عن مخترة جنبلاط وأمثاله

إنّ الزعامات الطائفية الوراثيّة والتوريثيّة في هذا المشرق، وجنبلاط أحد أمثلتها البارزة، لا يمكن بأيّ حال أن تشكّل مثالاً يُقتدى

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

باكستان الشرقية في فلسطين

عندما خطّط الانسحاب من قطاع غزّة كان يضع نصب عينيه شيئًا شبيهًا بما جرى في باكستان

الهوية المعقّدة للعرب في إسرائيل

الفوارق بين المكوّنات الطائفية لهذا المجتمع هي مجرّد أصداء لما هو حاصل في سائر المجتمعات العربية في هذا المشرق.

20.2.16

ملاحظات عابرة حول المأساة السورية


لكن ماذا لو؟ هذا هو السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان على خلفية هذه الجرائم التي ترتكبها القوات الروسية بحق المدنيين في هذا البلد.

سلمان مصالحة ||

ملاحظات عابرة حول المأساة السورية


هنالك من يطلق على الحرب التي تدور رحاها في الأراضي السورية مصطلح «حرب أهلية». فهل حقّاً هي كذلك؟ إنّ المجازر التي انكشفت على الملأ طوال السنوات الخمس المنصرمة وما أفرزته من بشاعات شاهدها القاصي والداني تُفرغ المصطلح من فحواه. لقد فرزت هذه الحرب الطاحنة سكّان هذا الكيان المصطنع إلى مكوّناتهم العرقية الطائفية والإثنية المتجذّرة في الذهنيّات منذ القدم. إنّها الذهنيات التي انبنت منها ذاكرتهم التاريخية طوال قرون طويلة من الصراعات فيما بينهم. عندما يدور الحديث عن حروب أهلية فإنّ الحروب تنشب على زعامة أو على أيديولوجية، بين من يعتبرون أنفسهم أهلاً. غير أنّ الحالة السورية، كحالات كثيرة في هذا المشرق، هي بخلاف ذلك. وهذا ما يعني، في نهاية المطاف، أنّ كلّ هؤلاء المتجازرين في ما بينهم لم يكونوا في يوم من الأيّام «أهلاً» لتكون حروبهم أهلية، إذ إنّ ولاءاتهم هي لمكوّنات أكثر اختلافاً منها ائتلافاً، ولذا أيضاً فإنّ استخدام مصطلح «حرب أهلية» في شأنهم هو خاطئ من الأساس. إنّ هذه الحرب الدائرة منذ سنوات والتي استنزفت مئات آلاف الضحايا وملايين المقتلعين من أوطانهم هي حرب قبلية طائفية ليس إلاّ.

ومنذ أن دخل اللاعب الروسي على الساحة السورية بآلته العسكرية العظمى وعمليات القصف البساطية على مناطق كانت قد تحرّرت من قبضة الاستبداد البعثي القرداحي، بحجّة محاربة الإرهاب، بدأت تُنشر تقارير عن جرائم حرب يرتكبها هذا الدبّ الروسي في سورية. هذا ما أفادت به تقارير منظمة العفو الدولية غير مرّة في الشهور الأخيرة. لقد طاول القصف الروسي مؤخّراً مستشفيات تديرها منظمة أطبّاء بلا حدود بالإضافة إلى الكثير من الأحياء المدنية.

كالعادة، وكما هو متوقّع، تنفي روسيا كلّ هذه الاتّهامات. هذه هي الحال مع الدول العظمى التي لا يحاسبها أحد. ففي الماضي غير البعيد كانت روسيا قد سوّت بالأرض غروزني وبلداً كاملاً كالشيشان من دون أن يتحرّك أحد. غير أنّ صلف النّظام القرداحي جاء هذه المرّة على لسان موفده في الأمم المتحدة. لقد دان هذا المبعوث البعثي منظّمة «أطبّاء بلا حدود» واصفاً ايّاها بأنها «فرع للاستخبارات الفرنسية» يعمل في سورية من دون ترخيص. ليس هذا فحسب، بل يُضيف بلغة بعثية بائدة صفة «المزعوم» للمستشفى المقصوف.

إنّها اللغة ذاتها التي جلبت الوبال على هذه البقعة وعلى ساكنتها منذ عقود طويلة، وما بُدّلت تبديلاً.

لكن ماذا لو؟ هذا هو السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان على خلفية هذه الجرائم التي ترتكبها القوات الروسية بحق المدنيين في هذا البلد.

لو أنّ عمليّات القصف هذه جاءت من الجيش الأميركي أو البريطاني على سبيل المثال، لشاهدنا الصراخ والزعيق في تظاهرات تنطلق من العواصم العربية ضدّ التدخّل الأميركي والجرائم الغربية الاستعمارية. ناهيك عن تظاهرات تحرق فيها الأعلام الأميركية ورفع الشعارات عن «الشيطان الأكبر» و «الغرب الكافر» و «الهجمة الصليبية»، وما إلى ذلك من هذا الكلام الممجوج.

أمّا الآن، ومع هذه الجرائم البارزة للعيان، هنالك صمت تام في كلّ هذه العواصم التي شهدت تظاهرات كهذه في الماضي. إنّها ظاهرة بارزة بحاجة إلى دراسة على أصعدة نفسية واجتماعية وثقافية. إنّها ظاهرة في حاجة إلى تفسير. الحقيقة أنّني أبحث عن ذلك التفسير، غير أنّي لم أعثر بعد على إجابة عن هذا السؤال.

ثم إنه بعد مرور قرن على الخرائط التي رسمها الاستعمار إثر تفكيك السلطنة العثمانية، وما أعقب ذلك من إنشاء كيانات مصطنعة، قد يكون قد حان أوان خلط الأوراق مجدداً. فهل بدأت مشاريع رسم حدود جديدة في هذه المنطقة تأخذ بالحسبان مكوّناتها الدينية والإثنية؟

إذا كانت كيانات هذا المشرق لم تفلح في بناء دولة المواطنة العابرة للأديان، للطوائف والإثنيات، فما الذي يضمن لنا عودتها إلى سابق عهدها بعد كلّ هذه المجازر؟ إنّ هذه المأساة المشرقية التي تبرز المأساة السورية كأكبر شاهد عليها لا يمكن أن تتداركها الذاكرة بين ليلة وضحاها. ما من شكّ في أنّها ستبقى في نفسيّات البشر لعقود طويلة، إن لم نقل لقرون طويلة مقبلة.

وما دامت هذه هي الحال، فإنّ ما كان لن يكون وحريّ بكلّ من لا يزال يملك ذرّة من بصيرة، وبكلّ من لا يزال يملك إحساساً إنسانياً أن يبدأ البحث عن حلول أخرى تضمن للبشر حقوقهم الطبيعية بعيداً من شعارات البلاغة العربية التي لم تجلب على أهلها سوى الدمار.

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح في كلّ لقاء بين المكوّنات البشرية لهذه البقعة التي لم تكن في يوم من الأيّام أهلاً. وما لم نطرح الأسئلة بصراحة، فلن نصل إلى سواء السبيل وسنبقى ندور في حلقات مفرغة، وقد ننعم بفسحات قصيرة بين شلالات الدماء التي لن تنتهي.

نشر: ”الحياة“، 20 فبراير 2016

مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • شوون عربية

    دول ومجتمعات بلا حدود

    جزيرة العرب هي مهد «العروبة»، بمعنى طبيعة الأفراد المنتمين إليها إثنيًّا وثقافيًّا. لقد خرج العرب من الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، مكتسحين مناطق شاسعة في الجوار ومستوطنين فيها. إنّ الخروج من الجزيرة العربية لم يشكّل بأيّ حال خروجًا من الطبيعة البريّة والصحراوية للأفراد.

    تتمة الكلام

    جلسة لمساءلة النفس

    ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    نكبة الليلة ونكبة البارحة

    مرت الأعوام تلو الأعوام فوجد الفلسطينيون أنفسهم مؤخّرًا أنّ النكبات لم تعد حكرًا عليهم دون غيرهم، فنكبات الآخرين - سورية مثالاً - لا تقلّ مأساوية وبشاعة عن نكباتهم...

    تتمة الكلام


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام