منتهى العجب في أحوال العرب

لقد أغرقنا الاستبداد ”الثوري“ العربي في بحر من الجهل بإشاعة الشعارات العاطفية المستندة إلى بلاغة عربية تليدة وبليدة

بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني

يكاد المرء يُصاب بمرض عضال من الملل، إن لم يكن مرضًا مزمنًا من الخجل، وذلك من جرّاء التكرار والاجترار...

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

لا يصلح الناس فوضى

كَيْفَ الرَّشادُ إذا ما كُنْتَ فِي نَفَرٍ لَهُمْ عَنِ الرُّشْدِ أَغْلالٌ وَأَقْيادُ.

12 نوفمبر 2010

كيانات عربيّة مشوّهة


إنّ التّعامُل مع لبنان وقضاياه هو أكثر شبهًا بالتّعامُل مع "الخرا البائت" منه مع أيّ شيء آخر.

--
سـلمان مصـالحة || كيانات عربيّة مشوّهة

الكلام التعميمي مشوب على العموم بميزة عدم الدقّة لأنّه يتجنّب الولوج إلى التفاصيل الصغيرة. ولكن، من جهة أخرى، فإنّ الكلام التعميمي ضروريّ في بعض الأحايين ابتغاء إبلاغ رسالة حادّة للقارئ، وعلى وجه الخصوص القارئ العربي في هذا الفضاء الواسع الضيّق في آن معًا.

من هنا، أبدأ فأقول إنّ التّعامُل مع لبنان وقضاياه هو أكثر شبهًا بالتّعامُل مع "الخرا البائت" منه مع أيّ شيء آخر. فمهما حاول المرء الاحتذار والمداراة فلا شكّ أنّه، ما أن تقع عليه فردة حذائه، حتّى تتلطّخ به وتملأ الفضاء روائحه الكريهة التي تزكم الأنوف والنفوس معًا. سيحتاج المرء إلى قوارير من العطور، الأجنبية الصنع طبعًا، للخروج من هذه الحال.

ولبنان هذا الّذي يتصدّر النشرات الإخبارية العربية هو حالة فريدة لكيان سياسي أضحى خليطًا من تشكيلة غريبة عجيبة. إنّها تشكلية تجمع بين الصومال من جهة، وبين سويسرا من جهة أخرى. أقول إنّه أشبه الصّومال لأنّه انبنى منذ تأسيسه على هذه التوازنات الطائفيّة الإثنية، ولم يقم على الأسس التي تنبني عليها الدول وتتكوّن معها الهويّة الجامعة للشعب المنضوي بنوع من التوافق على حدّ أدنى من مكوّنات المجتمع المدني تحت هذه الهويّة.

البدايات عادة ما تكون ملتفعة بالآمال المعلّقة على الوليد الجديد، وعلى وجه الخصوص عندما يدور الحديث عن كلّ هذه الكيانات، هذا النّسل المشوّه، المسمّى دولاً خارجة من الانتدابات الغربية التي مكثت فترة قصيرة بعد أن خلفت قرونًا طويلة سالفة من حكم العثمانيين على هذه المنطقة.

الحروب الأهليّة في لبنان لا علاقة لها بالاستعمار ولا بالصهيونية فقد شهد هذا البلد حروبًا أهليّة منذ القدم ودائمًا كانت هذه الحروب تأتي على خلفية التوتّرات الدينية بين هذه التشكيلة الغريبة من القبائل البشرية التي استوطنت هذه البقعة. وعلى هذا الأساس فإنّ ما يجري في لبنان الآن هو استمرار لهذه الحال المشوّهة التي لم تخرج بعد من هذا الطور القبلي، دينيًّا واجتماعيًّا.

حتّى اللّغة السياسيّة في هذا البلد هي خير شاهد على هذا الفصام البنيوي. لقد كنت أشرت في الماضي إلى أنّ لغة المصطلحات المستعملة في السياسة اللبنانية تفضح هذا التشوّه البنيوي في هذا البلد. إنّه البلد - الوليد - في العالم، وعلى صغر حجمه، الّذي أضحى بثلاثة رؤوس بالتّمام والكمال، وربّما الحبل على الجرّار. فهنالك الرئيس سليمان، وهنالك الرئيس الحريري، وهنالك الرئيس بري. كلّهم رؤساء، وكلّ رئيس منهم يغنّي على ليلاه. فكم رئيسًا يتحمّل هذا البلد، وكم ليلى؟ أوليس في ذلك ما يفسّر حالة الفصام هذه؟

وكلّ هذا لا يكفي، إذ أنّ الكلام السياسي اللبناني يتّسع أيضًا إلى السيّد، والشّيخ، والبيك، والأمير وما إلى ذلك من ألقاب هي في نهاية المطاف زيادة بلّة على هذا الطّين القبلي والدّيني الّذي لا يوجد صمغ على وجه الأرض يستطيع أن يلصق أجزاءه ما دام على هذه الحال.

والحديث عن لبنان هو، في نهاية المطاف، حديث عن هذا المشرق العربي المأزوم في هويّاته المهزوم في إثنيّاته، في بطونه وأفخاذه منذ قديم الزّمان. دائمًا كان أصحاب الشّعارات ينحون باللائمة على الآخرين، لأنّ هذه هي أسهل الطرق للتنصُّل من المسؤولية. فهل دول الاستعمار ودول "الاستكبار" هي التي تورّث الرئاسات في بلاد العربان؟ أمّ أنّ دود العربان من عودهم ومن معدنهم هم؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح علانية ودون لفّ أو دوران. لأنّ الوصول إلى إجابة وافية شافية يتأتّى فقط بعد طرح السؤال الحقيقي.

أنظروا كيف هي حال العراق. إنّه كيان مسخ آخر في هذا الشّرق، إذ ما إن اختفى الدكتاتور المستبدّ الذي حكم بالحديد والنار عن الأنظار حتّى انفرط هذا الكيان المصطنع إلى مكوّناته القبليّة الإثنيّة والدينية والطائفيّة وأضحى القتل فيه على هذه الأسس، لا غير. وهذه هي الحال في مشرق العربان ومغربهم، فلسطينهم بلبنانهم، سودانهم ببيضانهم.

الشّعارات وحدها لا تكفي. الشعارات تدغدغ العواطف فحسب. أمّا الإجابات الشافية فهي تختفي وراء ستار شفّاف. والستار الشفّاف ليس إلاّ استعارة للشّجاعة على طرح الأسئلة الحقيقية، وعدم الاختباء وراء عاطفة كذوبة شاعت على ألسنة الكثيرين باسم العروبة.

لقد كنت أشرت في الماضي إلى أنّ العرب هم أحوج النّاس إلى أتاتورك عربيّ يفصل الدّين عن الدّولة. وما لم يوجد هذا الـ"أتاتورك" العربي، فإنّ العرب سيواصلون تخبّطهم. وحتّى التخبّط العربي سيظلّ عشوائيًّا كذهنيّتهم الّتي لم تعرف النّظام في يوم من الأيّام.

والعقل ولي التوفيق!
***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • هل البطون والأفخاذ عورة؟

    يتّضح ودون لفّ أو دوران أنّ مصطلح "الشّعب"، فيما يخصّ حضارة العرب لا يعني شيئًا سوى القبيلة. وما لم يواجه العرب هذه الحقيقة، والعمل على تغيير وتبديل هذا الدّيسك الّذي يعمل به حاسوبهم الذّهني...
نصوص نثرية
  • خيوط دخان

    البحث عن المكان هو بحث عن ساكن المكان، صائتًا كان أم صامتًا، رائدًا كان أم جامدًا. الصّامت صائتٌ من حيث هو يُخبر عن حاله بصمته، والرّائد يبحثُ عن أصوات جمدت أصداؤها في حجر، في أثرٍ باقٍ رغم تبدُّل السّنين والأعوام...
    تتمة الكلام

  • كيف يقولون "بدو" بالعبرية؟

    في المعبر الحدودي بين الأردن وإسرائيل، وضمن إجراءات عاديّة، يُنزلك سائق التّاكسي عند نقطة الجمارك لتنتقل عبرها مع حقائبك إلى الطّرف الآخر، ثمّ لشبّاك دفع رسوم المغادرة. من هناك تدلفُ إلى المخرج، حيث موقف الباص الّذي سيعبر بك الجسر والنّهر...
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
شعر
  • قصيدة ليست وطنية

    ما كُلُّ، مَنْ وَصَلَتْ
    أَخْبارُهُ الشُّهُبَا،
    فِي قَوْلِهِ أَلَقٌ، أوْ ضَاءَ
    مَا كَتَبَا.

    لكِنَّهُ، يَحْذقُ التَّلْمِيعَ
    فِي صُحُفٍ.
    بَاخَتْ ثَقَافَتُهَا
    وَاسْتُسْخِفَتْ نَسَبَا.
  • دوائر عربية

    عَفْوًا، سَئِمْتُ.
    سَأَرْحَلُ صَوْبَ الغُرُوبِ،

    أُبَدِّلُ

    ما كانَ أَثْقَلَ
    كاهِلِي. حَيْثُ النَّوائِبُ

    تَنْزِلُ
    تتمة الكلام
  • رحلة صوفية

    خُذُوا مِنِّي التِّلالَ،
    وَزَوِّدُونِي بِمَا يَكْفِي مِنَ
    القَلَقِ الدَّفِينِ.

    سَئِمْتُ مِنَ التَّرَدُّدِ
    فِي بِلادٍ، رَمَتْ حُلُمِي
    بِمَاءٍ مُسْتَكِينِ.




موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


شؤون محلية
  • أحلام اليقظة

    منــذ انتخابه لرئاسة الحكومة لم ينحرف الابن بنيامين عن هذه الرؤية. يمكن القول إنه في كل مــا يتعلق بالســلام بين اسرائيل والدول العربية، توجد لرئيــس الحكومة عقيــدة ثابتة اســتوعبها فــي بيــت والــده...
    تتمة الكلام

  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

  • خفايا اليسار الفلسطيني

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...

أرشيف الجهة

 
مختارات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

ترجمات عربية
  • قصائد هايكو

    لِرُؤْيَتِي طَاعِنًا فِي السّنّ،
    حَتَّى البَعُوضُ يَهْمِسُ
    قَرِيبًا مِنْ أُذُنِي.


  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي.

    تتمة الكلام


  • ألجير

    لو كان لي طفلةٌ أُخرى
    لأطلقتُ عليها اسمَ "ألجير"
    وَلكُنتُمْ سَتَحْنون أمامي الطّواقي الكولونياليّة
    وتُكَنّونني "أبو أَلْجيرْ" ...
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن

  • مواضيع مختارة


تصميم: SM
حقوق محفوظة © من جهة أخرى