عن مخترة جنبلاط وأمثاله

إنّ الزعامات الطائفية الوراثيّة والتوريثيّة في هذا المشرق، وجنبلاط أحد أمثلتها البارزة، لا يمكن بأيّ حال أن تشكّل مثالاً يُقتدى

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

باكستان الشرقية في فلسطين

عندما خطّط الانسحاب من قطاع غزّة كان يضع نصب عينيه شيئًا شبيهًا بما جرى في باكستان

الهوية المعقّدة للعرب في إسرائيل

الفوارق بين المكوّنات الطائفية لهذا المجتمع هي مجرّد أصداء لما هو حاصل في سائر المجتمعات العربية في هذا المشرق.

20.10.10

عنزة نتنياهو

سـلمان مصـالحة

عنزة نتنياهو

تروي الأمثال اليهوديّة عن أحد اليهود، وقد جاء إلى الرابي كائلاً على مسامعه الشكاوى عن الوضع الذي لم يعد بوسعه تحمّله في البيت، بسبب ضيق المكان وكثرة النّسل.

أنصت الرّابي لمن جاء يستشيره في أمور الدنيا والدين دون أن يقطع حبل كلامه. وبعد أن فرغ اليهودي من شكاواه على مسمع من الرّابي، صمت منتظرًا المشورة الحكيمة.

قال له الرّابي: "ما عليك إلاّ أن تُدخل عنزة إلى البيت".
- "كيف أُدخل عنزة إلى البيت في هذا الوضع المزري؟"، سأل اليهودي.
- "إفعل ما أقوله لك، ولا تُجادل في أمور لا تفقهها"، وبّخه الرّابي بحزم.
انطلق اليهودي، وعاج في طريق عودته إلى السّوق فاقتنى عنزة، مثلما أشار عليه الرّابي، ثمّ مضى بها إلى البيت لتعيش مع الأسرة.
فرح الأولاد لرؤية العنزة ومضى اليوم الأوّل على خير. غير أنّ الوضع سرعان ما تدهور فامتلأ البيت ضجيجًا على ضجيج، ثغاء على صياح وضاق بهم المكان أكثر فأكثر.

وهكذا، وبعد مضيّ أسبوع، لم يعد اليهودي يستطيع تحمّل الوضع، فهرول مسرعًا إلى الرّابي شاكيًا باكيًا على ما حلّ به وبالعائلة.
أطرق الرّابي مليًّا، ثم نظر إلى اليهودي وقال: "عُد إلى البيت فورًا وأخرج العنزة من البيت، ثم ارجع إليّ بعد أسبوع."
أسرع اليهودي وأخرج العنزة من البيت. وبعد أسبوع عاد إلى الرّابي.
سأله الرّابي: "كيف حالكم في هذه الأيّام؟"
أجاب اليهودي: "الحمد للّه، لقد تحسّن الوضع ونشعر بالرّاحة الآن."
***
تذكّرت هذه الحكاية الآن في سياق ما يجري بين حكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة، بين نتنياهو وأبو مازن. والعنزة من الحكاية هي المطلب الجديد الذي أدخله نتنياهو إلى بيت الـ"قيادة" الفلسطينيّة، والمتمثّل بالاعتراف الفلسطيني بإسرائيل "دولة يهوديّة".

من الواضح أنّ هذه العنزة التي أُدخلت الآن، سيتمّ إخراجها لاحقًا. غير أنّ الـ"قيادات" الفلسطينيّة الّتي لا تفقه أصول اللّعبة، مثلما لا تفقه أبدًا في رعاية الماعز، ستشعر بنوع من الارتياح بعد أن يتمّ إخراج هذه العنزة - المطلب - من البيت الفلسطيني. عندها سيخرج كلّ هؤلاء "المسؤولين" الفلسطينيّين إلى الرأي العام وينشرون البيانات وسيعتبرون إزالة هذا المطلب من الطّاولة، كما لو أنّه انتصار على نتنياهو وحكومة إسرائيل وسيشعرون بالراحة، وربّما يوزّعون الـ"راحة" على المارّة.

إنّ المتتبّع، من صنف ذوي البصر والبصيرة، لما يجري في العقود الأخيرة، يلاحظ أنّ الجانب الفلسطيني أضحى يمتلك "شلعة معزى" من ماعز الحكومات الإسرائيليّة المختلفة.

كما أنّ الجانب الفلسطيني، من مسؤولين سلطويّين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم السياسيّة والقبليّة، والّذين أدمنوا الفساد منذ سنوات طويلة، وخاصّة في العقدين الأخيرين، مضوا قدمًا في اختلاس الأموال المقدّمة للشعب الفلسطيني من الدول المانحة لبناء قصور لهم ولمقرّبيهم، بينما تركوا النّاس عراةً، فاضطُرّ هؤلاء للعمل في بناء المستوطنات الإسرائيليّة التي تكاثرت وقضمت الشّجر والحجر.

هكذا أوصلت هذه القيادات البائسة، بجميع أطيافها ولا أستثني من هذا البؤس أحدًا، الشّعب الفلسطيني إلى هذا الدّرك. إنّه الدّرك الّذي يتمثّل في امتلاك هذه الـ "شلعة" الكبيرة. غير أنّه، شعبًا وقيادة، لا يعرف رعاية الماعز، لا ثقافيًّا ولا سياسيًّا ولا نضاليًّا، لأنّه لا يفقه العالم أصلاً.

وفي هذه الأثناء لم تتبقّ أماكن رعاية لتسريح كلّ هذه الماعز فامتلأ البيت الفلسطيني ثغاء وبكاء.

ليس فقط أنّ من تناديه لا حياة له، إنّه لا يمتلك أيضًا ذرّة من حياء.

والعقل وليّ التّوفيق!
***

المقالة نشرت أيضًا في: شفاف الشرق الأوسط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • شوون عربية

    دول ومجتمعات بلا حدود

    جزيرة العرب هي مهد «العروبة»، بمعنى طبيعة الأفراد المنتمين إليها إثنيًّا وثقافيًّا. لقد خرج العرب من الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، مكتسحين مناطق شاسعة في الجوار ومستوطنين فيها. إنّ الخروج من الجزيرة العربية لم يشكّل بأيّ حال خروجًا من الطبيعة البريّة والصحراوية للأفراد.

    تتمة الكلام

    جلسة لمساءلة النفس

    ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    نكبة الليلة ونكبة البارحة

    مرت الأعوام تلو الأعوام فوجد الفلسطينيون أنفسهم مؤخّرًا أنّ النكبات لم تعد حكرًا عليهم دون غيرهم، فنكبات الآخرين - سورية مثالاً - لا تقلّ مأساوية وبشاعة عن نكباتهم...

    تتمة الكلام


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام