عندما فرض النصارى الجزية على المسلمين


”ودخل نقفور إلى طرسوس، وصعد منبرها، وقال لمن حوله: أين أنا؟ قالوا: على منبر طرسوس. فقال: لا، ولكني على منبر بيت المقدس. وهذه كانت تمنعكم عن ذلك.“

سلمان مصالحة ||

عندما فرض النصارى الجزية على المسلمين


هذا العنوان قد يثير
الكثير من القرّاء، وخاصّة أنّه من الشائع الحديث عن حالات هي العكس من ذلك تمامًا. صحيح أنّ الجزية التي تُفرض على أهل الكتاب هي جزء من العقيدة الإسلامية منذ بداية الصراع الإسلامي مع سائر المعتقدات، وصحيح أنّ التاريخ العربي والإسلامي يكشف لنا مع الكثير من التوسُّع عن هذه المعاملات مع الأقوام في البلدان التي احتلّتها الجيوش الإسلامية الغازية. كما لا يزال هنالك وإلى يومنا هذا الكثير من الإسلاميين الّذين ما زالوا يتمسّكون بهذه الأيديولوجيّة الغابرة ويعبّرون عن تمسّكهم بهذه التوجهات علانية.

غير أنّنا في هذه المقالة الآن سنتعرّض إلى حالات لا تصل إلى مسامع القارئ العربي أحيانًا. إنّها حالات معكوسة بالضبط، حيث فرض فيها النصارى بالذّات هذه الجزية على المسلمين. وعلى ما يبدو فقد كان هؤلاء النصارى يعلمون الكثير عن معاملة المسلمين السيئة لأبناء عقيدتهم، ولذا فقد قرّر هؤلاء أن يعاملوا المسلمين بمثل ما كان المسلمون يعاملونهم عندما يحتلّون بلادهم.

نعود إلى التاريخ، وإلى القرن
العاشر على وجه التحديد، لكي نقرأ ما دوّنه لنا السلف من أحداث في هذه المنطقة، وعلى وجه التحديد في المناطق الحدودية، مناطق التماس الشمالية بين الإسلام والمسيحية، أي إلى ثغور الشام الممتدّة بين أنطاكية وحلب وبلاد الرّوم. سأتطرّق في هذه المقالة إلى ما حصل في مدينة واحدة من هذه الثغور، وأعني بها مدينة طرسوس، وهي المدينة التي تقع هذه الأيّام في جنوب تركيا.

في تلك الفترة من القرن العاشر كانت الحروب متواصلة بين المسلمين والروم في هذه الأصقاع، كما في غيرها من نقاط التماس بين المسلمين وسائر الأقوام. لقد كانت هذه المدينة قد احتُلّت من قبل ووقعت تحت الحكم الإسلامي، وكان ابن الزيّات واليًا عليها في عهد سيف الدولة. وكما تذكر الروايات فقد كان المسلمون فيها ”بأحسن حال“. غير أنّ أوضاع المسلمين قد تغيّرت بمرور الوقت، فقد انشغل هؤلاء ببعضهم البعض: ”هذا وسيف الدولة حيّ يرزق بميّافارقين والملوك كلّ واحد مشغول بمحاربة جاره من المسلمين“ (ياقوت الحموي، كتاب البلدان، ج 4، ص 28)

نقفور ملك الرّوم:
لقد استمرّ وضع الثغور على تلك الحال، بل ولانشغال المسلمين ببعضهم البعض فقد تركت تلك الثغور لتواجه مصيرها بنفسها: ”وتخلى ملوك الإسلام عن أهل الرباط بها“. (أبو الفدا: تاريخ حلب، ج 1 ص 24) وهكذا، وعندما ملك نقفور الفقاس (Nikephoros II Phokas) بين السنوات 963–969 للميلاد على أرض الرّوم فقد قرّر أن يسترجع تلك البلاد التي وقعت تحت الاحتلال الإسلامي: ”إلى أن كان سنة 354 {هـ} فان نقفور ملك الروم استولى على الثغور وفتح المصيصة... ثم رحل عنها ونزل على طرسوس... وكان بها من قبل سيف الدولة رجل يقال له ابن الزّيّات ورشيق النسيمي مولاه فسلّما إليه المدينة على الأمان والصلح...“ (ياقوت: بلدان)

كيف تمّ التسليم؟
لقد دخل نقفور مدينة طرسوس في سنة 965 للميلاد، وتقدّم كما تفيد الرواية التي دوّنها أبو الفدا، ثمّ: ”نصب رمحين، جعل على أحدهما مصحفًا، وعلى الآخر صليبًا، ثم قال لهم: من اختار بلاد الإسلام فليقف تحت المصحف؛ ومن اختار بلاد النصرانية فليقف تحت الصليب.“ (أبو الفدا، تاريخ حلب، ج 1 ص 24).

بل وأكثر من ذلك، فهنالك من يروي بتفصيل أكثر خطبة ملك الروم قبل جلاء المسلمين عنها: ”وحدث أبو القاسم التنوخي قال: أخبرني جماعة ممن جلا عن ذلك الثغر أن نقفور لما فتح طرسوس نصب في ظاهرها علمين ونادى مناديه: من أراد بلاد الملك الرحيم وأحبّ العدل والنّصفة والأمن على المال والأهل والنفس والولد وأمن السبل وصحة الأحكام والإحسان في المعاملة وحفظ الفروج وكذا وكذا، وعد أشياء جميلة، فليصر تحت هذا العلم ليقفل مع الملك إلى بلاد الروم، ومن أراد الزنا واللواط والجور في الأحكام والأعمال وأخذ الضرائب وتملّك الضياع عليه وغصب الأموال، وعد أشياء من هذا النوع غير جميلة، فليحصل تحت هذا العلم إلى بلاد الإسلام.“ (ياقوت، بلدان)

شروط ملك النصارى:
لقد وضع نقفور شروطًا على المسلمين لدى تسليم المدينة. إمّا الجلاء، أو بتعابير هذا العصر - ترانسفير، وإمّا البقاء بوصفهم أهل ذمّة يدفعون الجزية، وإمّا التنصّر: ”واشترط تخريب الجامع والمساجد، وأنه من أراد المقام في البلد على الذمّة وأداء الجزية فعل، وإن تنصّر فله الحباء والكرامة وتقرّ عليه نعمته.“ (ياقوت: بلدان).

وهكذا، تفرّق أهل طرسوس، ”وخرج أكثر الناس يقصدون بلاد الإسلام وتفرّقوا فيها“، غير أنّ البعض منهم قد تنصّر ”فأقرّت نعمهم عليهم وأقام نفر يسير على الجزية،“. ثمّ طفق نقفور في تخريب المساجد وإحراق المصاحف: ”وملك نقفور البلد فأحرق المصاحف وخرّب المساجد وأخذ من خزائن السلاح ما لم يسمع بمثله، مما كان جُمع من أيّام بني أميّة إلى هذه الغاية.“ (ياقوت: بلدان)

وتفيد الروايات أنّ عدد المسلمين الذين جلوا عن طرسوس بعد تسليمها لنقفور قد بلغ مائة ألف: ”فخرج المسلمون فحُرزوا بمائة ألف ما بين رجل وامرأة وصبي“ (أبو الفدا: تاريخ حلب)

تراجيديا إنسانية:
لدى قراءة الروايات يمكن الوقوف على تلك التراجيديا الإنسانية التي حصلت مع احتلال طرسوس: ”ودخل الروم إلى طرسوس فأخذ كلّ واحد من الروم دار رجل من المسلمين بما فيها ثم يتوكل ببابها ولا يطلق لصاحبها إلا حمل الخفّ فان رآه قد تجاوز منعه حتى إذا خرج منها صاحبها دخلها النصراني فاحتوى على ما فيها.“ (ياقوت، بلدان)

ليس هذا فحسب، بل إنّ التراجيديا تزداد بسبب ما يُستشفّ من الحال والأعوام التي سبقت. إذ تشي الرواية بما جرى للنساء النصرانيّات مع احتلال المسلمين للمدينة. وكما جرت العادة في تلك الأيّام فقد سُبيت النساء النصرانيّات وتملّكهنّ رجال من المسلمين، وأنجبن منهم أولادًا.

والآن، ومع استرجاع الرّوم لطرسوس ووضع شروط التّسليم، تشير الرواية إلى تفريق الأبناء عن الآباء. إذ أنّ أولئك النسوة من السّبايا شعرن بالحرية من جديد، وانحزن إلى أهلهنّ من بلاد الرّوم. وهكذا تستمرّ الرواية في سرد الأحداث التراجيدية: ”وتقاعد بالمسلمين أمهات أولادهم لما رأين أهاليهنّ، وقالت: أنا الآن حرّة لا حاجة لي في صحبتك، فمنهنّ من رمت بولدها على أبيه، ومنهنّ من منعت الأب من ولده فنشأ نصرانيّا، فكان الإنسان يجيء إلى عسكر الروم فيودع ولدَه ويبكي ويصرخ وينصرفُ على أقبح صورة حتى بكى الروم رقّةً لهم. (ياقوت، بلدان)

الوجهة - بيت المقدس:
نقفور، ملك النصارى، كان يفكّر في مواصلة القتال للعودة والسيطرة على بيت المقدس. هذا ما يُستشفّ من مجريات الأحداث التي حفظتها لنا الرواية: ”ودخل نقفور إلى طرسوس، وصعد منبرها، وقال لمن حوله: أين أنا؟ قالوا: على منبر طرسوس. فقال: لا، ولكني على منبر بيت المقدس. وهذه كانت تمنعكم عن ذلك.“ (أبو الفدا، تاريخ حلب).

وهكذا نرى أنّ هذا الشّرق مأزوم برجاله ومعتقداته وسلوكيّاته منذ قديم الزّمان. وما أحوال هذا الشرق في هذه الأيّام سوى تكرار ورجع صدى لذلك الماضي الغابر الذي لا يستطيع منه أهل هذه المعتقدات المشرقية فكاكًا.

إنّ من يرغب في دفع هذا الشرق قدمًا، لزام عليه أن يترك كلّ الماضي للمؤرّخين فحسب، لا أن يعيش الآن ليل نهار في هذا الماضي ومآسيه. إذ، لكثرة ما في هذا المشرق من ماضٍ ومن معتقدات ومآسٍ فمن الصعب على المرء أن يرى المستقبل.

والعقل ولي التوفيق!
*
نشر: إيلاف
***

كاريكاتير لغة أمّ

إلاّ "العروبة" أعيت من يداويها:
سلمان مصالحة || كاريكاتير لغة أمّ


ما شا اللّه! هنالك كثيرون يهتمّون بلغة الأمّ. لقد أنعمت عليهم إسرائيل بميزانية لمجامع لغة أمّهم، وذلك لكي ينشغلوا بقضايا تتعلّق بلغة أمّهم وأمّ أمّهم. هنالك كثيرون يعتقدون أنّ اللّغة هي مجرّد صفّ كلام، ليس إلاّ. بل وهنالك من يعتقد أنّه بمجرّد استخدام كلمات وتعابير فخمة فإنّه يوهم القارئ بعلمه الوفير.

أنظروا النموذج التالي على سبيل المثال لا الحصر: ”كما تتناول المحاضرة دورة ثنائية الخرائط في خلق الغربة بين الإنسان وحيزه“. ما شا اللّه! ليست أحادية أو ثلاثية، بل هي دورة ثنائية الخرائط. ليس هذا فحسب، بل ”تتناول المحاضرة دورة ثنائية الخرائط في خلق“، ليس فقط في خلق، بل ”في خلق الغربة بين الإنسان وحيزه“.

إذا كان هنالك عربيّ على وجه الأرض يفهم شيئًا من هذا الكلام، فلا شكّ أنّه سيكون من الفرقة الناجية.


وفي ذلك نقول:

لقد آن الأوان إلى فرض جمارك، ليس على الحكي فحسب، بل وعلى الكتابة والمحاضرات أيضًا.

والعقل ولي التوفيق!
*


جرائم النّظام والمعارضة

أيًّا كان مصدر هذه الجرائم البربريّة البشعة التي يشاهدها العالم بأسره في وسائل الاتّصال الحديثة، أكان مرتكبوها من شبّيحة وزبانية النّظام الفاشي أو كان مرتكبوها ممّن ينتمون إلى معارضي هذا النّظام، فإنّ من ينتمي إلى فصيلة الإنسان العاقل يقف مصدومًا أمام هول هذه الحال الإنسانيّة البرّيّة.


سلمان مصالحة || جرائم النّظام والمعارضة

أُشيعت مؤخّرًا
في الكثير من المواقع، وفي اليوتيوب خاصّة، سلسلة من الأفلام التي توثّق جرائم القتل والتمثيل بجثث أتباع النّظام البعثي الفاشي الّذين يشاركون هم بدورهم طبعًا في ماكينة القمع الوحشية للمنتفضين السوريين ضدّ هذا النّظام الإجرامي ذاته. هذه المرّة تأتي هذه الأفلام على غرار تلك الأفلام الّتي وثّقت جرائم الشبّيحة وجيش النّظام بحقّ المواطنين السوريّين.

أي أنّنا قد وجدنا أنفسنا الآن أمام حقيقة هذه الحال الّتي يشهدها هذا البلد المشرقي منذ عام ونصف. إنّ هذا النّظام الأسدي القرداحي الّذي اتّخذ من الحزب العروبي الفاشي مطيّة بلاغية ليس إلاّ، هدف في نهاية المطاف إلى تكريس سلطته القبليّة والطائفيّة. وها هو النّظام ذاته يواجه الآن هذه الأنابيت البشعة الّتي هي من مخلّفات زرعه القبليّ والطائفيّ. إذ أنّنا نقف الآن أمام الحقيقة المتلخّصة في أنّ يدَيْ هذا النّظام قد أوْكَتا كلّ هذه الجرائم الطائفيّة وفاه قد نفخَ كلّ هذا الخراب الإثني والطائفي.

إنّ ما يجري على الساحة السوريّة
ومنذ شهور طويلة هو خير دليل على هذا الخراب، وهو خير شاهد على هذا الخواء الذي تتّسم به هذه البقعة من الأرض. غير أنّ هذا الخواء، الأخلاقي في الأساس، ليس جديدًا مُستحدَثًا في هذا الزّمان. إنّه جزء من طبيعة هذه المنطقة الّتي لم تتطبّع في يوم من الأيّام بطباع المدنيّة.

لقد وقف العلاّمة ابن خلدون طاب ثراه ومثواه، ومنذ زمان طويل، على هذه الطّباع الّتي لم تقبل تطبُّع العمران في يوم الأيّام: "العرب إذا تغلّبوا على أوطان أسرع إليها الخراب، والسّبب في ذلك أنّهم أمّة وحشيّة باستحكام عوائد التوحّش فيهم فصار لهم خُلقًا وجبلّة، وكان عندهم ملذوذًا... هذه الطّبيعة منافية للعمران ومناقضة له... فالحَجَرُ مثلاً إنّما حاجتهم إليه لنصبه أثافي القدر فينقلونه من المباني ويخرّبونها عليه... لذلك فصارت طبيعة وجودهم منافية للبناء الّذي هو أصل العمران..." (مقدّمة ابن خلدون، ص 146).

لقد تحدّث ابن خلدون عن العمران الماديّ في معرض تطرّقه إلى ما يتعلّق بالعرب، غير أنّه حريّ بنا أن نوسّع هذا المنهج الخلدوني إلى فضاء جديد والحديث عن عمران من نوع آخر، ونقصد به العمران الرّوحي. فإذا كان ابن خلدون قد تحدّث عن الحجر، فإنّنا نرغب في توسيع مقولته إلى الحديث عن البشر.

أيًّا كان مصدر هذه الجرائم
البربريّة البشعة التي يشاهدها العالم بأسره في وسائل الاتّصال الحديثة، أكان مرتكبوها من شبّيحة وزبانية النّظام الفاشي أو كان مرتكبوها ممّن ينتمون إلى معارضي هذا النّظام، فإنّ من ينتمي إلى فصيلة الإنسان العاقل يقف مصدومًا أمام هول هذه الحال الإنسانيّة البرّيّة.

عندما يتحدّث ابن خلدون عن الحجر كحاجة عربية لأثافي القدور، فإنّي استذكر تلك الحاجة العربيّة في استخدام البشر لأثافي القدور ذاتها. إذ أنّ ما يشاهده العرب والعالم من جرائم هذا الزّمان يمكن أن نحيله إلى هذا التراث الّذي تترعرع عليه الأجيال العربية.

لنقرأ، على سبيل المثال،
ما دوّنه لنا السّلف عن خالد بن الوليد، الملقّب بـ“سيف الله المسلول“، وكيف أمر بقطع رأس مالك بن نويره لكي يُستخدَم أثفية لقدر يُطبخ فيها لعسكره: "كان مالك من أكثر النّاس شَعْرًا، وأنّ العسكر أثّفوا القدور برؤوسهم، فما من رأس إلاّ وصلت النّار إلى بشرته، ما خلا مالكًا فإنّ القدر نضجت وما نضجَ رأسُه من كثرة شَعْره، ووقى الشّعرُ البشرةَ من حرّ النّار أن تبلغ منه ذلك". ليس هذا فحسب، بل إنّ التّراث يعلّمنا أنّ خالدًا بن الوليد قد فعل ذلك لأنّه رغب في امرأة مالك الّتي قيل عنها "إنّه لم يُرَ أحسنُ من ساقيها". وبالفعل، "يُقال إنّ خالد بن الوليد تزوّج بامرأة مالك ودخل بها، وعلى ذلك أجمع أهلُ العلم" (يمكن العودة إلى هذا الخبر في تاريخ الرسل والملوك للطبري، في البداية والنهاية لابن كثير، في كتاب الفتوح لابن أعثم، في الإصابة لابن حجر وغيرها الكثير).

ولنقرأ، على سبيل المثال أيضًا، عن مصير رأس الحسين بن عليّ. فقد دوّن لنا السّلف كيف وضع عبيد الله بن زياد رأسه في طست "وجعل ينكت فيه بقضيبه" (يمكن العودة للخبر في تاريخ الرسل والملوك للطبري، في بحار الأنوار للمجلسي، وفي الكثير من المصادر الأخرى). وهناك الكثير الكثير من هذا التراث الدّموي الذي تشبّ عليه الأجيال العربية.

إنّ ما يبرز على السّطح
في هذه الأقطار العربيّة الّتي خرجت من الرّكام العثماني، ثمّ الإمبريالي، هو الفشل الذّريع في بناء العمران الرّوحي، أي العمران البشري الّذي يشدّ بعضه بعضًا. لقد خرجت هذه الأقطار من استبداد واحد إلى استبداد آخر بعباءة ”وطنيّة“ في الظّاهر، بينما كانت قبليّة وطائفيّة في الباطن. بكلمات أخرى، لقد بدّلت هذه الأقطار الاستعمار الأجنبي باستعمار قبليّ من قِبَل هؤلاء الّذين يُطلق عليهم مصطلح ذوي القُربى.

لقد وضع الشاعر العربي القديم إصبعه على حقيقة إنسانية جوهريّة بوصفه الظّلم الجائي من ذوي القربى بأنّه ”أشدّ مضاضةً“. نعم، إنّه أشدّ مضاضة لأنّه يكشف زيف القربى ويحيل الإنسان إلى حال اليأس والاكتئاب. إنّ هذا الظّلم المتفشّي في ربوعه يحيله إلى حال عدم الثقة ببني البشر أصلاً. إنّ فقدان هذه الثقة بالبشر هو أساس الخراب، هو أسّ الخواء الأخلاقي، وهو الذي يُفضي إلى التفكّك والاندثار الرّوحي. نعم، إنّه النّقيض للعمران البشري أيضًا.

هذا هو، في الأساس، الفشل الكبير
لكلّ هذه الأنظمة المتهالكة في الأقطار ”العربية“. إذ لم تُفلح كلّ هذه الأنظمة، على اختلافها، في بناء شعوب متعاضدة كالبنيان الذي يشدّ بعضه بعضًا. لقد انبنت كلّ هذه الأنظمة على الاستبداد القبليّ والدينيّ. ولمّا كان الاستبداد القبليّ والدّيني نقيضًا للحريّة ونقيضًا للرّوح الإنسانية فإنّه لا يدوم على حاله. إنّه حال مؤقّتة سرعان ما تتهاوى أمام انتفاضة نشود الحريّة البشرية. والحريّة هي طبيعة بشريّة في نهاية المطاف.

إنّ الطريق الوحيدة للخروج من هذه الدوّامة الدمويّة العربية واضحة للعيان ولا حاجة إلى اختراع العجلة من جديد. ما على الإنسان العربي إلاّ أن يلتفت إلى العالم من حوله لكي يتلمّس الطريق الواضحة. من هنا، تبرز هذه الحاجة العربيّة الملحّة إلى بناء المجتمعات على أسس تتخطّى تلك الانتماءات القبليّة، الإثنيّة والدينيّة. إنّ بناءً كهذا لا يمكن أن يتحقّق إلاّ في دولة مدنيّة عابرة لكلّ هذه الانتماءات. هذا لا يعني عدم الانتماء وإنّما يضع البناء المجتمعي على أسس أقوى تنبني عليها المدنيّة الحديثة. لهذا السبب أيضًا، هنالك حاجة ملحّة لإعادة تقييم للحياة العربيّة، للحضارة العربيّة منذ أن ظهرت هذه على مسرح التاريخ.

كلّ ما يتمّ نشره من جرائم تُرتكب من قبل النّظام أو من قبل المعارضة في بلاد العرب تشير إلى أنّ ثمّة خيطًا رفيعًا، غير أنّه متين جدًّا، يربط بين هذه الجرائم الآن وتلك الجرائم المُوثّقة عربيًّا منذ قديم الزّمان والّتي أشرنا إلى أمثلة منها من قبل. لهذا، فإنّ كلّ من يرغب حقًّا بالخروج من هذه الدوّامات الدّمويّة العربيّة مُطالب إنّه مُطالب بالدّعوة إلى قطع هذا الخيط وقطع هذه الصّلة مع هذه الجرائم.

إذن، هنالك حاجة ملحّة
إلى إجراء حساب نفس عربيّ. ولكي يكون لحساب النّفس هذا تأثير على مصير العرب للأجيال القادمة فإنّه من الضروري أن يتمّ هذا الحساب علانية. من الضّروري أن يتمّ بأبعد حدود الصراحة. إنّه لمن الضروري أن يتمّ وضع كلّ شيء للمساءلة والمناقشة أمام أعين الجميع، وعدم إخفاء الأوساخ تحت البساط. إذ أنّه فقط بالمصارحة يمكن أن تتمّ المصالحة مع النّفس ومع الآخر. أمّا بانعدام هذا الحساب فما من طريق أمام هؤلاء البشر سوى طريق الخراب والخواء الأخلاقي.

والعقل وليّ التوفيق!
*
نشر: ”إيلاف“، 15 أغسطس 2012

***
For English, press here
For Polish, press here
___________________

سورية، والدواهي التي تحت السواهي


الصامت على الجريمة هو دائمًا شريك في ارتكابها. ولا أقصد هنا صمت البعض الذين يرزحون تحت سلطة تلك المافيات الإجرامية المستبدّة، بل أعني كلّ هؤلاء الذين يعيشون في بلاد أخرى ينعمون فيها برفاهية حرية التعبير عن الرأي. نعم، أعني كلّ هؤلاء الصامتين في الخارج.


سلمان مصالحة ||
سورية، والدواهي التي تحت السواهي

بعث لي صديق فلسطيني
قبل مدّة برسالة تحتوي على رابط لتقرير مفصّل نُشر في صحيفة بريطانية عن علاقات بعض المنتمين للمعارضة السورية وارتباطاتهم بدوائر غربيّة. والصديق الفلسطيني هو ممّن يُطلق عليهم في العلوم السياسية مصطلح ”اليسار العربي“. ولا شكّ أنّ التحقيق الصحفي عميق ويكشف الكثير من الأمور التي لا تصل القارئ العربي. لا أشكّ في نوايا هذا الصديق لأنّي أعرفه وأعرف أنّها طيّبة وتصبّ في نهاية المطاف في مصلحة المجتمعات التي نطمح جميعًا في الوصول إليها. لكن، ليس هذا هو المهمّ.

أعرف لماذا أرسل لي الصديق ذلك الرّابط. إنّه يعرف موقفي من النّظام البعثي، ليس من اليوم، بل من سنوات طويلة سابقة، ويمكنني القول، منذ عقود. إذ أنّي عبّرت عن ذلك كتابة وفي أكثر من منبر وعلى رؤوس الأشهاد، بدءًا بالبعث العراقي وانتهاءً بالبعث الشامي.

لقد كنت أشرت مرارًا وتكرارًا
إلى هذا الدّجل البعثي وإلى زيف هذه الأيديولوجية العنصرية، في الوقت الذي كان فيه مراهقو العروبة يحجّون لتقديم الولاء إلى زبانية هذه الأنظمة المافيوزية، وينقلون الرسائل الإسرائيلية للأسد الأب والابن والأرواح غير القدسيّة المحيطة بهما، بل ويفتتحون مكاتب سياحية لزيارة الشام والمصادقة على أسماء السيّاح، مستغلّين عواطف النّاس الذين يرغبون في زيارة أقربائهم الذين شاءت الظروف السياسية في قطع الاتّصال بينهم.

لقد انقلب بعض هؤلاء المراهقين العروبيين الآن إلى ناحية أخرى ويظهرون في الصحف وعلى الشاشات بمظهر المناصرين للانتفاضة السورية. لا أريد أن أشكّك في مواقف هؤلاء الآن، غير أنّ النّظام البعثي الذي هلّلوا له في الماضي هو ذاته الذي انتقل من الأب إلى الابن. إنّه النّظام البعثي ذاته الذي أزهق عشرات الآلاف من الأرواح البريئة والمقدّسة منذ استلم السلطة. هل للبترودولارات القبليّة دور في ذلك؟ قد يكون، لا أدري.

إنّ صمت كلّ هؤلاء
في الماضي على الجرائم البعثية كان جزءًا من الدّرك الأخلاقي العروبي. لقد كان هؤلاء المراهقون العروبيّون يعلمون حقّ العلم عن كلّ جرائم البعث العراقي والشّامي ضدّ الأكراد في هذه البلدان، وصمتوا صمت القبور عليها. لقد كانوا يعلمون حقّ العلم الطبيعة القبلية لهذه الأنظمة الإجرامية المستبدّة، ليس تجاه الأكراد فقط، بل تجاه المذاهب والطوائف العربية الأخرى في تلك البلدان، ورغم ذلك فقد واصلوا الصمت.

الصامت على الجريمة هو دائمًا شريك في ارتكابها. ولا أقصد هنا صمت البعض الذين يرزحون تحت سلطة تلك المافيات الإجرامية المستبدّة، بل أعني كلّ هؤلاء الذين يعيشون في بلاد أخرى ينعمون فيها برفاهية حرية التعبير عن الرأي. نعم، أعني كلّ هؤلاء الصامتين في الخارج.

والأنكى من كلّ هؤلاء
هم صنف من هؤلاء ”اليساريين“، الذين ينعمون برفاهية الحرية في العالم البعيد عن الاستبداد. غير أنّهم لا يصمتون، بل يظهرون على الملأ منافحين عن الاستبداد العربي. فيا لها من سخرية! لا أدري كيف يمكن أن نصنّف هؤلاء، غير أنّ أقرب توصيف لحالهم هو أنّهم فصيلة غريبة عجيبة من المخلوقات العربية الدّاجلة.

هؤلاء ليسوا يسارًا بالمرّة، بل إنّهم في الحقيقة ينتمون إلى أيديولوجية أصولية هي أقرب إلى الدين منها إلى السياسة. ومثلما تقسم الأصولية الدينية العالم والبشر إلى ”نحن“ و”هم“ - نحن الخير وهم الشرّ. هكذا يقسم هؤلاء العالم، على غرار آيات الله الخمينيين، إلى الشيطان الأكبر والاستكبار مقابل أتباعهم من ”الأخيار“. يواصلون غيّهم في دعم هذه المافيات وذلك رغم كلّ الجرائم والأشرار التي ترتكبها. كما يواصل أتباعهم من جوقات الحمقى والمغفّلين بالتهليل لهذه المافيات ليل نهار.

وعود على بدء:
لقد أجبت على رسالة الصديق برسالة مقتضبة، بما معناه، ما الجديد في ذلك؟ وبكلمات أخرى: في السياسة والعلاقات الدولية هنالك دائمًا مصالح وأجندات وارتباطات، وهذا أمر مفهوم ومفروغ منه. غير أنّ كلّ ذلك لا يعني بأيّ حال أنّ النّظام البعثي يجب أن يبقى على صدور الشعب السّوري.

بالطبع، لجميع الدول مصالح هنا في هذه البقعة وفي كلّ مكان آخر. الدول العظمى الغربية والشرقية لها مصالح. والدول القوية غير العربية هنا في هذه البقعة لها مصالح أيضًا. وللدول العربية الأخرى، من العراق إلى مصر وإلى الخليج لها أيضًا مصالح في كلّ ما يجري. غير أنّ السؤال الأهمّ من كلّ ذلك والذي يجب أن يُطرح هو:

ما هي مصالح الشعب السوري؟
إذا رغبنا في استخدام المصطلح الإشكالي ”الشعب السوري“، فلا يمكن الحديث عن شعب ما دامت مافيا عائلية قبليّة تسيطر على مقاليد الأمور. نعم، إنّه أقرب توصيف لهذا النّظام الإجرامي. لا يوجد تصنيف آخر لنظام يقوم على الأعمام والأخوال والأصهار إلاّ تصنيف الجماعات المافيوزية. الغرابة لا تكمن في مسألة كيف انتفض النّاس على هذه المافيا الآن. الغريب في الأمر هو كيف صمتوا طوال كلّ هذه العقود على جرائم هذه المافيا؟

إنّ الخطر المُحدق بالشام في هذه الأيّام هو خطر التفتّت والتفكّك إلى مقاطعات مذهبية وعرقية. يجب ألاّ تغيب عن الذهن حقيقة أنّ خطر التفكّك هذا هو من صنع النّظام القبلي الإجرامي ذاته، لأنّه بنى وجوده على هذا الأساس أصلاً.

ولهذا السبب أيضًا،
يجب الحذر من الانجرار إلى هذا القاع المذهبي، الطائفي والعرقي. على العقلاء من المنتفضين السوريّين، بدءًا من قمّة المعارضة وانتهاء إلى القاع الشعبي، أن يكونوا عند حسن ظنّ السوريّين أنفسهم، على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم وأعراقهم. فهل سيكون هؤلاء حقًّا عند حسن ظنّ السوريّين، أم أنّهم سيُغرقون الشّام بأسرها في بحر الطائفية المقيتة من جديد؟

إنّ المسؤولية الملقاة على عاتقهم الآن هي اقتلاع هذا النّظام البعثي القبلي من جذوره وتحرير السوريّين، كلّ السوريّين، منه ومن مخلفّاته الإجرامية. فلا يمكن أصلاً أن ينوجد هنالك شعب سوريّ، بكلّ ما تحمله كلمة شعب من معنى إلاّ خارج الحدود الطائفيّة والعرقية.

وما لم يتمّ الانتقال إلى دولة المواطنة، التي تفصل الدين والعرق والطائفة والقبيلة عن الدولة، فلن تقوم للعرب دولة بما تعنيه الكلمة من معنى، ولن يقوم عندهم شعب أبدًا. بل سيظلّون هائمين على وجوههم في عداد الشراذم البشرية المتناحرة. هذه هي الحقيقة المرّة، وما سواها تفاصيل ثانوية.

والعقل ولي التوفيق!
*
نشر: ”إيلاف“، 9 أغسطس 2012

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008
______________

عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics