15 يناير 2010

حول تعليق الأستاذ الأتاسي في "الأوان"

سلمان مصالحة

حول تعليق الأستاذ الأتاسي
في "الأوان"


لقد كتب الأستاذ أحمد نظير الأتاسي، أستاذ التاريخ الإسلامي في جامعة لويزيانا الأميركية، تعليقًا على مقالتي المعنونة "إيلوهيم في الإسلام"، والمنشورة في منبر "الأوان". ولأسباب تقنية تتعلّق بمساحة الردّ أو أسباب تقنيّة أخرى، لم أستطع وضع ردّي على تعقيبه في موقع "الأوان" ذاته، فرأيت أن أنشر ردّي هنا، وأحيله إليه بملاحظة.

***
تعليق الأستاذ الأتاسي، كما ورد في "الأوان":

"أشارك الأستاذ قريط الرأي بأن التحليلات اللغوية مجرد إحتمالات (وأين نجد الحقائق أصلاً). رأي الأستاذ مصالحة بأن اللهم هي إلوهيم العبرية رأي معروف وشائع بين المستشرقين. وهؤلاء يرون كل أصل في العبرية. لكن ما أثار استغرابي هو اعتماده على الموروث اللغوي والأخباري العربي وهو موروث أسطوري ظهر في أواخر القرن الثاني وخلال الثالث، ويدل أن هؤلاء اللغويين والنحويين لم تكن لهم أية معرفة بحجاز محمد ولا حتى بالجزيرة العربية في زمن محمد. هل العربية لهجة قريش أم لغة تعامل رسمي مركبة من لهجات؟ هل العربية أقدم من نقش النمارة أم أحدث؟ لا نعرف. هل فرض الفاتحون العربية أم أنها كانت موجودة قبلهم؟ يجوز الوجهان وأي خليط منهما. أما هذه الصورة عن العرب المعزولين عن العالم في جزيرتهم ويتكلمون العربية منذ زمن إسماعيل، ويمر بهم رهبان وتجار ليعلموهم العبرية أو اليهودية أو المسيحية، أو يسافر بعضهم مثل أمية ليعودوا بدين جديد أو بآلهة جديدة مثل عمرو بن لحي، فهي صورة مضحكة كونها المسلمون في بغداد في مراحل متأخرة. قد تكون اللهم من أصل واحد مشترك أخذت عنه العربية والعبرية. حتى نقش النمارة أهو "عربي فصيح" حقيقةً أم آرامي أم خليط؟".

***

وعلى ذلك أقول:

الأستاذ الأتاسي، تحية.

(1)
تستطيع أن توافق مع من تشاء، بشرط أن يكون رأيك، أو رأيه، مؤسّسًا على ما يستند إليه. فلا يكفي القول: من يعرف؟ وقد يكون كذا، وقد يكون شيئًا آخر وما إلى ذلك ... التساؤلات مهمّة لكنّها لا تكفي، إذ يجدر العمل على محاولة الإجابة عليها. أنا، من جهتي، أحاول إعطاء تفسيراتي في المسائل التي أتطرّق إليها، مستندًا إلى استقراء موروثي، موروثنا، الثقافي، وداعمًا ذلك بمعارفي الأخرى. فإذا كان لديك تفسير آخر ينقض تفسيري لها، فهيّا أرشدنا، وقدّمه لنا!

الحقيقة، وأنت بلا شكّ تعرف ذلك، هي أنّ كلّ ما لدينا من موروث عن الحضارة العربيّة القديمة هو تدوين متأخّر. ولهذا السّبب فأنا أنظر إلى التاريخ العربي والإسلامي بوصفه إبداعات أدبيّة من عمل البشر، مع كلّ ما تشي به أعمال البشر الأدبيّة من خبايا، وأنا أتعامل معه على هذا النحو فقط. وعلى هذا النحو أيضًا أتعامل مع نصوص التوراة والإنجيل وكلّ النصوص التي تُعتبر مقدّسة لدى المؤمنين، فكلّها نصوص وإبداعات أدبيّة من عمل البشر يجب النّظر إليها بهذا المنظار.

ثمّ ها أنت، نفسك، تُصرّح في مدوّنتك الخاصّة عن هذه الموروثات العربية: "ولا يمكن أن نرميها كلها لأن ثمانين بالمائة منها خاطئ فالعشر الباقي يمكن أن يكون صحيحاً إلى حد ما". وعلى فكرة يا أستاذ: حساب ثمانين زائد عشرة يساوي تسعين، فأين ذهبت "عشرة" أخرى لاكتمال المائة بالمائة؟ (هذه مجرّد دعابة معترضة فقط). وها أنت أيضًا تواصل التساؤل في مدوّنتك: "فلنتصور عالمًا فيه الإسلام وليس فيه سيرة ابن اسحاق. يا لطيف! فمن أين نأتي بالنظريات التي تشرح ظهور الإسلام وما نحن فيه الآن؟"، وتساؤلك هذا هو تساؤل وجيه، بالطبع. فما عليك إلاّ محاولة الإجابة عليه.

(2)
ثمّ تشير أيضًا في تعليقك إلى استغرابك: "لكن ما أثار استغرابي هو اعتماده على الموروث اللغوي والأخباري العربي وهو موروث أسطوري ظهر في أواخر القرن الثاني وخلال الثالث...". غير أنّك، يا أستاذ، تناقض نفسك بنفسك. إذ أحيلك مرّة أخرى إلى النّظر في ما تكتبه أنت نفسك في مدوّنتك، في معرض الردّ على تساؤلات نادر قريط: "ليس التراث الإسلامي وخاصة روايات البدايات بأقل موضوعية أو اكثر تحزباً ونزوعاً إلى الإفراط والخيال من أي تاريخ قديم آخر، كلهم سواء". إذن يا أستاذ الأتاسي، قرّر ماذا تريد بشأن هذه الروايات. هل هي خرافات وأساطير لا يعتمد عليها، أم إنّّها ليست بأقلّ موضوعية من أي تاريخ آخر، كما تقول في مدونتك؟

وحتّى إذا رغبت في شطب كلّ هذه الروايات، وقررت أن تأخذ بنص القرآن فقط لا غير، فعن أن أيّ نصّ تتحدّث؟ فهنالك قراءات مختلفة. ولماذا تأخذ بقراءة دون غيرها؟ أوليس تغليب قراءة على أخرى هو أيضًا خلق جديد للقرآن من عمل البشر؟ ثمّ، هل هنالك عربيّ واحد على وجه الأرض يستطيع فهم هذا النصّ القرآني دون العودة إلى أسباب النزول وتفسيرات القدماء واللغويين؟ وكيف ستفهم، على سبيل المثال لا الحصر، دلالة المصطلح "الصّراط" في سورة الفاتحة، دون العودة إلى علماء اللّغة، والمفسّرين، واللغات الأخرى من غير العربية؟ ثمّ، لماذا لا تسأل نفسك: من أين جاء كلّ هذا الجدل القرآني مع بني إسرائيل، أهل الكتاب اليهود والنصارى؟ ولماذا سورة آل عمران، وسورة يوسف، وسورة بني إسرائيل، ولماذا موسى وعيسى ومريم، ولماذا التطرّق إلى خروج بني إسرائيل من مصر الفرعونية؟ ولماذا أسماء ملوك بني إسرائيل، داود، وسليمان، إلخ؟ أليست كلّ هذه الأمور من العبرية ومن التوراة؟ فإذا شطبت وألغيت كلّ هذه الأمور، فلن يبقى من القرآن والإسلام شيء، يا أستاذ الأتاسي.

(3)
وفيما يخصّ الأمور اللغويّة، فقط أذكّرك بأنّ العبريّة هي لغة التّوراة، والتوراة هي النصّ الأقدم على ما أظنّ. كما إنّ الآرامية هي لغة التلمود الأورشليمي، والآرامية والعبريّة هما لغة التلمود البابلي. والتوراة والتلمود هما في صلب اليهودية.
أمّا بخصوص اللغة العربية فأقول فقط، إنّنا نكتب اليوم بهذه اللغة العربيّة بفضل كلّ هؤلاء اللّغويين العلماء القدماء الذين أكنّ أنا لهم كلّ الاحترام لما بذلوا من جهود جبّارة لحفظ هذا الموروث اللّغوي لنا نحن. فلولا هؤلاء القدماء لما كان بوسعي أن أكتب بلغتي هذه التي أحترمها، بخلاف الكثيرين من حولي في عالم العرب.

وأخيرًا،
أنت أستاذ التاريخ الإسلامي، فما هي مراجعك المعتمدة التي تطلب من طلاّبك العودة إليها؟ وإذا كنت لا تكنّ الاحترام إلى هذه المراجع وهذا الموروث الثقافي العربي (ولا أعتقد أنّك كذلك)، فربّما من الأفضل أن تبحث لك عن مهنة أخرى.

أليس كذلك؟



مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

ترجمات

  • سفر الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...

    تتمة الكلام

  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة



انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز




أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك ....

    تتمة الكلام

  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام