بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني

"هكذا وخلال سنوات طويلة... وانتشر الفساد في كلّ شبر من الأرض الفلسطينية التي تخطو فيها السلطة الفلسطينية المنبثقة من «اتّفاقات أوسلو».

حلم البحث عن قبيلة جديدة

أوليس هذا الخراب الكبير في الأحوال العربية مردّه إلى خراب بنيوي...

شذرات العجب من أخبار حلب

”ثم رفع يديه وقال: اللهم طيّبْ ثراها وهواءها وماءها وحَبّبْها لأبنائها...“

سورية في ذمة الله

كلّ من يعتقد أنّه يمكن للعجلات السورية أن تدور للوراء وكأنّ شيئًا لم يكن في كلّ هذه الأعوام فهو مُخطئ في تقديراته...

جبران خليل جبران والحلم الصهيوني

إنّها جدّية في إقامة وطن قومي يهودي في فلسطين، يكون سلطة خاضعة لها... ...

باسم الأب والابن

سـلمان مصـالحة

باسم الأب والابن

منذ انقلابه
على المملكة السنوسية، وبتأثير من عبد الناصر والناصرية، وإطلاقه الاسم الأكبر "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى" على "دويلة" هي أبعد ما تكون عن معنى الدولة في العالم المعاصر، كان من الواضح أنّ العقيد البليد المصاب بجنون العظمة العربية الناصرية هو أقرب إلى حالة عصابية منه إلى رجل دولة. غير أنّ أقطار العالم العربي المصابة، كلّ قطر على حدة، بعصاب داخلي مزمن لا تلتفت إلى مثل هذه الأمور لدى "الأشقّاء". فلكلّ بلد بلواه وكلّ بلد يغنّي على ليلاه.

والآن، وبعد الهبّة التي اجتاحت بعض أقطار هذا العالم العربي ضدّ مخلّفات الأنظمة الناصرية المتبقية فقد وصلت هذه الاحتجاجات إلى الأراضي الليبية خارجة ضدّ حكم العقيد وطغيانه. وهكذا أيضًا سرعان ما ظهر طبع هذا النّوع من الأنظمة على حقيقته غالبًا التّطبُّع الثّوري الذي حاولت التّلبُّس به. فقد خرج ابن العقيد، سيف الإسلام، واعدًا متوعّدًا بأنهار من الدّم.

ليس مفاجئًا
هذا التّهديد الموجّه للشعب اللّيبي بأنهار من الدّم التي ستسيل إن واصل الشعب احتجاجه على طغيان العقيد الأب. إنّ هذا التّهديد متوقّع من شخص يحمل اسم "سيف الإسلام". إنّ مجرّد اسم من هذا النّوع فيه أكثر من إشارة إلى ما يحمله هذا الاسم في طيّاته من أمور هي أبعد ما تكون عن السماحة والسلام.

إنّ للأسماء أهميّة بالغة في حياة الأفراد والشّعوب. فعندما يختار الوالدان اسمًا لولد رُزقا به فإنّهما في حقيقة الأمر يزجّان بالوليد في قالب ذي أبعاد خطيرة على مسيرة حياته قاما هما بتحديده. بفعلهما هذا إنّما يحدّدان توقّعاتهما منه. وهكذا فإنّ كيان الولد بأسره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا القالب - الاسم - الذي وضعاه فيه. إنّ الاسم الذي يُعطى للولد له تأثير كبير على مجرى حياته، على مفاهيمه وعلى سلوكه في المجتمع الذي يترعرع فيه.

على هذه الخلفيّة،
يمكن أن نفهم سلوكيّات سفّاح العراق السّابق الّذي نكّل بشعبه وببيئته طوال عقود. فكلّ سلوكيّاته كانت قد نُقشت منذ الصّغر في الاسم الّذي سُجن فيه. فهل الأمر مُفاجئ أن سلك صدّام السّلوك الذي كان سمة لحكمه؟ إنّ مجرّد إعطاء الاسم "صدّام"، بما يحمله هذا الاسم من عنف في دلالاته، لولد في هذا المجتمع القبليّ كان كافيًا لكي يتحوّل العنف جزءًا من كيانه. وهكذا أضحى هذا العنف بعد أن تقدّم به العمر ووصل إلى سدّة الحكم سمة بارزة لهويّته الشخصيّة داخل هذا المجتمع القبلي الذي يسجد للقوّة وللعنف أصلاً وإلاّ لما مُنح الأطفال أسماء من هذا النّوع.

هنالك مجتمعات تُعطي اسم الأب للابن. كذا هي الحال مع جورج بوش الابن. بهذا السّياق، لم يكن صدّام مرتبطًا بالهجوم الإرهابي على أميركا في 11 سپتمبر، بل إنّ غالبيّة الإرهابيّين كانوا من جنسيّات سعوديّة وليسوا عراقيين بأيّ حال. ومع ذلك، فإنّ جورج بوش الابن الّذي كان قد سُجن في قالب اسم والده، فقد ترعرع ووصل إلى الرئاسة الأميركيّة مع كلّ هذه الدّافعيّة لإنهاء مهمّة جورج بوش الأب التي لم تصل إلى نهايتها في العراق.

منذ القدم
تُعزى أهميّة كبيرة للأسماء التي تُعطى للولد. ففي بعض الأحيان يتدخّل الإله بنفسه لتغيير اسم الشخص تبعًا للمهمّة الملقاة عليه من السّماء. كذا هي الحال مع إبراهيم، كما ورد عن عهد الإله الذي قطعه له في سفر التكوين: "ولَنْ تُدْعَى بعد اليوم باسم أبرام بل يكون اسمك أبرهام [= إبراهيم] لأنّي أجعلك أبَا أممٍ جَمّة" (تكوين 17، 5).

الاسم الذي يُعطى للولد يعيش معه طوال حياته، وبذا فهو يتحوّل جزءًا من هويّتة الفرديّة، ولذا فهو بالغ الدّلالة، وما من شكّ فإنّ له تأثيرًا بيّنًا على شخصيّته المتبلورة على مرّ الزّمن.

لقد أولى العرب القدماء اهتمامًا بالأسماء، فقد سمّوا أبناءهم بأسماء اعتقدوا أنّ في وسعها أن تدبّ الرّعب في السّامع، كغضنفر وصخر وشأس وذئب، بينما سمّوا عبيدهم وجواريهم بأسماء تتّسم بالرقّة واللّطافة، كفيروز وياقوت وريحانة ويُسر وكافور. وقد فسّروا ذلك بأنّ أسماء أبنائهم وأسماء قبائلهم موجّهة لترهيب الأعداء بينما أسماء العبيد والجواري فهي موجّهة لهم.

وهكذا، وعلى هذه الخلفية،
بوسعنا الآن أن نفهم ما هو حاصل في ليبيا. إنّ أنهار الدّم التي وعد بها القذّافي الابن منقوشة على جبين الابن وعلى جبين الأب. فإنّ العربيّ الّذي ينتسب إلى اسم مثل "قذّاف الدّم" لا يمكن أن يتحرّر مما يحمله اسم كهذا ومن مدلولاته.

عاجلاً أم آجلاً سيطفو الشرّ على السّطح مع أسماء من هذا النّوع. كذا كانت الحال مع العنف الكامن في الاسم "صدّام"، وكذا هي الحال الآن مع قذّاف الدّم".

وأخيرًا، ما على العرب إلاّ التّفكير مجدّدًا فيما يختارونه لأبناءهم ولعائلاتهم من أسماء.

والعقل ولي التوفيق!
*
نشرت في: إيلاف
***
Relating stories
English, press here
Hebrew, press here
Spanish, press here
Italian, press here

____________________

في ضيافة ملك الملوك

سـلمان مصـالحة

في ضيافة ملك الملوك
كاريكاتير
عربان 48


في الصورة
أعضاء الكنيست محمد بركة (الجبهة الديمقراطية)، أحمد طيبي (القائمة العربية)، حنين زعبي (التجمع الوطني)
ضمن
وفد أحزاب وزعامات عرب 48
إلى مضارب قبيلة القذّافي
في
"الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى"
***

Read more about the issue
English,
press here
Hebrew, press here

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

أمّة عربيّة بائدة ذات رسالة دائدة

مقالة من عام 2005:
سلمان مصالحة

أمّة عربيّة بائدة ذات رسالة دائدة

مثلما اختفى النّظام البعثي الفاشي في بغداد بين ليلة وضحاها، وذهب ليختبئ في جحر في الأرض، هكذا آن الأوان أن يذهب البعث الشّامي إلى الجحيم، وإذا شاءت الأقدار أن يكون ذلك بعون من العالم الحرّ والدّيمقراطي، فليكن ذلك. النّظام العربي بأسره، ممالك وإمارات وسلطنات وجمهوريّات وراثيّة، والنّظام العربي بأسره من مجتمعات وتقاليد ومعتقدات، يجب أن يذهب إلى الجحيم وإلى الأبد. لم يعد أحد يطيق هذا الوضع المزري. التّغنّي بالشّعارات الزّائفة طوال قرون قد أزهقت أرواح البشر على مللهم ونحلهم وأفقرت البشر في مناطق تُعدّ من أغنى بقاع الأرض. لم يعد أحد في هذا العصر يصدّق هذا الدّجل العربي.

نحن أمّة على مفترق طرق فإمّا أن ننظر إلى أنفسنا بالمرآة ونرى قبحنا وإمّا فلن تكتب لنا الحياة أبدًا. نحنُ أمّة تُقدّس الماضي على موروثه الإجرامي، بل أكثر من ذلك إنّنا نُربّي الأجيال الجديدة في البيت وفي المدرسة، في وسائل الإعلام وفي دور العبادة على هذا الموروث الّذي آن الأوان إلى نفضه وإلى طحنه وإلقائه في سلّة مهملات التّاريخ البشري.

نحنُ أمّة عنصريّة وقد ترعرعنا حضاريًّا على كراهية العجم، والعجم هم الأغيار بلغة هذا العصر. نحنُ أمّة عنصريّة لأنّنا كُنّا نتغنّى في الصّبا بشعر المتنبّي: "لا تشترِ العبدَ إلاّ والعصا معه - إنّ العبيد لأنجاسٌ مناكيدُ"، فعلّمونا في المدرسة أن تهتزّ مشاعرنا فرحًا بهذه العنصريّة الشّعريّة. هكذا في المدرسة وهكذا في الشّارع وهكذا في كلّ زاوية من بقاعنا من المحيط إلى الخليج.

نحن أمّة عنصريّة لأنّنا ملل ونحل وطوائف وقبائل تربّي أبناءها على الكراهية طوال قرون، بينما ترفع في العلن شعارات الإخاء الزّائفة. لم يعد هذا الكلام ينطلي على أحد.

نحن أمّة قبيحة تتغنّى بجمالها الزّائف، غير أنّ العالم من حولنا يرى قبحنا على حقيقته. آه، ما أقبحنا.

أنظروا كيف أنّنا نحن أكثر الأمم حديثًا عن الشّرف والكرامة. أليس في هذا خير دليل على انعدام الشّرف والكرامة لدينا. إذ لو كنّا حقًّا شرفاء وكرامًا لما احتجنا إلى التّغنّي بكلّ هذه الشّعارات. لو كنّا حقًّا شرفاء وكرامًا لأشعنا أنوارهما على من حولنا. نحن أمّة ذكوريّة لا شرف لنا من ذواتنا نحن، بل نضع كلّ هذا الشّرف في النّساء. إنّ من لا ينبع شرفه من ذاته هو فلن يكون شريفًا أبدًا، مهما تغنّى بهذا الشّرف الزّائف.

إنّ ما نشيعه اليوم في العالم من حولنا هو الإرهاب والتخلّف فقط. هذه هي صادراتنا العربيّة إلى العالم اليوم. ألا تخجل هذه الأمّة بهذا الإرث الّذي نخرته الأرضةُ فتتطاير شررًا يحرق الأخضر واليابس عندنا، وعند جيراننا في هذه البشريّة المنكوبة بنا وبحضارتنا البلهاء.

غالبية مثقّفينا ومفكّرينا خانوا شعوبهم بصمتهم على هذا الإرث الإجرامي والّذي ينزف دمًا وتخلُّفًا منذ قرون طويلة. ألم يئن الأوان لإجراء جلسة واحدة حقيقيّة لحساب النّفس؟ ألم ييأس أحد بعد من هذا الوضع؟

ها أنا أدعو القرّاء اليوم إلى اليأس. اليأس هو مفتاح الولوج إلى سواء السّبيل. وسواء السّبيل ليس بالمعنى الدّيني الّذي يرفعه الدّجّالون من فقهاء الظّلام. سواء السّبيل الّذي أرمي إليه هو إعمال العقل، هذه النّعمة الّتي أغدقتها علينا الطّبيعة. العقل يوحّدنا بَشَرًا، وكلّ ما سواه يفرّقنا مللاً ونحلاً هي أقرب إلى الحيواناتِ المفترسة منها إلى البشر. فالعقل، والعقل وحده، هو ميزتنا البشريّة، وكلّ ما سواه، من معتقدات دينيّة وتقاليد بائدة، هو ميزتنا الحيوانيّة من عصور التّخلُّف البشري السّحيقة.

نحن بحاجة إلى ثورة أتاتوركيّة في العالم العربي تفصل الدّين عن الدّولة وعن المجتمع العامّ بصورة جذريّة. نحن بحاجة إلى ثورة أتاتوركيّة تحظر قيام أحزاب دينيّة تفرض أيديولوجيّاتها على المجتمع وعلى الشّارع. نحن بحاجة إلى ثورة ذهنيّة تقوم بإرجاع العفريت الدّيني والطّائفي إلى القمقم ودفنه في أسفل سافلين.

لا توجد طريق أخرى للخروج من هذه المزبلة الحضاريّة.

إذا كان لديكم طريق أخرى، هيّا أرشدونا!
*
نشرت في: إيلاف - 18 فبراير 2005
__________________

ثورة حتّى النّصر، أم ثورة حتّى العصر؟

سـلمان مصـالحة

ثورة حتّى النّصر، أم ثورة حتّى العصر؟

ينشرح صدر المرء
عندما يرى الناس ترتعش وتنتفض ضد الظّلم. هذا ما حصل في تونس وفي مصر، وهذا الفرح يعمّ شرائح شعبيّة واسعة ليس في مصر فحسب، بل وفي أنحاء العالم العربي. غير أنّ تسمية هذه الارتعاشات الشعبيّة "ثورة" يفتقد إلى الأسس التي تجعل من هبّة النّاس، مهما اتّسعت رقعتها، ثورةً بما يعنيه هذا المصطلح في العلوم السياسية.

من هنا فعلى الذين يتحدثون عن "ثورة" أو ثورات عربيّات أن يشرحوا لأنفسهم أوّلا، وقبل أن يطلقوا الشعارات الرنّانة ويوزعوها على الملأ، كَيْفَذا ولِمَذا تجتاح هذه الاحتجاجات الشعبيّة بالذّات البلاد العربية التي أفرزت منذ منتصف القرن المنصرم، وبعد جلاء الاستعمار أنظمة مسمّاة زورًا وبهتانًا أنظمة جمهورية وثورية؟ وهل كانت هذه حقًّا جمهورية وثورية؟

إنّ تخطّي هذه الاحتجاجات الشعبية العربية الأنظمة الملكية في العالم العربي يثير الكثير من التساؤلات. إنّ هذه الهبّات الشعبية التي تتخطّى الأنظمة الملكية إنّما هي تعبير عن رفض الدجل الذي اتّسمت به كلّ تلك الأنظمة التي تدّعي الـ"ثورية" والـ"جماهيريّة". فكلّ تلك الأنظمة "لثورية" الدّاجلة في جوهرها والزّاجلة في شعاراتها، بدءًا من عبد الناصر والناصرية وانتهاء بصدّام والأسد والبعثيّة القبلية لم تجلب سوى الطغيان والاستبداد وتقتيل العباد والاستيلاء على خيرات البلاد لتوزيعها وتوريثها لذوي القربى والأولاد.

بل يمكن القول جهرًا إنّ كلّ تلك الأنظمة الملكية العربيّة، والتي طالما وسمها هؤلاء النّفر "الثوريون"، ممّن يرفعون شعارات قوموية عن الثورة والجماهير وما إلى ذلك من كلام المواخير المستوردة بالـ"رجعية"، كانت أنظمة أكثر رأفة بشعوبها من كلّ ما يأفك هؤلاء في شعاراتهم. كما يمكن الذهاب أبعد من ذلك للقول إنّه حتّى الاستعمار ذاته كان أفضل بكثير ممّا جلبته هذه الأنظمة "الثورية" على شعوبها من خيبات وويلات.

هكذا، وعلى سبيل المثال،
يخرج ما تبقى من فلول الشيوعيين العرب من جحورهم ويدبّجون كلامهم بشعارات ثورية رومانسية ظانّين بسذاجتهم أنّ ميدان التحرير في القاهرة، وبين ليلة وضحاها وبجرّة شعارات أكل الدهر عليها وشرب حتّى ثمل، قد أضحى الساحة الحمراء في موسكو التي طالما شدّوا إليها الرحال، قبل أن تنفرط المنظومة، كما لو أنّها محجّة يتضرّعون في أنحائها إلى وليّ نعمتهم الّذي اندثر ولم يبق منه أثر. وهو على كلّ حال ولي نعمة لم يختلف في دكتاتوريته وفساده عن سائر الدكتاتوريات من دول الإفساد. وهؤلاء هم ذاتهم الذين دعموا في الماضي ولا زالوا في الحاضر يدعمون أسوأ الأنظمة دكتاتورية وفسادًا بدءًا من بلاد العرب وانتهاء ببلاد العجم وما وراءها.

هكذا أيضًا، يخرج ما تبقى من فلول العروبيين، أناصريين كانوا أم بعثيين، ناشرين على الملأ كلامًا معسولاً، منثورًا أحيانًا وموزونًا أحيانًا ومقفّى في أخرى، عن أمّة العرب وعن العروبة. نعم، يتحدثون بكلام شاعري عن هذه الأكذوبة التي ما فتئوا يروّجون لها ولأنظمتها القمعيّة "الممانعة" حتّى أضحت وبالاً عليهم وعلى من لفّ لفّهم من أصحاب البهتان. فلا جاءت هذه القوموية العروبية الرومانسية بهوية تجمع ما انتثر من بطون وأفخاذ، ولا جاءت بنظام يجلب العدل والرفاهية لأهل البلاد. بل على العكس من ذلك، لقد حكمت هذه العروبة "الممانعة" الكاذبة حكمًا مستبدًّا، قبليًّا أحيانًا وعسكريًّا أحيانًا أخرى، ونهبت خيرات البلاد وأراقت دماء العباد في حروب ونزوات وغزوات فاشلة عبر الحدود أو في دهاليز مخابراتها وعسسها الذين يعيثون في الأرض فسادًا.

لا ندري ماذا ستكون
وجهة هذه الهبّات الشعبيّة، بدءًا من تونس عبورًا إلى مصر أو بقاع عربيّة أخرى. غير أنّ أمرًا واحدًا يجب الالتفات إليه، ألا وهو انعدام أي أجندة "ثورية" حقًّا في هذه الانتفاضات. الشيء الواضح هو أنّ ثمّة تذمّرًا من هذه الأنظمة التي يربخ فيها الرئيس "الجمهوري" في منصبه عشرات السنين دون أن يفكّر أصلاً بأن "يحلّ عن ربّ" البشر في البلاد ويذهب للتقاعد. بل أنكى من ذلك، يحاول العمل على توريث المنصب وخيرات البلد للولد الذي ترعرع في أحضانه، كما لو أنّ الأوطان إقطاعيّة أو حظيرة عائليّة.

كذا هي حال الشام التي ابتدعت توريث الجمهورية. وقد مضى حتّى الآن على توريث بشّار الابن الشّاب عقد من الزّمان في رئاسة سورية. ألا تكفي هذه الأعوام ليُعرف صالحه وطالحه؟ لكن، يبدو أنّه، ولأنّه لا يزال في عمر الشّباب، فربّما كُتب على الشعب السّوري أن يخضع لرئاسته لعقود طويلة أخرى. غير أنّي أقول للحقّ أيضًا ودون مواربة، فمن خلال قراءة بعض كتابات المعارضين السوريين، أقول بعضها وليس كلّها، فإنّها هي الأخرى تثير الاشمئزاز بقدر ما يشمئز المرء من نظام البعث ذاته. فهي أيضًا لا تبشّر بالخير الذي يصبو إليه بنو البشر في هذه الربوع، كما إنّ الإسلاميين بإخوانهم وبمن يتبعهم فليسوا بأفضل حالاً من نظام القمع البعثي ذاته. على المعارضة أوّلا أن تقنع الجمهور السوري بجميع أطيافه الدينية والإثنية أنّها ليست طائفية وقبليّة هي الأخرى كالنّظام القائم الظّالم ذاته.

وكذا أيضًا هي الحال وعلى هذا المنوال في سائر "الجمهوريات" العربيات. لهذا السّبب فقد جاء ردّ فعل العقيد القذّافي مناصرًا لزين العابدين ولغيره من المستبدّين المخلّدين في السلطة. فهذا العقيد الغريب الأطوار لم يعد مُضحكًا بالمرّة. وهو وإن كان يُنعَت بـ"الأخ العقيد"، بينما يليق به أكثر تعبير "الآخ على التعقيد". إنّه الآخر لا يريد أن "يحلّ عن ربّ الشعب اللّيبي" بعد أكثر من أربعة عقود.

إنّ الهبّة الشعبيّة المصريّة كانت، أصلاً وفي الأساس، هبّة للإطاحة بمخلّفات الناصريّة العسكرية وأعوانها الذين أناخوا كلكلهم على صدر الشعب المصري والشعوب العربية الأخرى طوال عقود طويلة دون أن ينقلوا البلد والمجتمع إلى مرتبة متقدّمة أسوة بباقي شعوب الأرض. لقد أفلحت الهبّة حتّى الآن فقط بالإطاحة بالرئيس، غير أنّ الطبقة العسكرية، صاحبة الامتيازات الاقتصادية المتشعبة، هي التي أحكمت القبضة الآن في أرض الكنانة.

لا يكفي ترديد شعار
"ثورة ثورة حتّى النصر". إنّما الثّورة تكون ثورة حقيقية وجديرة بهذه التسمية، فقط عندما تصل ليس حتّى النّصر، بل تصل حتّى العصر. أيّ حتّى تُجذّر المُكتسبات العصريّة التي تدفع بالبشر قدمًا. إنّ الانتفاضة المصرية ضدّ النّظام يمكن أن تتحوّل إلى ثورة حقيقيّة فقط عندما تقبل الطبقة العسكرية وأعوانها الذين يحكمون الآن بالمبادئ الأتاتوركية الدستورية التالية:
أوّلاً - فصل الدّين عن الدولة فصلاً تامًّا، بكلّ ما يعنيه هذا الفصل.
ثانيًا - مساواة تامّة في المواطنة بين المصريين - لا فرق بين مسلم ومسيحي وما سواهما من سائر المعتقدات الدينية وغير الدينية.
ثالثًا - مساواة تامّة بين الرجل والمرأة في جميع المجالات دون استثناء.
رابعًا - فصل السلطات، التنفيذية، التشريعية والقضائية.
خامسًا - حريّة التفكير وحريّة التعبير وحرية الصحافة والنّشر هي حقوق دستورية مكفولة للمواطن.
سادسًا - يُنتخب الرئيس فقط لدوتين انتخابيّتين على أقصى حدّ، أي بما لا يزيد عن عشر سنين، يُحال بعدها إلى التقاعد.

هذه مجرّد بعض المبادئ، وهنالك بالطبع قضايا ومبادئ أخرى يجب العمل على تثبيتها. فقط عندما يتمّ إقرار هذه المبادئ بحذافيرها، عندئذ يمكن الحديث عمّا حصل في مصر بأنّه ثورة حتّى العصر. أمّا ما سوى ذلك، فإنّ لسان حالنا سيظلّ يقول: رجعت حليمة لعادتها القديمة، أو أنّنا سنظلّ نردّد إلى يوم يبعثون: كأنّنا يا بدر لا رحنا ولا جينا.

والعقل ولي التوفيق!
***
***
For Hebrew on the same topic, press here

إقرأ أيضًا:
أفكار معروضة للسرقة
______________________

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008
______________

عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics