منتهى العجب في أحوال العرب

لقد أغرقنا الاستبداد ”الثوري“ العربي في بحر من الجهل بإشاعة الشعارات العاطفية المستندة إلى بلاغة عربية تليدة وبليدة

بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني

يكاد المرء يُصاب بمرض عضال من الملل، إن لم يكن مرضًا مزمنًا من الخجل، وذلك من جرّاء التكرار والاجترار...

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

لا يصلح الناس فوضى

كَيْفَ الرَّشادُ إذا ما كُنْتَ فِي نَفَرٍ لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلالٌ وَأَقْيادُ.

15 ديسمبر 2016

شذرات العجب من أخبار حلب


”فلما أراد الرحيل التفت إلى مكان استيطانه كالحزين الباكي لفراقها؛ ثم رفع يديه وقال: اللهم طيّبْ ثراها وهواءها وماءها وحَبّبْها لأبنائها...“

 

سلمان مصالحة ||

شذرات العجب من أخبار حلب


لقد قيل وكتب الكثير عمّا يحصل من أهوال في مدينة الشهباء في هذا الأوان، ولم يعد لهذه الأقوال مكان الآن، فما كان كان ولن يعود إلى سابق العهد. وكان فيما مضى أن قال فيها كشاجم: ”أرَتْكَ يدُ الغيثِ آثارَها - وأخرجتِ الأرْضُ أزهارَها / وما مَنعَتْ جارَها بلدةٌ - كما مَنعَتْ حَلَبٌ جارَها / هِيَ الخُلْدُ يَجْمَعُ ما تشتهي - فزُرْها، فَطُوبَى لِمَنْ زارَها.“

والآن، ها هو فلاديمير بوتين ملك الرّوس يتقمّص دور الدمستق نقفور ملك الروم من الأيام الخوالي، حيث: ”كان هذا الملعون من أغلظ الملوك قلبا، وأشدهم كفرا، وأقواهم بأسا، وأحدهم شوكة، وأكثرهم قتالا للمسلمين في زمانه. استحوذ في أيامه - لعنه الله - على كثير من السواحل، أو أكثرها، وانتزعها من أيدي المسلمين قسرا، واستمرت في يده قهرا، وأضيفت إلى مملكة الرّوم قدرا، وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان… وقد ورد حلب... وجال فيها جولة… ففتحها اللعين عنوة، وقتل من أهلها من الرجال والنساء ما لا يعلمه إلا الله،… وأخذ أموالها وحواصلها وعددها، وبدد شملها، وفرق عددها… وقد كان - لعنه الله - لا يدخل في بلدة إلا قتل المقاتلة وبقية الرجال ، وسبى النساء والأطفال.“

إنّ يد الغيث من كلام كشاجم قد انقلبت في هذا الزمان فأضحت ”يد الغدر“، وها هي ذي اليد قد أرتني وإيّاكم آثار دمارها. ولأنّي لم أزرها، فلا طوبى لي، إذن. لذا، سأكتفي في هذه العجالة الآن بزيارة آثارها المدوّنة في تضاعيف ما أورثه لنا السّلف. فلعلّ في هذه التضاعيف ما يروي ظمأ البحث عن تبيان أحوال هذا المكان.

وها هم أهل حلب، وبعد أن فتكت بهم يد الغدر، يؤمرون بالمهاجرة الآن، ليس على خطى إبراهيم إلى أرض مقدسة، وإنّما يتفرّقون أيدي سبأ في جهات الأرض. هل ينظر هؤلاء للوراء لإلقاء نظرة الوداع؟ هل يبتهلون إلى العليّ كما ابتهل إبراهيم حين تركها: ”فلما أراد الرحيل التفت إلى مكان استيطانه كالحزين الباكي لفراقها؛ ثم رفع يديه وقال: اللهم طيّبْ ثراها وهواءها وماءها وحَبّبْها لأبنائها. فاستجاب الله دعاءه فيها، وصار كل من أقام في بقعة حلب ولو مدة يسيرة أحبّها، وإذا فارقها يعزّ ذلك عليه، وربما إذا فارقها التفتَ إليها وبكى.“

فهل التفت إليها من نزح عنها؟ هل يلتفت إليها النازحون الآن عنها ويبكون؟ وأين تجتمع كلّ تلك الدموع المنهمرة؟ وهل من زرع أو شجر يرتوي بهذه العبرات المنسابة على وجنات الأطفال؟ أم إنّ شجرها قد ارتوى دماءً مدرارة خلال هذه الأعوام المنصرمة، فلا حاجة له بعد بالدموع؟

وكما هي الحال مع المدن العريقة، فإنّ للخرافات والأساطير أدوارًا تلعبها فيها. فها هي الذاكرة الشعبيّة المدوّنة تروي لنا أنّ إبراهيم الخليل كان قد نزل ”بالتلّ الأبيض الذي عليه الآن قلعة حلب المحروسة حماها الله من الغير والآفات. لقد طاب له المكوث فيها ردحًا من الزمان، ”ثمّ أُمر بالمهاجرة إلى الأرض المقدسة، فخرج منها“.

لقد أودعت الخرافات الشعبية بناء المدينة في أيدي العماليق بعد أن أجلاهم يوشع بن نون من الأرض المقدسة: ”وكان أكبر الأسباب في عمارتها ما حلّ بالعماليق في البلاد الشامية من خلفاء موسى، وذلك أن يوشع بن نون عليه السلام، لما خلف موسى، قاتل أريحا الغور وافتتحها، وسبى وأحرق وأخرب. ثم افتتح بعد ذلك مدينة عمان وارتفع العماليق عن تلك الديار إلى أرض صوبا وهي قنسرين، وبنوا حلب وجعلوها حصنا لأنفسهم وأموالهم... ولم يزل الجبّارون مستولين عليها... إلى أن بعث الله داود عليه السلام فانتزعهم عنها.“

ومرّت الأيام والأعوام على هذه المدينة ومرّت عليها الأقوام أيضًا وطالما تقرّب أهلها من الأولياء والصالحين: ”وأهلها سنية وشيعية... وبها حجر بظاهر باب اليهود على الطريق، يُنذر له، ويَصُب عليه الماوردَ المسلمون واليهود والنصارى. يقولون: تحته قبر نبي من الأنبياء“.

لم تشفع قبور الأنبياء والأولياء والصالحين لأهل حلب. كما لم تشفع لهم البئر التي هي من عجائبها: ”ومن عجائبها بئر في بعض ضياعها، إذا شرب منها من عضّه الكَلْبُ الكَلِبُ بَرئ، وهذا مشهور. قال بعض أهل هذه القرية: شرطه أنّ العضّ لم يجاوز أربعين يوما، فإن جاوز أربعين يوما لم يبرأ.“

ليس أربعون يومًا فقط قد انقضى، بل أربعة أعوام، أو هي أربعون عامًا وأكثر، ولا يزال هذا النّظام الكَلِبُ المسعورُ يفتك بأهل البلاد، فلم تشفع لهم بئرهم العجيبة، ولم يبرأ بعد منه العباد. وها هم ينتظرون الفرج من لدن العليّ القدير، مثلما انتظر أهلها الخلاص من ذلك التنّين الذي ظهر في غابر الزمان: ”وحكى بعضهم أنه ظهر بأرض حلب سنة أربع وعشرين وستمائة تنين عظيم بغلظ منارة وطول مفرط، ينساب على الأرض يبلع كل حيوان يجده، ويخرج من فمه نار تحرق ما تلقاه من شجر أو نبات، واجتاز على بيوت أحرقها، والناس يهربون منه يمينًا ويسارًا حتى انساب قدر اثني عشر فرسخا، فأغاث الله تعالى الخلق منه بسحابة نشأت ونزلت إليه فاحتملته، وكان قد لف ذنبه في كلب، فيرفع الكلب رفعة والكلب يعوي في الهواء، والسحاب يمشي به، والناس ينظرون إليه إلى أن غاب عن الأعين.“

هل يكرّر تاريخ المدينة ذاته ومجرياته؟ هل ما يجري الآن هو قدر مختوم ومحتوم؟

لقد دوّن لنا السلف تقليدًا متجذّرًا بين أهل هذه المدينة: ”ولهم لعب كل سنة، أول الربيع، يُسمونه الشلاق، وهو أنهم يخرجون إلى ظاهر المدينة وهم فرقتان تتقاتلان أشد القتال، حتى تنهزم إحدى الفرقتين فيقع فيهم القتل والكسر والجرح والوهي ثم يعودون مرة أخرى.“

فهل انقسام أهلها إلى فريقين متخاصمين قائم إلى يوم يبعثون؟ في الماضي قال كشاجم: ”طوبى لمن زارها“. فماذا نقول اليوم؟

هل نقول: الخزي والعار، كلّ الخزي والعار، لمن دمّر آثارها؟
*
الحياة، 15 ديسمبر 2016

مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

هناك تعليق واحد:

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • هل البطون والأفخاذ عورة؟

    يتّضح ودون لفّ أو دوران أنّ مصطلح "الشّعب"، فيما يخصّ حضارة العرب لا يعني شيئًا سوى القبيلة. وما لم يواجه العرب هذه الحقيقة، والعمل على تغيير وتبديل هذا الدّيسك الّذي يعمل به حاسوبهم الذّهني...
نصوص نثرية
  • خيوط دخان

    البحث عن المكان هو بحث عن ساكن المكان، صائتًا كان أم صامتًا، رائدًا كان أم جامدًا. الصّامت صائتٌ من حيث هو يُخبر عن حاله بصمته، والرّائد يبحثُ عن أصوات جمدت أصداؤها في حجر، في أثرٍ باقٍ رغم تبدُّل السّنين والأعوام...
    تتمة الكلام

  • كيف يقولون "بدو" بالعبرية؟

    في المعبر الحدودي بين الأردن وإسرائيل، وضمن إجراءات عاديّة، يُنزلك سائق التّاكسي عند نقطة الجمارك لتنتقل عبرها مع حقائبك إلى الطّرف الآخر، ثمّ لشبّاك دفع رسوم المغادرة. من هناك تدلفُ إلى المخرج، حيث موقف الباص الّذي سيعبر بك الجسر والنّهر...
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
شعر
  • قصيدة ليست وطنية

    ما كُلُّ، مَنْ وَصَلَتْ
    أَخْبارُهُ الشُّهُبَا،
    فِي قَوْلِهِ أَلَقٌ، أوْ ضَاءَ
    مَا كَتَبَا.

    لكِنَّهُ، يَحْذقُ التَّلْمِيعَ
    فِي صُحُفٍ.
    بَاخَتْ ثَقَافَتُهَا
    وَاسْتُسْخِفَتْ نَسَبَا.
  • دوائر عربية

    عَفْوًا، سَئِمْتُ.
    سَأَرْحَلُ صَوْبَ الغُرُوبِ،

    أُبَدِّلُ

    ما كانَ أَثْقَلَ
    كاهِلِي. حَيْثُ النَّوائِبُ

    تَنْزِلُ
    تتمة الكلام
  • رحلة صوفية

    خُذُوا مِنِّي التِّلالَ،
    وَزَوِّدُونِي بِمَا يَكْفِي مِنَ
    القَلَقِ الدَّفِينِ.

    سَئِمْتُ مِنَ التَّرَدُّدِ
    فِي بِلادٍ، رَمَتْ حُلُمِي
    بِمَاءٍ مُسْتَكِينِ.




موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


شؤون محلية
  • أحلام اليقظة

    منــذ انتخابه لرئاسة الحكومة لم ينحرف الابن بنيامين عن هذه الرؤية. يمكن القول إنه في كل مــا يتعلق بالســلام بين اسرائيل والدول العربية، توجد لرئيــس الحكومة عقيــدة ثابتة اســتوعبها فــي بيــت والــده...
    تتمة الكلام

  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

  • خفايا اليسار الفلسطيني

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...

أرشيف الجهة

 
مختارات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

ترجمات عربية
  • قصائد هايكو

    لِرُؤْيَتِي طَاعِنًا فِي السّنّ،
    حَتَّى البَعُوضُ يَهْمِسُ
    قَرِيبًا مِنْ أُذُنِي.


  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي.

    تتمة الكلام


  • ألجير

    لو كان لي طفلةٌ أُخرى
    لأطلقتُ عليها اسمَ "ألجير"
    وَلكُنتُمْ سَتَحْنون أمامي الطّواقي الكولونياليّة
    وتُكَنّونني "أبو أَلْجيرْ" ...
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن

  • مواضيع مختارة


تصميم: SM
حقوق محفوظة © من جهة أخرى