العراق.

ها هم الأكراد ذاهبون إلى إجراء استفتاء حول إنشاء كيان سياسي خاصّ بهم مفصولاً عن العراق. إنّ مواقف الغالبية العظمى من العروبيين يعارضون الاستفتاء ويرفضون أن يكون لهذا الشعب أيّ حقّ بتقرير المصير، على غرار سائر شعوب الأرض. إنّه ذات الحقّ الذي يطالبون به لأنفسهم في كلّ مكان. إذن، والحال هذه، ما هذا التناقُض البنيوي الذي يحيون معه؟ ألا يحقّ للأكراد ما يحقّ لغيرهم؟ أم إنّ الأمر حينما يتعلّق باحتلال عربي لشعوب أخرى فإنّ هذه الشعوب تفقد حقوقها من منظور عروبي؟ كلّ هذا ناهيك بالتجارب التي خبرها الأكراد من طرف الفاشية البعثية في كلّ من العراق وسورية.

لهذا، فعلى كلّ عربي يؤمن بحقّ الشعوب في تقرير مصيرها أن ينتصر لحقّ الأكراد في إنشاء كيانهم المستقلّ على ترابهم الوطني الذي قام الاستعمار بتجزئته منذ قرن من الزمان، بين العرب والأتراك والفرس. إنّ العربي الذي يرفض حقّ الأكراد بتقرير المصير يفقد صدقيته أخلاقيًّا. بل وأبعد من ذلك، إنّه يفقد حقّه بتقرير مصيره هو. أليس كذلك؟
*
الحياة“، 22 سبتمبر 2017



Print Friendly and PDF

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة.
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    الأولى أم الأخيرة؟

    إنّ الطغم العسكرية التي اغتصبت البلاد والعباد وسيطرت على مقاليد الحكم في بعض الأقطار بعد جلاء الاستعمار، حوّلت الإتجار بالمسألة الفلسطينية إلى درع يقيها من أيّ محاولة لنقدها من جانب المواطنين.
أصوات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • حانوخ ليڤين

    الوالدُ اشْترَى جَريدَة،
    وذَهبَ مَعَها للمِرْحاض،

    جَلسَ، قَرَأَ، وفِي هذه الأثناء
    بُمْ، طَخْ، ضْراط، مِنَ الوَراء!
  • جهة الفيسبوك

    تعليقات أخيرة

  • زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء هنا الآن

  • مواضيع مختارة