عنزة نتنياهو

سـلمان مصـالحة

عنزة نتنياهو

تروي الأمثال اليهوديّة عن أحد اليهود، وقد جاء إلى الرابي كائلاً على مسامعه الشكاوى عن الوضع الذي لم يعد بوسعه تحمّله في البيت، بسبب ضيق المكان وكثرة النّسل.

أنصت الرّابي لمن جاء يستشيره في أمور الدنيا والدين دون أن يقطع حبل كلامه. وبعد أن فرغ اليهودي من شكاواه على مسمع من الرّابي، صمت منتظرًا المشورة الحكيمة.

قال له الرّابي: "ما عليك إلاّ أن تُدخل عنزة إلى البيت".
- "كيف أُدخل عنزة إلى البيت في هذا الوضع المزري؟"، سأل اليهودي.
- "إفعل ما أقوله لك، ولا تُجادل في أمور لا تفقهها"، وبّخه الرّابي بحزم.
انطلق اليهودي، وعاج في طريق عودته إلى السّوق فاقتنى عنزة، مثلما أشار عليه الرّابي، ثمّ مضى بها إلى البيت لتعيش مع الأسرة.
فرح الأولاد لرؤية العنزة ومضى اليوم الأوّل على خير. غير أنّ الوضع سرعان ما تدهور فامتلأ البيت ضجيجًا على ضجيج، ثغاء على صياح وضاق بهم المكان أكثر فأكثر.

وهكذا، وبعد مضيّ أسبوع، لم يعد اليهودي يستطيع تحمّل الوضع، فهرول مسرعًا إلى الرّابي شاكيًا باكيًا على ما حلّ به وبالعائلة.
أطرق الرّابي مليًّا، ثم نظر إلى اليهودي وقال: "عُد إلى البيت فورًا وأخرج العنزة من البيت، ثم ارجع إليّ بعد أسبوع."
أسرع اليهودي وأخرج العنزة من البيت. وبعد أسبوع عاد إلى الرّابي.
سأله الرّابي: "كيف حالكم في هذه الأيّام؟"
أجاب اليهودي: "الحمد للّه، لقد تحسّن الوضع ونشعر بالرّاحة الآن."
***
تذكّرت هذه الحكاية الآن في سياق ما يجري بين حكومة إسرائيل والسلطة الفلسطينيّة، بين نتنياهو وأبو مازن. والعنزة من الحكاية هي المطلب الجديد الذي أدخله نتنياهو إلى بيت الـ"قيادة" الفلسطينيّة، والمتمثّل بالاعتراف الفلسطيني بإسرائيل "دولة يهوديّة".

من الواضح أنّ هذه العنزة التي أُدخلت الآن، سيتمّ إخراجها لاحقًا. غير أنّ الـ"قيادات" الفلسطينيّة الّتي لا تفقه أصول اللّعبة، مثلما لا تفقه أبدًا في رعاية الماعز، ستشعر بنوع من الارتياح بعد أن يتمّ إخراج هذه العنزة - المطلب - من البيت الفلسطيني. عندها سيخرج كلّ هؤلاء "المسؤولين" الفلسطينيّين إلى الرأي العام وينشرون البيانات وسيعتبرون إزالة هذا المطلب من الطّاولة، كما لو أنّه انتصار على نتنياهو وحكومة إسرائيل وسيشعرون بالراحة، وربّما يوزّعون الـ"راحة" على المارّة.

إنّ المتتبّع، من صنف ذوي البصر والبصيرة، لما يجري في العقود الأخيرة، يلاحظ أنّ الجانب الفلسطيني أضحى يمتلك "شلعة معزى" من ماعز الحكومات الإسرائيليّة المختلفة.

كما أنّ الجانب الفلسطيني، من مسؤولين سلطويّين على اختلاف مذاهبهم ومشاربهم السياسيّة والقبليّة، والّذين أدمنوا الفساد منذ سنوات طويلة، وخاصّة في العقدين الأخيرين، مضوا قدمًا في اختلاس الأموال المقدّمة للشعب الفلسطيني من الدول المانحة لبناء قصور لهم ولمقرّبيهم، بينما تركوا النّاس عراةً، فاضطُرّ هؤلاء للعمل في بناء المستوطنات الإسرائيليّة التي تكاثرت وقضمت الشّجر والحجر.

هكذا أوصلت هذه القيادات البائسة، بجميع أطيافها ولا أستثني من هذا البؤس أحدًا، الشّعب الفلسطيني إلى هذا الدّرك. إنّه الدّرك الّذي يتمثّل في امتلاك هذه الـ "شلعة" الكبيرة. غير أنّه، شعبًا وقيادة، لا يعرف رعاية الماعز، لا ثقافيًّا ولا سياسيًّا ولا نضاليًّا، لأنّه لا يفقه العالم أصلاً.

وفي هذه الأثناء لم تتبقّ أماكن رعاية لتسريح كلّ هذه الماعز فامتلأ البيت الفلسطيني ثغاء وبكاء.

ليس فقط أنّ من تناديه لا حياة له، إنّه لا يمتلك أيضًا ذرّة من حياء.

والعقل وليّ التّوفيق!
***

المقالة نشرت أيضًا في: شفاف الشرق الأوسط
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

أصوات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • روبرت فروست

    يَقُولُ البَعْضُ: سَيَنْتَهِي العَالَمُ بِالنّارِ،
    وَالبَعْضُ يَقُولُ: بِالجَلِيدِ.

    مِمَّا كُنْتُ ذُقْتُ مِنَ الأَشْواقِ
    أَمِيلُ إلَى رَأْيِ القائِلِينَ بِالنّارِ.
  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك

    زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء من العالم هنا الآن

  • مواضيع مختارة