20 فبراير 2016

ملاحظات عابرة حول المأساة السورية


لكن ماذا لو؟ هذا هو السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان على خلفية هذه الجرائم التي ترتكبها القوات الروسية بحق المدنيين في هذا البلد.

سلمان مصالحة ||

ملاحظات عابرة حول المأساة السورية


هنالك من يطلق على الحرب التي تدور رحاها في الأراضي السورية مصطلح «حرب أهلية». فهل حقّاً هي كذلك؟ إنّ المجازر التي انكشفت على الملأ طوال السنوات الخمس المنصرمة وما أفرزته من بشاعات شاهدها القاصي والداني تُفرغ المصطلح من فحواه. لقد فرزت هذه الحرب الطاحنة سكّان هذا الكيان المصطنع إلى مكوّناتهم العرقية الطائفية والإثنية المتجذّرة في الذهنيّات منذ القدم. إنّها الذهنيات التي انبنت منها ذاكرتهم التاريخية طوال قرون طويلة من الصراعات فيما بينهم. عندما يدور الحديث عن حروب أهلية فإنّ الحروب تنشب على زعامة أو على أيديولوجية، بين من يعتبرون أنفسهم أهلاً. غير أنّ الحالة السورية، كحالات كثيرة في هذا المشرق، هي بخلاف ذلك. وهذا ما يعني، في نهاية المطاف، أنّ كلّ هؤلاء المتجازرين في ما بينهم لم يكونوا في يوم من الأيّام «أهلاً» لتكون حروبهم أهلية، إذ إنّ ولاءاتهم هي لمكوّنات أكثر اختلافاً منها ائتلافاً، ولذا أيضاً فإنّ استخدام مصطلح «حرب أهلية» في شأنهم هو خاطئ من الأساس. إنّ هذه الحرب الدائرة منذ سنوات والتي استنزفت مئات آلاف الضحايا وملايين المقتلعين من أوطانهم هي حرب قبلية طائفية ليس إلاّ.

ومنذ أن دخل اللاعب الروسي على الساحة السورية بآلته العسكرية العظمى وعمليات القصف البساطية على مناطق كانت قد تحرّرت من قبضة الاستبداد البعثي القرداحي، بحجّة محاربة الإرهاب، بدأت تُنشر تقارير عن جرائم حرب يرتكبها هذا الدبّ الروسي في سورية. هذا ما أفادت به تقارير منظمة العفو الدولية غير مرّة في الشهور الأخيرة. لقد طاول القصف الروسي مؤخّراً مستشفيات تديرها منظمة أطبّاء بلا حدود بالإضافة إلى الكثير من الأحياء المدنية.

كالعادة، وكما هو متوقّع، تنفي روسيا كلّ هذه الاتّهامات. هذه هي الحال مع الدول العظمى التي لا يحاسبها أحد. ففي الماضي غير البعيد كانت روسيا قد سوّت بالأرض غروزني وبلداً كاملاً كالشيشان من دون أن يتحرّك أحد. غير أنّ صلف النّظام القرداحي جاء هذه المرّة على لسان موفده في الأمم المتحدة. لقد دان هذا المبعوث البعثي منظّمة «أطبّاء بلا حدود» واصفاً ايّاها بأنها «فرع للاستخبارات الفرنسية» يعمل في سورية من دون ترخيص. ليس هذا فحسب، بل يُضيف بلغة بعثية بائدة صفة «المزعوم» للمستشفى المقصوف.

إنّها اللغة ذاتها التي جلبت الوبال على هذه البقعة وعلى ساكنتها منذ عقود طويلة، وما بُدّلت تبديلاً.

لكن ماذا لو؟ هذا هو السؤال الذي يتبادر إلى الأذهان على خلفية هذه الجرائم التي ترتكبها القوات الروسية بحق المدنيين في هذا البلد.

لو أنّ عمليّات القصف هذه جاءت من الجيش الأميركي أو البريطاني على سبيل المثال، لشاهدنا الصراخ والزعيق في تظاهرات تنطلق من العواصم العربية ضدّ التدخّل الأميركي والجرائم الغربية الاستعمارية. ناهيك عن تظاهرات تحرق فيها الأعلام الأميركية ورفع الشعارات عن «الشيطان الأكبر» و «الغرب الكافر» و «الهجمة الصليبية»، وما إلى ذلك من هذا الكلام الممجوج.

أمّا الآن، ومع هذه الجرائم البارزة للعيان، هنالك صمت تام في كلّ هذه العواصم التي شهدت تظاهرات كهذه في الماضي. إنّها ظاهرة بارزة بحاجة إلى دراسة على أصعدة نفسية واجتماعية وثقافية. إنّها ظاهرة في حاجة إلى تفسير. الحقيقة أنّني أبحث عن ذلك التفسير، غير أنّي لم أعثر بعد على إجابة عن هذا السؤال.

ثم إنه بعد مرور قرن على الخرائط التي رسمها الاستعمار إثر تفكيك السلطنة العثمانية، وما أعقب ذلك من إنشاء كيانات مصطنعة، قد يكون قد حان أوان خلط الأوراق مجدداً. فهل بدأت مشاريع رسم حدود جديدة في هذه المنطقة تأخذ بالحسبان مكوّناتها الدينية والإثنية؟

إذا كانت كيانات هذا المشرق لم تفلح في بناء دولة المواطنة العابرة للأديان، للطوائف والإثنيات، فما الذي يضمن لنا عودتها إلى سابق عهدها بعد كلّ هذه المجازر؟ إنّ هذه المأساة المشرقية التي تبرز المأساة السورية كأكبر شاهد عليها لا يمكن أن تتداركها الذاكرة بين ليلة وضحاها. ما من شكّ في أنّها ستبقى في نفسيّات البشر لعقود طويلة، إن لم نقل لقرون طويلة مقبلة.

وما دامت هذه هي الحال، فإنّ ما كان لن يكون وحريّ بكلّ من لا يزال يملك ذرّة من بصيرة، وبكلّ من لا يزال يملك إحساساً إنسانياً أن يبدأ البحث عن حلول أخرى تضمن للبشر حقوقهم الطبيعية بعيداً من شعارات البلاغة العربية التي لم تجلب على أهلها سوى الدمار.

هذه هي الأسئلة التي يجب أن تُطرح في كلّ لقاء بين المكوّنات البشرية لهذه البقعة التي لم تكن في يوم من الأيّام أهلاً. وما لم نطرح الأسئلة بصراحة، فلن نصل إلى سواء السبيل وسنبقى ندور في حلقات مفرغة، وقد ننعم بفسحات قصيرة بين شلالات الدماء التي لن تنتهي.

نشر: ”الحياة“، 20 فبراير 2016
مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



مواضيع مختارة


أرشيف الجهة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن