مكبرات صوت أم مكابرات صوتيّة؟


إنّ مكبّرات الصوت في المساجد وما تثيره من إزعاج للمواطن هي مسألة تتخبّط فيها كلّ المجتمعات العربية...



سلمان مصالحة ||

مكبرات صوت أم مكابرات صوتيّة؟


لأنّ الأحوال بين اليهود والعرب، بين إسرائيل وفلسطين، غير طبيعية في هذه البلاد فإنّ كلّ ما يبدر من مطلب من جانب أحد الطرفين يثير حالا الكثير التوجّسات والشكوك لدى الطرف الآخر. هذا ما يظهر في الآونة الأخيرة على خلفية ما يتعلّق بمحاولة الحكومة الإسرائيلية دفع المصادقة على اقتراح قانون بخفض الأصوات الخارجة من مكبّرات الصوت المثبتة في المساجد وذلك لما تشكّله هذه من إزعاج للبشر القاطنين على مقربة من هذه المكبّرات الصوتية.

ولأنّ طبيعة هذه الحكومة الإسرائيلية، بتشكيلتها الائتلافية اليمينية وبممارساتها العنصرية في الكثير من الأحيان، لا تخفى على كلّ ذي بصر وبصيرة، فإنّ اقتراح قانون يُلزم بخفض الأصوات الصادرة من مكبّرات الصوت في المساجد يثير شكوك الطرف الآخر، أي المواطنين المسلمين. حيث يخرج الكثير من هؤلاء بدعاوى مثل كون هذه القوانين عنصرية وما شابه ذلك من مقولات. غير أنّ أحدًا من هؤلاء لم يكلّف نفسه بالنظر إلى هذه القضية من ناحية واقعية وما تشكّله ظاهرة هذه المكبّرات من أزعاج، ليس في الوسط اليهودي فحسب، بل في المدن والقرى العربية على وجه التحديد.

إنّ المدن والقرى العربية داخل إسرائيل تعاني من ظاهرة مكبّرات الصوت ليس فقط تلك المثبتة في المساجد، بل ومكبّرات الصوت التي تجوب المدن والقرى طوال ساعات النهار زاعقة بحملات تجارية، بدءًا ببائعي الخضار وانتهاء ببائعي القباقيب والكنادر، والتي لها أول وليس لها آخر. وفي الحقيقة لا ندري ما هي الأصول الحضارية التي يستند عليها كلّ هؤلاء المزعجين الذين يملؤون البيئة ليل نهار بكلّ هذه الضوضاء التي تصمّ الآذان. إنّهم، وفي كلّ هذه السلوكيات، يضربون عرض الحائط بحاجة المرضى والعجزة والأطفال، وسائر البشر إلى الهدوء والراحة في بيوتهم وحاراتهم.

إنّه لمن السهل، على خلفية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، توجيه تهمة العنصرية للخصم الإسرائيلي المتمثّل في هذه الحكومة البغيضة في كلّ شاردة وواردة. غير أنّ مسألة الضوضاء في الفضاء العام والحفاظ على بيئة نقيّة من الضجيج لا علاقة لها بالصراع في هذا الوطن. إنّ مكبّرات الصوت في المساجد وما تثيره من إزعاج للمواطن هي مسألة تتخبّط فيها كلّ المجتمعات العربية وفي عقر دار العرب في دولهم العربية بعيدًا عن إسرائيل وفلسطين وعن الصراع القائم هنا.

وللتدليل على ما نقول نورد هنا بعض التطرّقات لهذه القضيّة من أقطار عربية لا يشكّ أحد في مدى إيمان المواطنين فيها بالإسلام وبتراثه. ليس هذا فحسب، بل إنّ الكثيرين من أصحاب العلم في هذه القضايا الدينية قد تطرّقوا لهذا الموضوع الإشكالي. ففي سنوات السبعينات من القرن المنصرم صرّح الداعية الشهير محمد متولي الشعراوي: "لو كان الأمر بيدي لمنعت استخدام الميكروفونات من المساجد في أذان الفجر". والسبب من وراء ذلك واضح للعيان، فساعات الفجر هذه هي أكثر الساعات هدوءًا حيث يرقد البشر في نوم عميق قبل الاستيقاظ للكدّ بحثًا عن الرزق، فانطلاق الضجيج الملوّث للبيئة من مكبرات الصوت هذه والذي يقضّ مضاجعهم هو المثال الأبرز على مثل هذا الإزعاج.

المواطنون في العالم العربي يعانون كثيرًا من هذه الظاهرة المقلقة وكثيرًا ما يبحثون عن حلّ لها؛ كما إنّهم يستجدون فقهاء المسلمين لوضع حدّ لها. ولهذا نرى التطرّق لهذه القضية ونشر فتاوى بهذا الشأن. فها هي الشبكة الإسلامية تعرض فتاوى اللجنة الدائمة ذاكرة أنّ ”وضع جهاز راديو أو نحوه لإذاعة القرآن بصوت مرتفع في المسجد يوم الجمعة قبل مجيء الإمام لا يجوز... وكذا إذا اشتمل تشغيلُ المذياع على التشويش على الناس وخصوصًا المرضى ونحوهم وأذيتهم فهو ممنوع...“. كما إنّ استخدام مكبرات الصوت والميكروفات يجب ”أن يُقتصر في ذلك على المكبرات الداخلية لئلا يتأذي من في خارج المسجد، وأما إذا كان صوت الإمام يبلغ المصلين فلا مُسوّغَ لاستعمال مكبر الصوت في هذه الحال“. (أنظر: ”مسائل حول استخدام مكبرات الصوت بالمساجد“، مركز الفتوى، الشبكة الإسلامية).

من هنا نلاحظ أنّ هذه المسألة هي مثار للجدل في العالم العربي والإسلامي لما تتضمّنه من قضايا بدأت تؤثّر سلبًا على حياة المواطنين في هذا العصر. ولذا، فلزام على النوّاب العرب من القائمة المشتركة في الكنيست الإسرائيلي حينما يتطرّقون إلى هذه القضيّة أن يبتعدوا عن إطلاق الشعارات الشعبوية جانحين إلى المكابرات الصوتية، وأن ينظروا في المسألة بعيدًا عن الحساسيات النابعة من خلفية الصراع في هذا الوطن. إذ إنّ الدعوة إلى الحفاظ على البيئة ومكافحة التلويث البيئي على كافّة أشكاله هي مصلحة المواطنين أجمعين بمعزل عن الخلافات والخلفيات السياسية.

ليس صدفة أن يجد النواب العرب الشعبويين دعمًا لهم في رفض هذا القانون من طرف الأحزاب الدينية الحريديّة اليهودية الأكثر تشدّدًا من ناحية دينية، إذ إنّ هؤلاء أيضًا يخشون من طرفهم أن يتمّ تقييد إزعاجاتهم الدينية اليهودية.

لكن، وكما أسلفنا سابقًا، لأنّ الأوضاع القومية والوطنية في ربوعنا غير طبيعية نرى الجميع يجنح إلى الشعبويّة حتّى في القضايا التي يجب أن يكون ثمّة إجماعٌ عليها لمصلحة المواطنين. ورغم كلّ ذلك، جدير بنا أن نؤكّد على أنّ الموقف الأمثل في مثل هذه القضايا هو وضع حدّ للإزعاج الديني، وغير الديني، مهما كان مصدره، ومهما كانت خلفيات المزعجين، أكانت هذه خلفيات يهودية، إسلامية، مسيحية أو من أيّ طائفة أخرى من الناس. أليس كذلك؟
*
الحياة، 19 نوفمبر 2016

مشاركات:





تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics