الاثنين، 3 فبراير، 2014

انتصار لبنان على المشرق العربي


الأيديولوجيّة العروبية على العموم، والبعثيّة على وجه الخصوص، لم تفلح في خلق دولة قوميّة. لقد تحوّلت هذه الأيديولوجية مع مرور الوقت إلى أداة للتسلّط القبلي والطائفي...


سلمان مصالحة || 

انتصار لبنان على المشرق العربي


الهبّة السوريّة المتواصلة منذ ثلاثة أعوام تكشف على الملأ مأزق الحال العربيّة، أو الحال العروبيّة على وجه التحديد. فعندما انطلقت شرارة الانتفاضات من تونس وحملتها الرياح الغربية شرقاً لتتسع إلى أصقاع مختلفة في هذا العالم العربي المريض، بدأ يتّضح أنّ هذه النيران اشتعلت في بلدان عربيّة دون غيرها.

فلو أمعنّا النّظر في ما جرى ولا يزال جارياً حتّى الآن، لرأينا أنّ النّيران أخذت بتلابيب تلك الأنظمة التي برزت على سطح الساحة العربية بعد عمليّات اغتصاب للسلطة بواسطة الانقلابات العسكرية. هذه الاغتصابات السّلطوية هي ما حصل على اتّساع الساحة العربية منذ منتصف القرن الفائت في مصر وليبيا واليمن وسورية والعراق.

عندما بدأت هذه الانتفاضات الشعبية العربية، وسمها الإعلام الغربي فألاً باسم «الربيع العربي»، فسارع الإعلام العربي إلى تلقُّف هذا المصطلح جهلاً بما يدور في ربوعه وأشاعه على الملأ العربي من دون أن يكلّف نفسه سبر أغوار هذه الاهتزازات الاجتماعية التي تشلّ الكثير من البلدان العربية التي حصلت فيها هذه الانتفاضات.

والسؤال الذي لا يجرؤ اليسار العربي، أو ما تبقّى منه، على طرحه في هذا السياق هو: كيف ذا، ولماذا، ضربت هذه الرجّات الكبرى كلّ تلك الدّول التي طالما أشبعتنا بشعارات الثورية والاشتراكية والديموقراطية والحرية والوحدوية والعروبة، وما إلى ذلك من تصانيف الدّجل البلاغي العربي؟ وكيف ذا، ولماذا، تخطّت هذه الاهتزازات كلّ تلك الإمارات والممالك العربيّة التي لم تفقد شرعيّتها في نظر العامّة؟

ولو رغبنا في الخوض عميقاً في توصيف هذه الحال العربيّة، فلا نجد مناصاً من وضع إصبعنا على الجرح العربي الدّامي. يمكننا القول في هذا السياق، إنّه، وباستثناء الحال المصريّة، وبصورة ما التونسية لأسباب أخرى، لا توجد في كلّ العالم العربي دولة قوميّة بما يحمله هذا المصطلح من دلالات. وبكلمات أخرى، فقط في سياق حدود الدولة المصرية، يمكننا الحديث عن «شعب مصري» ودولة قومية تحمل مقوّمات هذا المصطلح. بينما لا يمكننا إضفاء هذه الصفة على جمهرة البشر الذين يعيشون في حدود الدّول العربيّة المصطنعة الأخرى. على هذه الخلفيّة، وعلى رغم أنّ النّظام المصري من مخلّفات الاغتصاب العسكري للسلطة، فإنّ الجيش المصري يظلّ بقياداته وضبّاطه من نسيج «الشعب المصري» ومن صلبه، ولا يمكن بأيّ حال من الأحوال أن يستخدم ترسانته العسكرية للبطش بالشّعب الذي ينتمي إليه.

ليست هذه هي الحال مع سائر الأقطار العربية. إنّ الاغتصابات «الثورية» للسلطة في المواقع الأخرى بقيت مجرّد شعار فقط. لقد شكّلت شعارات الدّجل العروبي الرنّانة غطاءً لمؤامرات قبليّة طائفيّة للاستئثار بالسلطة وبموارد البلاد. وخير مثال، وربّما الأصحّ: شرّ مثال، على ذلك هو نظام البعث العراقي والسوري. إذ إنّ الأيديولوجية البعثيّة العروبيّة المعلنة شيء، بينما حقيقة ما يدور في الواقع كان شيئاً آخر مختلفاً تماماً.

«سورية ليست مصر»، صرّح بشّار الأسد مراراً وتكراراً لوسائل الإعلام مع بدء الهبّة السوريّة. لقد كان يعني ما يقول، وكان يعرف ما يقول. سورية ليست مصر حقّاً، والجيش السّوري ليس الجيش المصري. إذ إنّ الجيش السّوري ليس جيش الشّعب، فليس هنالك شعب أصلاً، بل هو جيش النّظام القبلي والطائفي، على غرار جيش البعث العراقي الآفل، جيش صدّام.

إذاً، الأيديولوجيّة العروبية على العموم، والبعثيّة على وجه الخصوص، لم تفلح في خلق دولة قوميّة. لقد تحوّلت هذه الأيديولوجية مع مرور الوقت إلى أداة للتسلّط القبلي والطائفي. لقد أوغلت هذه الأنظمة في القمع، لأنّ القمع جزء من تركيبتها، ومن ذهنيّتها الوحشيّة، القبليّة والطائفيّة السابقة للدّولة والسابقة للشعب. لهذا السبب جاء ردّ النّظام السّوري بهذه الوحشيّة البدائيّة على مطالب التحرّر السلميّة لبني البشر مع بداية الهبّة في ربوع الشام. وبعد الإيغال في كلّ هذه الجرائم، لم يعد لدى النّظام طريق رجعة. لقد اتّسعت رقعة الوحشية في الشام مع دخول العناصر الطائفيّة الوحشية الأخرى، الداعشية وغيرها، على الساحة السورية.

وهكذا، فإنّ الحال السوريّة ذاهبة، مثلما جرى في العراق، إلى تفكّك كبير. بل يمكننا القول إنّ سورية، تلك الدولة التي خرجت من رحم سايكس- بيكو، قضت نحبها. بكلمات أخرى، إنّها إعلان صريح بفشل هذه العروبة، وبفشل الدولة القومية في العالم العربي.

خلاصة القول، لقد انتصرت الحال اللبنانية على سائر المشرق العربي، فأهلاً وسهلاً بكم في ربوع المشيخات القبليّة والطائفيّة.
*
نشر: ”الحياة“، 3 فبراير 2014


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • شوون عربية

    دول ومجتمعات بلا حدود

    جزيرة العرب هي مهد «العروبة»، بمعنى طبيعة الأفراد المنتمين إليها إثنيًّا وثقافيًّا. لقد خرج العرب من الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، مكتسحين مناطق شاسعة في الجوار ومستوطنين فيها. إنّ الخروج من الجزيرة العربية لم يشكّل بأيّ حال خروجًا من الطبيعة البريّة والصحراوية للأفراد.

    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    جلسة لمساءلة النفس

    ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    شؤون فلسطينية

    نكبة الليلة ونكبة البارحة

    مرت الأعوام تلو الأعوام فوجد الفلسطينيون أنفسهم مؤخّرًا أنّ النكبات لم تعد حكرًا عليهم دون غيرهم، فنكبات الآخرين - سورية مثالاً - لا تقلّ مأساوية وبشاعة عن نكباتهم...

    تتمة الكلام


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام