الخميس، 15 ديسمبر، 2016

شذرات العجب من أخبار حلب


”فلما أراد الرحيل التفت إلى مكان استيطانه كالحزين الباكي لفراقها؛ ثم رفع يديه وقال: اللهم طيّبْ ثراها وهواءها وماءها وحَبّبْها لأبنائها...“

 

سلمان مصالحة ||

شذرات العجب من أخبار حلب


لقد قيل وكتب الكثير عمّا يحصل من أهوال في مدينة الشهباء في هذا الأوان، ولم يعد لهذه الأقوال مكان الآن، فما كان كان ولن يعود إلى سابق العهد. وكان فيما مضى أن قال فيها كشاجم: ”أرَتْكَ يدُ الغيثِ آثارَها - وأخرجتِ الأرْضُ أزهارَها / وما مَنعَتْ جارَها بلدةٌ - كما مَنعَتْ حَلَبٌ جارَها / هِيَ الخُلْدُ يَجْمَعُ ما تشتهي - فزُرْها، فَطُوبَى لِمَنْ زارَها.“

والآن، ها هو فلاديمير بوتين ملك الرّوس يتقمّص دور الدمستق نقفور ملك الروم من الأيام الخوالي، حيث: ”كان هذا الملعون من أغلظ الملوك قلبا، وأشدهم كفرا، وأقواهم بأسا، وأحدهم شوكة، وأكثرهم قتالا للمسلمين في زمانه. استحوذ في أيامه - لعنه الله - على كثير من السواحل، أو أكثرها، وانتزعها من أيدي المسلمين قسرا، واستمرت في يده قهرا، وأضيفت إلى مملكة الرّوم قدرا، وذلك لتقصير أهل ذلك الزمان… وقد ورد حلب... وجال فيها جولة… ففتحها اللعين عنوة، وقتل من أهلها من الرجال والنساء ما لا يعلمه إلا الله،… وأخذ أموالها وحواصلها وعددها، وبدد شملها، وفرق عددها… وقد كان - لعنه الله - لا يدخل في بلدة إلا قتل المقاتلة وبقية الرجال ، وسبى النساء والأطفال.“

إنّ يد الغيث من كلام كشاجم قد انقلبت في هذا الزمان فأضحت ”يد الغدر“، وها هي ذي اليد قد أرتني وإيّاكم آثار دمارها. ولأنّي لم أزرها، فلا طوبى لي، إذن. لذا، سأكتفي في هذه العجالة الآن بزيارة آثارها المدوّنة في تضاعيف ما أورثه لنا السّلف. فلعلّ في هذه التضاعيف ما يروي ظمأ البحث عن تبيان أحوال هذا المكان.

وها هم أهل حلب، وبعد أن فتكت بهم يد الغدر، يؤمرون بالمهاجرة الآن، ليس على خطى إبراهيم إلى أرض مقدسة، وإنّما يتفرّقون أيدي سبأ في جهات الأرض. هل ينظر هؤلاء للوراء لإلقاء نظرة الوداع؟ هل يبتهلون إلى العليّ كما ابتهل إبراهيم حين تركها: ”فلما أراد الرحيل التفت إلى مكان استيطانه كالحزين الباكي لفراقها؛ ثم رفع يديه وقال: اللهم طيّبْ ثراها وهواءها وماءها وحَبّبْها لأبنائها. فاستجاب الله دعاءه فيها، وصار كل من أقام في بقعة حلب ولو مدة يسيرة أحبّها، وإذا فارقها يعزّ ذلك عليه، وربما إذا فارقها التفتَ إليها وبكى.“

فهل التفت إليها من نزح عنها؟ هل يلتفت إليها النازحون الآن عنها ويبكون؟ وأين تجتمع كلّ تلك الدموع المنهمرة؟ وهل من زرع أو شجر يرتوي بهذه العبرات المنسابة على وجنات الأطفال؟ أم إنّ شجرها قد ارتوى دماءً مدرارة خلال هذه الأعوام المنصرمة، فلا حاجة له بعد بالدموع؟

وكما هي الحال مع المدن العريقة، فإنّ للخرافات والأساطير أدوارًا تلعبها فيها. فها هي الذاكرة الشعبيّة المدوّنة تروي لنا أنّ إبراهيم الخليل كان قد نزل ”بالتلّ الأبيض الذي عليه الآن قلعة حلب المحروسة حماها الله من الغير والآفات. لقد طاب له المكوث فيها ردحًا من الزمان، ”ثمّ أُمر بالمهاجرة إلى الأرض المقدسة، فخرج منها“.

لقد أودعت الخرافات الشعبية بناء المدينة في أيدي العماليق بعد أن أجلاهم يوشع بن نون من الأرض المقدسة: ”وكان أكبر الأسباب في عمارتها ما حلّ بالعماليق في البلاد الشامية من خلفاء موسى، وذلك أن يوشع بن نون عليه السلام، لما خلف موسى، قاتل أريحا الغور وافتتحها، وسبى وأحرق وأخرب. ثم افتتح بعد ذلك مدينة عمان وارتفع العماليق عن تلك الديار إلى أرض صوبا وهي قنسرين، وبنوا حلب وجعلوها حصنا لأنفسهم وأموالهم... ولم يزل الجبّارون مستولين عليها... إلى أن بعث الله داود عليه السلام فانتزعهم عنها.“

ومرّت الأيام والأعوام على هذه المدينة ومرّت عليها الأقوام أيضًا وطالما تقرّب أهلها من الأولياء والصالحين: ”وأهلها سنية وشيعية... وبها حجر بظاهر باب اليهود على الطريق، يُنذر له، ويَصُب عليه الماوردَ المسلمون واليهود والنصارى. يقولون: تحته قبر نبي من الأنبياء“.

لم تشفع قبور الأنبياء والأولياء والصالحين لأهل حلب. كما لم تشفع لهم البئر التي هي من عجائبها: ”ومن عجائبها بئر في بعض ضياعها، إذا شرب منها من عضّه الكَلْبُ الكَلِبُ بَرئ، وهذا مشهور. قال بعض أهل هذه القرية: شرطه أنّ العضّ لم يجاوز أربعين يوما، فإن جاوز أربعين يوما لم يبرأ.“

ليس أربعون يومًا فقط قد انقضى، بل أربعة أعوام، أو هي أربعون عامًا وأكثر، ولا يزال هذا النّظام الكَلِبُ المسعورُ يفتك بأهل البلاد، فلم تشفع لهم بئرهم العجيبة، ولم يبرأ بعد منه العباد. وها هم ينتظرون الفرج من لدن العليّ القدير، مثلما انتظر أهلها الخلاص من ذلك التنّين الذي ظهر في غابر الزمان: ”وحكى بعضهم أنه ظهر بأرض حلب سنة أربع وعشرين وستمائة تنين عظيم بغلظ منارة وطول مفرط، ينساب على الأرض يبلع كل حيوان يجده، ويخرج من فمه نار تحرق ما تلقاه من شجر أو نبات، واجتاز على بيوت أحرقها، والناس يهربون منه يمينًا ويسارًا حتى انساب قدر اثني عشر فرسخا، فأغاث الله تعالى الخلق منه بسحابة نشأت ونزلت إليه فاحتملته، وكان قد لف ذنبه في كلب، فيرفع الكلب رفعة والكلب يعوي في الهواء، والسحاب يمشي به، والناس ينظرون إليه إلى أن غاب عن الأعين.“

هل يكرّر تاريخ المدينة ذاته ومجرياته؟ هل ما يجري الآن هو قدر مختوم ومحتوم؟

لقد دوّن لنا السلف تقليدًا متجذّرًا بين أهل هذه المدينة: ”ولهم لعب كل سنة، أول الربيع، يُسمونه الشلاق، وهو أنهم يخرجون إلى ظاهر المدينة وهم فرقتان تتقاتلان أشد القتال، حتى تنهزم إحدى الفرقتين فيقع فيهم القتل والكسر والجرح والوهي ثم يعودون مرة أخرى.“

فهل انقسام أهلها إلى فريقين متخاصمين قائم إلى يوم يبعثون؟ في الماضي قال كشاجم: ”طوبى لمن زارها“. فماذا نقول اليوم؟

هل نقول: الخزي والعار، كلّ الخزي والعار، لمن دمّر آثارها؟
*
الحياة، 15 ديسمبر 2016


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

هناك تعليق واحد:

  • شوون عربية

    دول ومجتمعات بلا حدود

    جزيرة العرب هي مهد «العروبة»، بمعنى طبيعة الأفراد المنتمين إليها إثنيًّا وثقافيًّا. لقد خرج العرب من الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، مكتسحين مناطق شاسعة في الجوار ومستوطنين فيها. إنّ الخروج من الجزيرة العربية لم يشكّل بأيّ حال خروجًا من الطبيعة البريّة والصحراوية للأفراد.

    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    جلسة لمساءلة النفس

    ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    شؤون فلسطينية

    نكبة الليلة ونكبة البارحة

    مرت الأعوام تلو الأعوام فوجد الفلسطينيون أنفسهم مؤخّرًا أنّ النكبات لم تعد حكرًا عليهم دون غيرهم، فنكبات الآخرين - سورية مثالاً - لا تقلّ مأساوية وبشاعة عن نكباتهم...

    تتمة الكلام


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام