26 فبراير 2011

باسم الأب والابن

سـلمان مصـالحة

باسم الأب والابن

منذ انقلابه
على المملكة السنوسية، وبتأثير من عبد الناصر والناصرية، وإطلاقه الاسم الأكبر "الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمى" على "دويلة" هي أبعد ما تكون عن معنى الدولة في العالم المعاصر، كان من الواضح أنّ العقيد البليد المصاب بجنون العظمة العربية الناصرية هو أقرب إلى حالة عصابية منه إلى رجل دولة. غير أنّ أقطار العالم العربي المصابة، كلّ قطر على حدة، بعصاب داخلي مزمن لا تلتفت إلى مثل هذه الأمور لدى "الأشقّاء". فلكلّ بلد بلواه وكلّ بلد يغنّي على ليلاه.

والآن، وبعد الهبّة التي اجتاحت بعض أقطار هذا العالم العربي ضدّ مخلّفات الأنظمة الناصرية المتبقية فقد وصلت هذه الاحتجاجات إلى الأراضي الليبية خارجة ضدّ حكم العقيد وطغيانه. وهكذا أيضًا سرعان ما ظهر طبع هذا النّوع من الأنظمة على حقيقته غالبًا التّطبُّع الثّوري الذي حاولت التّلبُّس به. فقد خرج ابن العقيد، سيف الإسلام، واعدًا متوعّدًا بأنهار من الدّم.

ليس مفاجئًا
هذا التّهديد الموجّه للشعب اللّيبي بأنهار من الدّم التي ستسيل إن واصل الشعب احتجاجه على طغيان العقيد الأب. إنّ هذا التّهديد متوقّع من شخص يحمل اسم "سيف الإسلام". إنّ مجرّد اسم من هذا النّوع فيه أكثر من إشارة إلى ما يحمله هذا الاسم في طيّاته من أمور هي أبعد ما تكون عن السماحة والسلام.

إنّ للأسماء أهميّة بالغة في حياة الأفراد والشّعوب. فعندما يختار الوالدان اسمًا لولد رُزقا به فإنّهما في حقيقة الأمر يزجّان بالوليد في قالب ذي أبعاد خطيرة على مسيرة حياته قاما هما بتحديده. بفعلهما هذا إنّما يحدّدان توقّعاتهما منه. وهكذا فإنّ كيان الولد بأسره يرتبط ارتباطًا وثيقًا بهذا القالب - الاسم - الذي وضعاه فيه. إنّ الاسم الذي يُعطى للولد له تأثير كبير على مجرى حياته، على مفاهيمه وعلى سلوكه في المجتمع الذي يترعرع فيه.

على هذه الخلفيّة،
يمكن أن نفهم سلوكيّات سفّاح العراق السّابق الّذي نكّل بشعبه وببيئته طوال عقود. فكلّ سلوكيّاته كانت قد نُقشت منذ الصّغر في الاسم الّذي سُجن فيه. فهل الأمر مُفاجئ أن سلك صدّام السّلوك الذي كان سمة لحكمه؟ إنّ مجرّد إعطاء الاسم "صدّام"، بما يحمله هذا الاسم من عنف في دلالاته، لولد في هذا المجتمع القبليّ كان كافيًا لكي يتحوّل العنف جزءًا من كيانه. وهكذا أضحى هذا العنف بعد أن تقدّم به العمر ووصل إلى سدّة الحكم سمة بارزة لهويّته الشخصيّة داخل هذا المجتمع القبلي الذي يسجد للقوّة وللعنف أصلاً وإلاّ لما مُنح الأطفال أسماء من هذا النّوع.

هنالك مجتمعات تُعطي اسم الأب للابن. كذا هي الحال مع جورج بوش الابن. بهذا السّياق، لم يكن صدّام مرتبطًا بالهجوم الإرهابي على أميركا في 11 سپتمبر، بل إنّ غالبيّة الإرهابيّين كانوا من جنسيّات سعوديّة وليسوا عراقيين بأيّ حال. ومع ذلك، فإنّ جورج بوش الابن الّذي كان قد سُجن في قالب اسم والده، فقد ترعرع ووصل إلى الرئاسة الأميركيّة مع كلّ هذه الدّافعيّة لإنهاء مهمّة جورج بوش الأب التي لم تصل إلى نهايتها في العراق.

منذ القدم
تُعزى أهميّة كبيرة للأسماء التي تُعطى للولد. ففي بعض الأحيان يتدخّل الإله بنفسه لتغيير اسم الشخص تبعًا للمهمّة الملقاة عليه من السّماء. كذا هي الحال مع إبراهيم، كما ورد عن عهد الإله الذي قطعه له في سفر التكوين: "ولَنْ تُدْعَى بعد اليوم باسم أبرام بل يكون اسمك أبرهام [= إبراهيم] لأنّي أجعلك أبَا أممٍ جَمّة" (تكوين 17، 5).

الاسم الذي يُعطى للولد يعيش معه طوال حياته، وبذا فهو يتحوّل جزءًا من هويّتة الفرديّة، ولذا فهو بالغ الدّلالة، وما من شكّ فإنّ له تأثيرًا بيّنًا على شخصيّته المتبلورة على مرّ الزّمن.

لقد أولى العرب القدماء اهتمامًا بالأسماء، فقد سمّوا أبناءهم بأسماء اعتقدوا أنّ في وسعها أن تدبّ الرّعب في السّامع، كغضنفر وصخر وشأس وذئب، بينما سمّوا عبيدهم وجواريهم بأسماء تتّسم بالرقّة واللّطافة، كفيروز وياقوت وريحانة ويُسر وكافور. وقد فسّروا ذلك بأنّ أسماء أبنائهم وأسماء قبائلهم موجّهة لترهيب الأعداء بينما أسماء العبيد والجواري فهي موجّهة لهم.

وهكذا، وعلى هذه الخلفية،
بوسعنا الآن أن نفهم ما هو حاصل في ليبيا. إنّ أنهار الدّم التي وعد بها القذّافي الابن منقوشة على جبين الابن وعلى جبين الأب. فإنّ العربيّ الّذي ينتسب إلى اسم مثل "قذّاف الدّم" لا يمكن أن يتحرّر مما يحمله اسم كهذا ومن مدلولاته.

عاجلاً أم آجلاً سيطفو الشرّ على السّطح مع أسماء من هذا النّوع. كذا كانت الحال مع العنف الكامن في الاسم "صدّام"، وكذا هي الحال الآن مع قذّاف الدّم".

وأخيرًا، ما على العرب إلاّ التّفكير مجدّدًا فيما يختارونه لأبناءهم ولعائلاتهم من أسماء.

والعقل ولي التوفيق!
*
نشرت في: إيلاف
***
Relating stories
English, press here
Hebrew, press here
Spanish, press here
Italian, press here

____________________


مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

ترجمات

  • سفر الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...

    تتمة الكلام

  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة



انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز




أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك ....

    تتمة الكلام

  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام