كيانات عربيّة مشوّهة


إنّ التّعامُل مع لبنان وقضاياه هو أكثر شبهًا بالتّعامُل مع "الخرا البائت" منه مع أيّ شيء آخر.

--
سـلمان مصـالحة || كيانات عربيّة مشوّهة

الكلام التعميمي مشوب على العموم بميزة عدم الدقّة لأنّه يتجنّب الولوج إلى التفاصيل الصغيرة. ولكن، من جهة أخرى، فإنّ الكلام التعميمي ضروريّ في بعض الأحايين ابتغاء إبلاغ رسالة حادّة للقارئ، وعلى وجه الخصوص القارئ العربي في هذا الفضاء الواسع الضيّق في آن معًا.

من هنا، أبدأ فأقول إنّ التّعامُل مع لبنان وقضاياه هو أكثر شبهًا بالتّعامُل مع "الخرا البائت" منه مع أيّ شيء آخر. فمهما حاول المرء الاحتذار والمداراة فلا شكّ أنّه، ما أن تقع عليه فردة حذائه، حتّى تتلطّخ به وتملأ الفضاء روائحه الكريهة التي تزكم الأنوف والنفوس معًا. سيحتاج المرء إلى قوارير من العطور، الأجنبية الصنع طبعًا، للخروج من هذه الحال.

ولبنان هذا الّذي يتصدّر النشرات الإخبارية العربية هو حالة فريدة لكيان سياسي أضحى خليطًا من تشكيلة غريبة عجيبة. إنّها تشكلية تجمع بين الصومال من جهة، وبين سويسرا من جهة أخرى. أقول إنّه أشبه الصّومال لأنّه انبنى منذ تأسيسه على هذه التوازنات الطائفيّة الإثنية، ولم يقم على الأسس التي تنبني عليها الدول وتتكوّن معها الهويّة الجامعة للشعب المنضوي بنوع من التوافق على حدّ أدنى من مكوّنات المجتمع المدني تحت هذه الهويّة.

البدايات عادة ما تكون ملتفعة بالآمال المعلّقة على الوليد الجديد، وعلى وجه الخصوص عندما يدور الحديث عن كلّ هذه الكيانات، هذا النّسل المشوّه، المسمّى دولاً خارجة من الانتدابات الغربية التي مكثت فترة قصيرة بعد أن خلفت قرونًا طويلة سالفة من حكم العثمانيين على هذه المنطقة.

الحروب الأهليّة في لبنان لا علاقة لها بالاستعمار ولا بالصهيونية فقد شهد هذا البلد حروبًا أهليّة منذ القدم ودائمًا كانت هذه الحروب تأتي على خلفية التوتّرات الدينية بين هذه التشكيلة الغريبة من القبائل البشرية التي استوطنت هذه البقعة. وعلى هذا الأساس فإنّ ما يجري في لبنان الآن هو استمرار لهذه الحال المشوّهة التي لم تخرج بعد من هذا الطور القبلي، دينيًّا واجتماعيًّا.

حتّى اللّغة السياسيّة في هذا البلد هي خير شاهد على هذا الفصام البنيوي. لقد كنت أشرت في الماضي إلى أنّ لغة المصطلحات المستعملة في السياسة اللبنانية تفضح هذا التشوّه البنيوي في هذا البلد. إنّه البلد - الوليد - في العالم، وعلى صغر حجمه، الّذي أضحى بثلاثة رؤوس بالتّمام والكمال، وربّما الحبل على الجرّار. فهنالك الرئيس سليمان، وهنالك الرئيس الحريري، وهنالك الرئيس بري. كلّهم رؤساء، وكلّ رئيس منهم يغنّي على ليلاه. فكم رئيسًا يتحمّل هذا البلد، وكم ليلى؟ أوليس في ذلك ما يفسّر حالة الفصام هذه؟

وكلّ هذا لا يكفي، إذ أنّ الكلام السياسي اللبناني يتّسع أيضًا إلى السيّد، والشّيخ، والبيك، والأمير وما إلى ذلك من ألقاب هي في نهاية المطاف زيادة بلّة على هذا الطّين القبلي والدّيني الّذي لا يوجد صمغ على وجه الأرض يستطيع أن يلصق أجزاءه ما دام على هذه الحال.

والحديث عن لبنان هو، في نهاية المطاف، حديث عن هذا المشرق العربي المأزوم في هويّاته المهزوم في إثنيّاته، في بطونه وأفخاذه منذ قديم الزّمان. دائمًا كان أصحاب الشّعارات ينحون باللائمة على الآخرين، لأنّ هذه هي أسهل الطرق للتنصُّل من المسؤولية. فهل دول الاستعمار ودول "الاستكبار" هي التي تورّث الرئاسات في بلاد العربان؟ أمّ أنّ دود العربان من عودهم ومن معدنهم هم؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح علانية ودون لفّ أو دوران. لأنّ الوصول إلى إجابة وافية شافية يتأتّى فقط بعد طرح السؤال الحقيقي.

أنظروا كيف هي حال العراق. إنّه كيان مسخ آخر في هذا الشّرق، إذ ما إن اختفى الدكتاتور المستبدّ الذي حكم بالحديد والنار عن الأنظار حتّى انفرط هذا الكيان المصطنع إلى مكوّناته القبليّة الإثنيّة والدينية والطائفيّة وأضحى القتل فيه على هذه الأسس، لا غير. وهذه هي الحال في مشرق العربان ومغربهم، فلسطينهم بلبنانهم، سودانهم ببيضانهم.

الشّعارات وحدها لا تكفي. الشعارات تدغدغ العواطف فحسب. أمّا الإجابات الشافية فهي تختفي وراء ستار شفّاف. والستار الشفّاف ليس إلاّ استعارة للشّجاعة على طرح الأسئلة الحقيقية، وعدم الاختباء وراء عاطفة كذوبة شاعت على ألسنة الكثيرين باسم العروبة.

لقد كنت أشرت في الماضي إلى أنّ العرب هم أحوج النّاس إلى أتاتورك عربيّ يفصل الدّين عن الدّولة. وما لم يوجد هذا الـ"أتاتورك" العربي، فإنّ العرب سيواصلون تخبّطهم. وحتّى التخبّط العربي سيظلّ عشوائيًّا كذهنيّتهم الّتي لم تعرف النّظام في يوم من الأيّام.

والعقل ولي التوفيق!
***
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مشاركات:

تعقيبات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • كل يغني على ويلاه

    إنّ القطيعة التي فرضها الإسلام على العرب مع جذورهم الجاهلية قد سجنتهم في بوتقة الواحدية الأيديولوجية التي لا يمكن أن تكون إلاّ كابتة ومستبدّة، أي فاشية في نهاية المطاف...
  • عنصرية عربية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قضايا محلية
  • شعب واحد أم تشعّبات

    لم يتغيّر شيء في الذّهن العربيّ منذ الجاهليّة الجهلاء. فالوحدة السياسيّة الفاعلة في هذا المجتمع لا تزال إلى يومنا هذا هي وحدة القبيلة، والعشيرة، والحمولة والعائلة.
  • عروس عروبتكم

    منذ العام 67 وبعد حرب حزيران تسيطر إسرائيل على شطري مدينة القدس شرقها بغربها. وبين الفينة والأخرى تطفو على السّطح قضيّة القدس بأبعادها الفلسطينيّة، العربيّة والإسلاميّة.
قضايا ثقافية
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال...
موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


نصوص شعرية
  • رحلة صوفية

    خُذُوا مِنِّي التِّلالَ،
    وَزَوِّدُونِي بِمَا يَكْفِي مِنَ
    القَلَقِ الدَّفِينِ.

    سَئِمْتُ مِنَ التَّرَدُّدِ
    فِي بِلادٍ، رَمَتْ حُلُمِي
    بِمَاءٍ مُسْتَكِينِ.



  • لا أعرف الخيل

    لا أَعْرِفُ الخَيْلَ، لَمْ أَرْكَبْ
    عَلَى جَمَلِ. وَلا نَطَرْتُ نِسَاءَ
    الحَيِّ فِي الأَسَلِ.

    وَلَمْ أُسَرِّحْ نِيَاقًا فِي
    مَرَابِعِهَا، وَلا زَجَرْتُ ذِئَابَ
    البَرِّ عَنْ وَعِلِ.


  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.



أرشيف الجهة

الأكثر قراءة

 
دراسات
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • إيلوهيم في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."

  • الإسراء إلى هيكل سليمان

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
نصوص نثرية
  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة. اليد التي ارتفعت بحركة بطيئة وأمسكت بطرف منها ودّت أن تفعل هذه السّتارة أمرًا ما؛ أن لا تسمح مثلاً...
  • كل الطيور تؤدي إلى روما

    كنت لا أزال طفلاً يافعًا، ولم تكن تنقصني سذاجة من سذاجات تلك الأيّام الغابرة. آنذاك لم يخطر أبدًا على بالي العربيّة الغضّة طرفُ خيط أمسك به، أو فكرة تحملني على معرفة النّوايا الخفيّة لأسراب الطّيور الّتي كانت تحطّ في حقول الزّيتون لقرية المغار الجليليّة المطلّة على بحيرة طبريّة...
  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
ترجمات
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
لغات أخرى