‏إظهار الرسائل ذات التسميات السويداء. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات السويداء. إظهار كافة الرسائل

السبت، 14 فبراير 2026

تفكيك جنبلاط - وثائق تكشف علاقاته بالمسؤولين الإسرائيليين

سلمان مصالحة

تفكيك جنبلاط - وثائق تكشف علاقاته بالمسؤولين الإسرائيليين  

ولمّا قيل بأنّ الأقربين أولى بالمعروف، فقد وجدت أن لا مناص من البدء بذوي القربى.  فهل آن الأوان الآن لوضع النقاط على بعض الحروف المبهمات فيما يتعلّق بزعامة وليد جنبلاط.

 

مقدمة

لا يخفى على القارئ النبيه بأنّ الزعامات العربية، والوراثية منها على وجه التحديد، هي أحد الأسباب المركزية لفشل المجتمعات العربية في الانتقال من طور الذهنيّة البَرّيّة (بفتح الباء) المُغرقة في القدم إلى مرحلة يمكننا أن نطلق عليها طور الذهنيّة البِرّيّة (بكسر الباء) لمجتمع مُعاصر مُتقدِّم. 

ولمّا قيل بأنّ الأقربين أولى بالمعروف، فقد وجدت أن لا مناص من البدء بذوي القربى.  فهل آن الأوان الآن لوضع النقاط على بعض الحروف المبهمات فيما يتعلّق بزعامة وليد جنبلاط؟

لقد ورث وليد جنبلاط زعامة الحزب التقدّمي الاشتراكي بعد مقتل والده، وسيرًا على نهج العرف العربي التليد والبليد منذ القدم، فقد قام قبل سنوات بتوريث هذه الزعامة المزعومة لابنه. وهنا يطفو على السطح السؤال الذي لا بدّ من طرحه: ما هي هذه «الاشتراكية» وما هي هذه «التقدّمية» في هذا الاسم الفضفاض لحزب توريثي أصلًا؟

سنترك للقارئ النبيه أن يتفكّر في قرارة ذاته بهذه الحال العربية وما جلبته هذه الذهنية التوريثية، أكان هذا التوريث سياسيًّا أم دينيًّا، من كوارث على المجتمعات في مشارق العرب ومغاربهم.

إنّ ما يعنينا اليوم هو ما تتفتّق عنه قرائح هذه الزعامة بعد المجازر التي ارتكبتها في محافظة السويداء فصائل الدواعش وتفريعاتها على اختلاف مسمّياتها بزعامة الجولاني الذي وصل إلى سدّة الحكم في الشام بعد فرار الأسد. 

دمشق: لقاء جنبلاط - الجولاني

لقد سارع جنبلاط في نهاية ديسمبر 2024،  مرفوقًا بوفد من حزبه الوراثي، بالسفر إلى دمشق والالتقاء بالجولاني، سعيًا منه لفتح صفحة جديدة مع النظام السوري الجديد مدفوعًا ربّما بذاكرة اغتيال نظام الأسد الأب لوالده في سبعينات القرن المنصرم.  لقد رأى جنبلاط في سقوط النظام الأسدي فرصة سانحة لتعزيز دوره محلّيًّا وإقليميًّا فسارع إلى الاتصال بحاكم سورية الجديد وترتيب وفد للقاء الجولاني في دمشق. 

غير أنّ رياح الفصائل التكفيرية تجري بما لا تشتهيه سفن الباحثين عن تعزيز زعامات وراثية، وهي زعامات لا تختلف أصلًا عن الزعامة الأسدية الآفلة. إذ إنّ طبع هؤلاء التكفيريّين الذين أوصلوا الجولاني إلى سدّة الحكم لا يمكن أن يتبدّل بين ليلة وضحاه بمجرّد استبدال البزّات العسكرية ببدلات وربطات عنق من صناعات صينية أو غربية. 

وهكذا، لم تمض سوى أيام معدودة حتّى كشفت فصائل التكفير عن أنيابها متذرّعة بتسجيل مفبرك وارتكبت مجزرة بحقّ الدروز في جرمانا وأشرفية صحنايا  بضواحي دمشق. لم تكن هذه أوّل مجزرة ترتكبها هذه الفصائل بحقّ الدروز، فقد عانى دروز جبل السماق في محافظة إدلب بالشمال السوري من فصائل التكفير التي سيطرت على مناطقهم، فقد تعرّضوا هناك للاضطهاد الديني، فحرقت معابدهم وأجبروا على التسنّن تحت وطأة أنياب التكفيريين المُسنّنة. بل وفوق كلّ ذلك فقد ارتكبت الفصائل التكفيرية مجزرة  في بلدة قلب لوزة التي راح ضحيتها العشرات.

مجزرة السويداء

حريّ بنا هنا أن نُذكّر القرّاء العرب، والآخذين بالانقراض في العقود الأخيرة تحت سطوة الفضائيات وتسجيلات الهواتف الخلوية، بأنّ الغالبية العظمى من الدروز في محافظة السويداء كانوا قد امتنعوا عن المشاركة في حرب النظام الأسدي ضدّ السوريين المنتفضين عليه. لقد فضّل هؤلاء البقاء في محافظتهم وعدم المشاركة في سفك الدم السوري. بل وأكثر من ذلك فقد استقبلت المحافظة عشرات الآلاف من السوريين الهاربين من اضطهاد النظام الآفل وحمايتهم. وقد شهدت المحافظة في السنوات الأخيرة قبل سقوط النظام مظاهرات أسبوعية في ساحة الكرامة مطالبة بإسقاط النظام، وكان شعارهم الموروث والمرفوع والمسموع عاليًّا بحناجرهم: «الدين لله والوطن للجميع»، إضافة إلى «واحد واحد واحد، الشعب السوري واحد». 

غير أنّ كلّ ذلك لم يشفع لأهل محافظة السويداء. وكما أسلفنا فإنّ طبع هؤلاء التكفيريين يغلّب التطبُّع بالبدلات، فسرعان ما عاد هؤلاء التكفيريون إلى طبعهم التكفيري الذي رضع وترعرع على فتاوى تنضح كراهية لكلّ من هو آخر دينيًّا وثقافيًّا، وشحنوا العشائر من كلّ حدب وصوب برفقة فصائلهم الأهلية والأجنبية وجاؤوا لإبادة الدروز في محافظة السويداء. ”جئناكم بالذبح” كان شعار هؤلاء في تسجيلاتهم المصوّرة التي انتشرت في كلّ مكان. 

لقد جاؤوا حقًّا بالذبح مشحونين بفتاوى ابن تيميّة من القرن الثالث عشر، والتي تصف الدروز بأنّهم: «أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب… تُسبَى نساؤهم،  وُتؤخذ أموالهم…  يُقتَلون أينما ثُقِفوا، ويُلعَنون كما وُصِفوا... ويجب قتل عُلمائهم وصُلحائهم». 

لقد كان حريًّا بجنبلاط الذي هرول إلى لقاء الجولاني في دمشق أن يسأل حاكم سورية الجديد عن رأيه وعن موقفه من هذه الفتوى التي يسير على هديها رهطه التكفيري. 

غير أنّ جنبلاط هذا الذي ينصبّ جلّ اهتمامه على تأبيد زعامة المختارة على دروز المشرق، كما يشي هو بين فترة وأخرى، وبدل أن أن يقف في وجه التكفيريين ويشحن هذه الزعامة بمواقف أخلاقية تُحمّل الجولاني وعصاباته مسؤولية المجازر التي ارتكبت بحق الدروز والمسيحيين في السويداء وبحقّ سائر المكونات السورية في الساحل وأماكن أخرى، فقد خرج بتصريحات تكيل اللوم على هبّة دروز إسرائيل دفاعًا عن السويداء وأهلها، حيث  قاموا بالضغط على الحكومة الإسرائيلية بالتدخّل العسكري لوقف هذه المجازر.  

لن ندخل الآن في تفوّهات جنبلاط في قضايا أخرى بخصوص دعوته لبناء الجوامع  بغرض الحصول على دعم من هنا وهناك لزعامته المزعومة، فهذا شأنه وشأن ربعه من المتأسلمين من زمرته الذين يقتاتون على الفتات الذي ينثره عليهم. يستطيع أن يبني جامعًا في المختارة، ويستطيع أن يركع فيه كما يشاء، فهذا شأنه وشأن ربعه. غير أنّ الدروز في هذا المشرق بحاجة إلى كليات وإلى جامعات ومراكز علمية وليس إلى جوامع وما شابهها من أماكن للعبادة. فما أكثر أماكن العبادة وما أقلّ بركتها في هذا المشرق المأزوم والمهزوم في آن. 

على هذه الخلفية من مواقف جنبلاط ضدّ تَدخُّل دروز إسرائيل دفاعًا عن السويداء وأهلها نجد لزامًا علينا أن نُذكّره، إن كان يرغب في تناسي التاريخ، بالدعم الذي قدّمه دروز إسرائيل له وللدروز في لبنان في الماضي غير البعيد. وإذا كان جنبلاط ينحي باللائمة على اتّصال دروز السويداء بدروز إسرائيل طلبًا للدعم في محنتهم مع العصابات التكفيرية، نجد لزامًا علينا أيضًا أن نُذكّره ونذكّر القارئ النبيه بما تكشفه لنا الوثائق الإسرائيلية من علاقات جنبلاط ذاته بالمؤسسة الرسمية الإسرائيلية وبرجالات الموساد الإسرائيلي. 

باريس - لقاء جنبلاط - لوبراني

بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان ووصوله إلى بيروت جرى لقاء بين أوري لوبراني ووليد جنبلاط في باريس، على إثره سُمح له بالعودة إلى لبنان. هذا ما تكشفه لنا وثيقة محفوظة بوزارة الخارجية الإسرائيلية: ‫”‬خلال لقاء جرى بين لوبراني وجنبلاط في باريس توصّل الطرفان إلى تفاهمات في موضوعين -   لن يعارض الدروز دخول الجيش اللبناني إلى منطقة الشوف، ويُسمح لجنبلاط بالعودة إلى بلدة عائلته - المختارة…”.  

لم تتوقف اللقاءات مع المسؤولين الإسرائيليين بعد ذلك، بل أخذت في التوسّع. ففي مايو  1983 نشرت صحيفة معاريف خبرًا يكشف عن طلب من جانب جنبلاط لعقد لقاء بينه وبين مناحم بيغن رئيس الحكومة الإسرائيلية آنذاك. غير أنّ إسرائيل رفضت هذا الطلب، كما ذكرت الصحيفة: «رفضت إسرائيل طلبات الزعامة الدرزية في لبنان إجراء لقاء بين وليد جنبلاط ورئيس الحكومة مناحيم بيغن. زار وفد رفيع المستوى من المليشيا الدرزية التي يتزعّمها وليد جنبلاط إسرائيل مؤخرًا وفحص إمكانية عقد لقاء بين جنبلاط وبين رئيس الحكومة، وزير الدفاع ووزير الخارجية. لقد اجتمع أعضاء الوفد الدرزي وبينهم قادة كبار في المليشيا بموظّفين كبار في وزارة الخارجية ووزارة الدفاع وعبّروا عن رغبتهم بإنشاء علاقات ثابتة وإجراء محادثات مباشرة مع المستوى السياسي والأمني في إسرائيل.» (معاريف، 29.5.1983)



لقد حاولت تقصّي تفاصيل هذا الخبر المنشور في الصحيفة العبرية، فتتبّعت أخبار تلك الأيام في الأرشيف الإسرائيلي الذي يعجّ بالوثائق التي كُشف عنها النقاب. وهاكم بعض ما عثرت عليه من خبايا تلك الأيام.

القدس - لقاء شموئيليفتش سلوم

بالعودة إلى الأرشيف نعثر على وثيقة بتاريخ 2.3.1983، حرّرها ماتي شموئيليڤتش، مدير عام مكتب رئيس الحكومة، وهي موجّهة إلى رئيس الحكومة آنئد مناحم بيغن، ويلخّص فيها محادثته مع عاطف سلوم لدى اجتماعه به. يذكر شموئيليفتش في الوثيقة ما يلي: ” يُقدّم الدكتور سلوم نفسه بوصفه موفدًا من قِبَل التيارات الثلاثة في الطائفة الدرزية في لبنان: الهيئة الروحية برئاسة الشيخ أبو شقرا، أتباع أرسلان وأتباع وليد جنبلاط”، ويضيف أنّ عاطف سلوم كان قد التقى بجنبلاط عشية حضوره إلى القدس وذكر أنّ جنبلاط ”يرغب في الوصول إلى تفاهمات واتفاق مع إسرائيل.  ولأجل إجراء المحادثات، فهو على استعداد لإرسال نائبيه في قيادة الـ P.S.P (الحزب التقدمي الاشتراكي). أسماء ممثّليه هما: هشام ناصر الدين وتوفيق بركات. (الأول هو قائد الجناح العسكري للـ ح.ت.ا).”. ثمّ يورد مدير مكتب رئيس الحكومة في رسالته ما عرضه عليه الدكتور سلوم من مواقف الدروز في لبنان. 


فيما يلي بعض النقاط التي يكشفها شموئيليفتش في رسالته لرئيس الحكومة بيغن، فيذكر أنّ الدروز على استعدا لـ: 

* إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل.

* منع تسلّل وانتظام مخرّبين في مناطقهم والتعاون مع جيش الدفاع الإسرائيلي والأذرع الأمنية الإسرائيلية.

* دعم علاقات سلام مع إسرائيل. وبهذا السياق أكّد الدكتور سلوم أنّ جنبلاط قال إنه لا يستطيع الدعم في المرحلة الأولى علانية، لكنّه «لن يعارض» ولن يضع العراقيل. 

ثمّ يذكر شموئيليفتش مطالب الدروز من إسرائيل كما عرضها الدكتور سلوم. ومن بين هذه المطالب نذكر بعضًا منها هنا: 

* إخراج الكتائب من مناطق القرى الدرزية.

* تأمين سلامة الدروز إمّا من خلال نزع سلاح كلّ الطوائف (باستثناء الجيش اللبناني) وإمّا بواسطة تزويد أسلحة دفاعية للطائفة الدرزية.

وقد ذكر الدكتور سلوم أنّه بحالة عدم نزع سلاح الجيوش الخاصّة، أي المليشيات الحزبية، فإذا قمنا نحن بتزويد وحداتهم بالسلاح، فإنّه «بوسعنا أن نثق بهم بصورة لا تقلّ عن ثقتنا بالكتائب وحدّاد.»

ويختتم شموئيليفتش رسالته بانطباعاته عن الدكتور سلوم: «إنّه يثير انطباعًا بأنّه شخص جدّي وذكيّ. طبيب بمهنته. ليس عضوًا في حزب جنبلاط، غير أنّه مقرّب من العائلة. كان سكرتيرًا لوالده.». كما يقترح في نهاية الرسالة بإجراء محادثات مع ممثّلي جنبلاط في أقرب وقت. وأرسلت نسخ من الرسالة إلى كلّ من وزير الدفاع ووزير الخارجية.

القدس - لقاء شموئيليفتش - ناصر الدين

بعد مضي أسبوعين على اللقاء الأول، يكتب شموئيليفتش إلى رئيس الحكومة رسالة أخرى يذكر فيها أنّه جرى لقاء آخر بطلب من الدكتور سلوم: «عطفًا على محادثتي مع الدكتور عاطف سلوم بتاريخ 1.3.83، التقيت به ثانية، وفقًا لطلب منه، وقد رافقه هذه المرّة هشام ناصر الدين - ممثّل وليد جنبلاط.»

يذكر شموئيليفتش في الرسالة أنّه وبغية التأكد من أنّ الدكتور سلوم قد نقل فحوى الحديث السابق فقد كرّر على مسامعه محصّلة ما تمّ الحديث عنه، ويضيف: «لقد صادق ناصر الدين على أنّ الأمور حقًّا تمّ نقلها وفُهمت على هذا النحو. لقد عاد وأكّد على رغبتهم في إقامة علاقات وثيقة مع إسرائيل. واستعدادهم للتعاون مع أذرعنا الأمنية ضدّ المخرّبين، وللتعاون السياسي إلخ.»

أما بخصوص انطباعاته من هشام ناصر الدين فيكتب مدير مكتب رئيس الحكومة ما يلي: «لم أشعر أنّ لدى ناصر الدين (بخلاف سلوم) رغبة صادقة بالتصالح مع الكتائب. إنّه يُفرّق بين الكتائب وبين المسيحيين. مع المسيحيين يستطيعون العيش بسلام. إنّه لا يثق بالكتائب.»

وفيما يتعلّق بالتعاون السياسي ودعم الممثلين الدروز في الحكومة والبرلمان لإقامة علاقات سلام مع إسرائيل، «فلم يكن لديه إجابة مُرْضية... وعلى سؤالي: هل يستطيع جنبلاط أن يدعم علاقات سلام مع إسرائيل - كانت إجابته متلعثمة. فطلبت منه أن يأتي إليّ مع إجابة أكثر وضوحًا على هذا السؤال.»

أمّا طلباتهم الفورية منّا فتتلخّص بما يلي: أن نُخرج الكتائب من المناطق الدرزية، وأن نعيد إليهم السلاح الذي أُخذ من الدروز، كما طلب إجراء لقاء مع وزير الدفاع لكي يشرح له الوضع الأمني.
ثمّ يختم شموئيليفتش رسالته بما يلي: «الطائفة الدرزية بصورة عامة، وجنبلاط بصورة خاصة، في حالة من الإرباك، ولدينا إمكانية استغلال الوضع لصالحنا.»

بعد مرور عام بالضبط على تلك اللقاءات،  أي بتاريخ 14.3.1984، وحول مسألة الوضع على الحدود بين لبنان وإسرائيل، فها هو وليد جنبلاط، يُصرّح في مقابلة مع الصحيفة الإيطالية «ريبوبليكا» بما يلي: «يجب منح إسرائيل ضمانات جدية تضمن عدم استخدام جنوب لبنان بعد الآن قاعدة لأيّ قوة عسكرية، يمكن أن تُهدّد حدودها الشمالية.»

موسكو: لقاء كمحي - جنبلاط 

وثيقة أخرى في الأرشيف الإسرائيلي تكشف لنا ما دار من حديث بتاريخ 17.2.1990 بين ديفيد كمحي ووليد جنبلاط في بيت الضيافة التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي في موسكو.

لقد جرت المحادثة وفقًا لطلب من جنبلاط بعد أن التقيا صدفة في المكان. ومن بين ما دوّنه كمحي عن هذا اللقاء مع جنبلاط تذكر الوثيقة ما يلي: 

مخاوف وليد جنبلاط:
أوّلًا: إنّه يخشى  أن يأتي إلى البلاد مليون مهاجر من الاتحاد السوفييتي، وأن يستوطنوا في المناطق [المحتلة]، وأن ينتقل الفلسطينيون إلى لبنان ويقيموا هناك دولة فلسطينية.

ثانيًا: في هذه الأيام، فهو ينظر بقلق شديد لتعزيز قوة الفلسطينيين في منطقة صيدا، ويرغب في أن يرى تعاملًا أكثر حزمًا من قبلنا تجاه هذا الخطر. إنه يعتقد أن عرفات يحاول إعادة الوضع إلى ما قبل حرب ”سلامة الجليل” وهو قلق جدًّا من ذلك. 

المشاكل الداخلية بلبنان:
لقد عبّر في اللقاء عن ‫قلقه من أنّنا «نساعد الجنرال عون الذي، بحسب رأيه، يساعد الفلسطينيين على العودة إلى لبنان. إنّه قلق بسبب ما يجري لدى الموارنة، إذ إنّهم، برأيه، سيتركون لبنان بأعداد كبيرة، وهو أمر سلبيّ جدًّا بنظره، إذ إنّ هذا الأمر سيُعزّز مكانة السُّنّة. لقد عبّر عن أمله في أن نقوم بتقديم العون إلى جعجع ضدّ عون.»

أمّا بخصوص وضع الدروز فقد أشار إلى أنّ الوضع ليس جيّدًا، ففي الماضي كانوا يحصلون على غالبية المساعدات من الاتحاد السوفييتي، والوضع الآن آخذ في التحوّل. ويضيف كمحي في ختام ما دوّنه: «لا شكّ لدى وليد في أنّهم سيحتاجون مستقبلًا إلى الاستعانة أكثر فأكثر بإسرائيل، وأنّه يتوجّب عليه التفكير من جديد في شبكة علاقاته في ضوء كلّ التغييرات في المنطقة... وأنّ الأمل الوحيد للبنان هو الحياد في المنطقة ولامركزية السلطة. لقد عبّر عن أمله في أن يكون باستطاعة إسرائيل إقناع أصدقائها في الولايات المتحدة وفرنسا على العمل بهذا الاتجاه.»

وخير ختام لهذا الكلام هو أن نقترح على جنبلاط وأمثاله من الزعامات العربية في هذا المشرق، وعلى اختلاف طوائفها ومشاربها السياسية، ولا نستثني من هذه الزعامات أحدًا، أن تتوقّف عن المزايدات على الآخرين، لأنّ حبل الكذب والتزوير قصير، والأرشيفات أمام أعيننا ونحن نجيد قراءتها. فلسان الحقيقة طويل وسيطال جميع هؤلاء بلسعات فاضحة لن تُبقي منهم ولن تَذَرَ من أثَر. 

ألا هل بلّغت.
والعقل وليّ التوفيق!

*

نشر أيضًا في: شفاف الشرق الأوسط

الاثنين، 6 أكتوبر 2025

مجازر السويداء كشفت جنبلاط على حقيقته

 


لو كان الأمر مضحكًا لضحكنا، غير أنّه قد آن الأوان لنضع النقاط على الحروف المبهمات، وذلك لكي تتضّح الصورة لمن يبحث عن حقائق يحاول البعض إخفاءها عن أعين العامّة.

الأربعاء، 23 يوليو 2025

الشعرة التي انقطعت في السويداء

 




 لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم مرّ الكرام دون حساب أو عقاب. لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم وكأنّ شيئًا لم يكن. 

سلمان مصالحة

الشعرة التي انقطعت في السويداء


بادئ ذي بدء: 
من الصعب الكلام بتؤدة ورويّة حينما يرى المرء المشاهد التي تنهال عليه من الشاشات الكبرى للفضائيات، أو الشاشات الصغرى للخلويّات. ومن الصعب إن لم يكن من المُحال، ضبط النّفس النّازفة ألمًا على ضحايا مجزرة السويداء، وغضبًا على حال أصناف هؤلاء ”البشر“ من هذه الأمّة الذين يعلنون النفير العام ويلمّون شُذّاذًا من كلّ حدب وصوب، ليس لنصرة أبناء جلدتهم في غزّة على سبيل المثال، والذين تتزيّى بها شاشاتهم وقنواتهم منذ عامين. بل فجأة، وعلى حين غرّة، هبّوا يلتمّون يجمعون عتادًا لغزو السويداء وجبل العرب، يهلّلون ويكبّرون قتلًا وسبيًا وحرقًا حيثما حلّوا، ويعيثون في الأرض العربيّة فسادًا. 

إنّ دماء الأبرياء التي سُفكت في السويداء، لم تكن على طريق القدس كما قيل لهم وكما شهد شاهد من شُذّاذهم المأسورين. إنّ دماء الأبرياء في السويداء هي جزء من المخطّط الداعشي الذي جاء به هذا الجولاني منذ أن كان في عداد سجنائهم بأيدي الأميركيين في العراق.  لقد كان هذا الداعشي الأفّاق الذي عاد إلى سوريا قد وضع خطّة مكتوبة لهذا الغرض، وقد كان أرسل لزعيم داعش البغدادي أنّه سيقوم بتهجير كلّ الأقليّات من سورية لإنشاء دولة خلافة إسلامية صرفة. إنّ “الأقليّات” في عرف هذا الداعشي هي كلّ من لا ينمو مثل فسيلته وكلّ من لا ينتمي إلى فصيلته. 

إنّ الجرائم التي ارتكبتها عصابات الجولاني بدءًا بالساحل السوري مع الطائفة العلوية، مرورًا بجرمانا والأشرفية وصحنايا، وبكنيسة مار إلياس في دمشق، وانتهاء بمحافظة السويداء لم تأت من فراغ، بل نهلت من هذا الموروث الذي ينضح كراهية وعنفًا. 

المنهل العفن:
نحن نعرف حقّ المعرفة ما هو ذلك المنهل العفن والنتن الذي ينهل منه هذا الجولاني وزمرته التكفيرية. نحن نعلم من هم هؤلاء الكفّار في عرف هذه الأيديولوجية الإرهابية: ”الكفار على ثلاثة أضرب: أهل كتاب، وهم اليهود والنصارى... ومن له شبهة كتاب فهم المجوس فحكمهم حكم أهل الكتاب... ومن لا كتاب له ولا شبهة كتاب وهم من عدا هؤلاء... من عباد الأصنام والأوثان والكواكب وغيرهم...“، (مصدر: المبسوط للشيخ الطوسي) أو ”كل من خالف دين الإسلام من مشرك أو كتابي إذا لم يكن صاحب عهد ولا ذمة“. (مصدر: تفسير القرطبي). وبكلمات أخرى، فالكفّار هم كافّة بني البشر الذين لا يستسلمون لهذه الأيديولوجية العنفيّة.

كما إنّنا نعرف حقّ المعرفة فتاوى سلف الجولاني السالح كراهية وعنفًا تجاه سائر أبناء البشر الذين لا يسلكون مسلكه الوَعِر وفكره القَذِر. هاكم ما يُفتي به هذا الذي يطلقون عليه شيخ الإسلام، ابن تيميّة عن الدروز: ”وهم من القرامطة الباطنية الذين هم أكفر من اليهود والنصارى ومشركي العرب. وغايتهم أن يكونوا فلاسفة على مذهب أرسطو وأمثاله... كفر هؤلاء ممّا لا يختلف فيه المسلمون، بل من شكّ في كفرهم فهو كافر مثلهم. لا هم بمنزلة أهل الكتاب ولا المشركين. بل هم الكفرة الضالّون“. ليس هذا فحسب بل يُضيف نبذًا من ذهنيّته حول كيفية التعامل معهم: ”فلا يُباح أكل طعامهم، وتُسبَى نساؤهم، وُتؤخذ أموالهم. فإنهم زنادقة مُرتَدّين لا تُقبل توبتهم، بل يُقتَلون أينما ثُقِفوا، ويُلعَنون كما وُصِفوا... ويجب قتل عُلمائهم وصُلحائهم، لئلا يُضلّوا غيرهم. وُيحرم النوم معهم في بيوتهم، ورفقتهم، والمشي معهم، وتشييع جنائزهم إذا علم موتها. ويُحرم على ولاة أمور المسلمين إضاعة ما أمر الله من إقامة الحُدود عليهم بأي شيء يراه المُقيمُ المُقامَ عليه“.(مصدر: الشبكة الإسلامية، مجموع فتاوى ابن تيمية؛ انظر أيضًا في: إحسان إلهي ظهير، كتاب الشيعة والتشيع، فرق وتاريخ)

هذا هو بالضبط 
موروث الجولاني وعصابته، وهذا هو غذاؤه ”الروحي“. لقد سمعنا هؤلاء الغزاة الذين جاؤوا إلى السويداء ينضحون كراهية مقتبسين من كلام ابن تيمية هذا.  فهل يُرجى ممّن كان هذا نبراسه، ومن كان هذا هو أصله وفصله وأساسه، أن يصدر منه غير الشرّ المُطلق؟ 

بين الخير المطلق والشرّ المطلق:
نكتفي بإيراد مثال واحد على الفرق الجوهري بين الخير المطلق الذي تمثّله السويداء وأهلها وبين الشرّ المطلق الذي يمثّله الجولاني وعصاباته. وهذا المثال يتعلّق بتلك المجزرة التي ارتُكبت بعائلة القسّ خالد مزهر المكونة من عشرين شخصًا، والقسّ خالد مزهر هو راعي كنيسة ”الراعي الصالح“ الإنجيلية في السويداء. والملفت في الأمر أنّ هذا القسّ هو من أصول درزية في المدينة،كان قد اعتنق المسيحية قبل سنوات وكان معروفًا بعلاقاته مع كافّة المكوّنات الدينية وعاش بطمأنينة مع أهله، أكانوا مسيحيين أم دروزًا. غير أنّ عصابات الجولاني التكفيرية ارتأت أن تقضي على هذا الخير المُطلق من التسامح الذي يمثّله أهل السويداء بواسطة الشرّ المُطلق الذي تحمله في جعبتها الأيديولوجية التكفيرية الغازية. 

لقد استباحت عصابات الجولاني السويداء وقراها ونهبت المتاجر والبيوت وأضرمت نيران حقدها في البشر والحجر. وخطّت على الجدران شعارات ”أحفاد بني أمية“، بينما يحقّ فيهم القول إنّهم جراء ومعاويات يجبرون أبناء البشر على العواء الذي هو سمة فصيلتهم الدائدة والبائدة. وها هي أحقاد بني أمية تكشف عن جهلها حتى باللغة العربية فتصبّ جام غضبها على لافتة تُعلنُ السويداء سنة 2008 خالية من الأمّيّة والجهل، ظنًّا أنها تتعلق ببني أُميّة. يبدو أنّ السويداء حقًّا خلت من الجهل لخلوّها من أمثال هؤلاء الجهلة الذين يعيثون في الأرض فسادًا. 

لا تعنينا في هذه اللحظة الدامية كلّ مخطّطات القوى الإقليمية والكبرى بشأن هذا البيدق الداعشي الذي حرّكته هذه القوى ووضعته في الشام، حيث يعلم الجميع أنّه جاء مدعومًا من المخابرات الأميركية وبواسطة عملائها من إخوان إردوغان الأتراك والقطريين وآخرين من إرهابيي الدواعش، وذلك لأغراض في أنفس اليعاقيب. إنّ ما يعنينا الآن وفي هذا الأوان هو دماء الأبرياء الطاهرة التي سفكتها ولا زالت تسفكها العصابات التكفيرية. 

وختامًا لهذا الكلام،
لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم مرّ الكرام دون حساب أو عقاب. لا يمكن أن تمرّ كلّ هذه الجرائم وكأنّ شيئًا لم يكن. 

يجدر بنا وضع النقاط على الحروف المبهمات لكي لا يساء فهم خطورة ما جرى وخطورة ما هو راهن وما هو قادم. إنّ كلّ شعرة من شوارب شيوخ أتقياء في جبل الدروز تمّ اقتطاعها بأيدي عصابات الجولاني ومن لفّ لفّة، وبخلاف ”شعرة معاوية“ التي لم يقطعها، فهذه هي شعرة طاهرة وقد انقطعت مع زمرة هؤلاء الأبالسة من جند الطغيان، هي شعرة قد انقطعت مع هذا الصنف من هذه الأمّة التي يمثّلها هذا المتعطّش لدماء الأبرياء من كافّة الأقليّات والمشارب السورية. ألا هل بَلّغت. 
والعقل وليّ التوفيق.

***

تنويه لا بد منه: 

في العقود الأخيرة كنت تطرّقت كثيرًا إلى النّظام البعثي البائد، وإلى جرائمه بحق الشعب السوري أوّلًا، وإلى دجل هذا النظام بشأن المقاومة والممانعة وما إلى ذلك من أصناف البلاغة العربية التليدة والبليدة. 
 
فيما يلي روابط لمقالات نشرتها حول الموضوع السوري:

إيلاف - فبراير 2005: أمة عربية بائدة ذات رسالة دائدة 
إيلاف - يونيو 2007: ثلاثة مشاهد سوريا-لية 
يناير 2008: دفاعًا عن سوريا  
إيلاف - أغسطس 2008: نكات بعثية غير مضحكة 
إيلاف - مارس 2011: ثورة الحرية السورية 
إيلاف - أبريل 2011: وصمة على جبين طاغية 
إيلاف - أبريل 2011: الخروج من المأزق السوري  
هآرتس - أبريل 2011: الأسد ملك إسرائيل 
إيلاف - ديسمبر 2011: رسالة إلى الرئيس الأسد 
إيلاف - يناير 2012: القصيدة الشامية
إيلاف - يوليو 2012: سورية غير مصر 
إيلاف - أغسطس 2012: جرائم النظام والمعارضة 
إيلاف - سبتمبر 2012: في مديح سايكس-بيكو 
إيلاف - فبراير 2013: كلب العروبة النابح 
صحيفة “الحياة” - سبتمبر 2014: فضائح كتب التدريس السورية  
صحيفة “الحياة” - مايو 2015: علينا أن نتصارح كي نتصالح  
صحيفة “الحياة” - أكتوبر 2015: ستاتيكو أم سايكس بيكو؟ 
صحيفة “الحياة” - فبراير 2016: ملاحظات عابرة حول المأساة السورية  
صحيفة “الحياة” - مارس 2016: سورية في ذمة الله 
صحيفة “الحياة” - أبريل 2017: معنى أن تكون عربيًّا الآن  
صحيفة “الحياة” - فبراير 2018: الحرب التي على الأبواب 
صحيفة “الحياة” - مارس 2018: سورية كحقل تجارب للأسلحة الروسية 
صحيفة “الحياة” - مارس 2018: دروس من الحرب السورية -  
صحيفة “الحياة” - أبريل 2018: مجزرة القومية العربية  
صحيفة “الحياة” - يوليو 2018: عن الأسد وحرق البلد  

***

نشرت أيضًا في شفاف الشرق الأوسط

 

سلمان مصالحة

نصوص
  • شفا القلق

    خُذْ مِنْ بَقَايا الرُّوحِ مُرْتَمَقًا،
    وَانْثُرْ بَقايَاكَ عَلَى الوَرَقِ

    لَمْ يَبْقَ مِنْ شَـيْءٍ تُسَـائِلُـهُ
    إلاّ سَبَايَا الهَمِّ فَانْطَـلِـقِ

    وَارْسِمْ حُرُوفًا لَيْسَ يُدْرِكُـها
    قَوْمٌ تَوَارَوْا عَنْ خُطَى الأَرَقِ



محتويات الموقع

 
مختارات
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره.


  • كشف أسرار الرهبان

    "اعلم أنّ بعض هذه الطائفة أعظم الأمم كذبًا ونفاقًا ودهاء، وذلك أنّهم يلعبون بعقول النصارى ويستبيحون النساء وينزلون عليهم الباروك، ولا يعلم أحد أحوالهم...
  • مواطنة شرف

    عقب حرب حزيران في العام 1967، أو حرب الأيام الستّة كما شاع اسمها إسرائيليًّا،  أو النكسة، كما وسمها الإعلام العربي...
    تتمة الكلام
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة...
    تتمة الكلام...

قراءات
  • يهوه التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح ...


  • سبحان الذي أسرى

    نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...
    تتمة الكلام...

زوريخ، 17 فبراير 2026