دول عصابات ونظرة إلى ما هو آت

ماذا يصدّر العرب للعالم غير العمالة البسيطة الباحثة عن لقمة عيش، غير الإرهاب وغير اللاجئين الذين تقطّعت بهم السبل في أوطانهم التي دمّرها المستبدّون؟


سلمان مصالحة || 

دول عصابات ونظرة إلى ما هو آت


درج الإعلام العربي منذ عقود، ولا زال حتى اللحظة، على التهرّب من لفظ اسم إسرائيل. بدل ذلك أطنب في اشتقاق وإغداق نعوت واستعارات عليها خوفًا من أن يُتّهم بالتعامل مع الحقائق الراسخة على الأرض، أو حذرًا من تخوينه من قِبَل ”جبهات الصمود والتصدّي“ فيما مضى من زمان، أو من قِبَل ”الممانعين المقاومين“ في هذا الأوان.

لا شكّ أنّ القارئ العربي لا زال يعثر هنا وهناك في ساحات الخطاب الإعلامي العربي على تعابير مثل ”الكيان المزعوم“، أو ”دولة الكيان“، أو ”دولة العصابات“ وما إلى ذلك من نعوت تتفتّق عنها قرائح الكتّاب والإعلاميين من مشارق العرب إلى مغاربهم.

ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها. بل، يسعنا القول إنّ إسرائيل هي بمثابة ”الشيطان“ الذي يُرمى بجمار الإعلاميين العرب في كلّ شاردة وواردة، أكانت لها علاقة بأحوالهم في بلادهم أم لا، فهم بذلك يكونون قد أمّنوا أنفسهم من مساءلات ”الأخ الأكبر“ الذي يترقّب كلّ خطوة يخطونها.

وإذا أشحنا بنظرنا قليلًا والتفتنا إلى ما هو حاصل في البلاد العربية، فماذا نحن واجدون؟ أمّة عربية يبلغ عديدها مئات الملايين من البشر هي أمّة مستهلكة وليست منتجة بأيّ حال. لا يمكن مواصلة ربط هذه الحال بالاستعمار الذي لم يعد له وجود منذ عقود. هنالك أمم كثيرة أخرى كان قد حكمها الاستعمار ذاته، غير أنّها انطلقت وسارت في ركب التطوّر بخلاف العرب الذين ظلّوا يقبعون في غياهب من الماضي الموهوم.  ففي الوقت الذي ينظر فيه الآخرون قدمًا يصرّ العرب على التشبّث بمواضيهم السالفة، أكانت هذه المواضي زمنًا مأمولاً أو سلاحًا مفلولاً.

هل يستطيع المرء أن يشير إلى شيء ما بوسع العرب تقديمه إلى هذا العالم المعاصر؟ أين هي الجامعات والمعاهد التكنولوجية مقارنة بسائر العالم؟ أين هي الصناعات المتطوّرة في كلّ مناحي الحياة؟ أين هي الاختراعات والاكتشافات العلمية؟ أين هي الحريّة للأفراد والمجتمعات؟ أين نساء العرب من كلّ هذا؟ أين العرب بأسرهم من كلّ ذلك؟ ماذا يصدّر العرب للعالم غير العمالة البسيطة الباحثة عن لقمة عيش، غير الإرهاب وغير اللاجئين الذين تقطّعت بهم السبل في أوطانهم التي دمّرها المستبدّون؟

هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟ أوليست ليبيا قد ظهرت الآن على حقيقتها بوصفها كيانًا مزعومًا ودولة عصابات؟ ثمّ خذوا هذا الكيان المزعوم الآخر المسمّى بلبنان. ألم يتمّ إنشاؤه منذ البدء بوصفه دولة عصابات طائفية؟ نستطيع الاستمرار في جردة الحساب هذه مع سائر السلطنات والممالك التي لا تختلف من ناحية الجوهر عن كلّ هذه الأوصاف.

في الحقيقة، لا حاجة إلى الحديث عن كلّ هذه المساحة العربية الشاسعة من العالم. إذ يكفي العربي أن ينظر إلى بلده الصغير، أكان هذا البلد قرية أو مدينة متعدّدة الطوائف، ويرى كيف تسير الأمور وكيف تُدار العلاقات وكيف تنخر العصبيّات في كلّ ركن فيه. فكلّ بلدة في هذا المشرق هي هي عالم صغير يختزل الشرق بأسره.

على من ينشد الخروج من المآزق العربية أن يبدأ من هذا ”العالم الصغير“، فمنه تبدأ رحلة الألف ميل. ما لم يستطع الفرد العربيّ أن ينتقل بعالمه الصغير، قريته وبلدته ومدينته، إلى مرحلة متقدّمة فلن يفلح بشعاراته البلاغية تحويل مسار الشعب والوطن والأمّة إلى مراحل متقدّمة منشودة. فإنّ العصا، كما قالت العرب، من العُصيّة. أليس كذلك؟
*
الحياة، 25 نوڤمبر 2017

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

أصوات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • روبرت فروست

    يَقُولُ البَعْضُ: سَيَنْتَهِي العَالَمُ بِالنّارِ،
    وَالبَعْضُ يَقُولُ: بِالجَلِيدِ.

    مِمَّا كُنْتُ ذُقْتُ مِنَ الأَشْواقِ
    أَمِيلُ إلَى رَأْيِ القائِلِينَ بِالنّارِ.
  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك

    زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء من العالم هنا الآن

  • مواضيع مختارة