19 نوفمبر 2016

مكبرات صوت أم مكابرات صوتيّة؟



إنّ مكبّرات الصوت في المساجد وما تثيره من إزعاج للمواطن هي مسألة تتخبّط فيها كلّ المجتمعات العربية...


سلمان مصالحة ||

مكبرات صوت أم مكابرات صوتيّة؟


لأنّ الأحوال بين اليهود والعرب، بين إسرائيل وفلسطين، غير طبيعية في هذه البلاد فإنّ كلّ ما يبدر من مطلب من جانب أحد الطرفين يثير حالا الكثير التوجّسات والشكوك لدى الطرف الآخر. هذا ما يظهر في الآونة الأخيرة على خلفية ما يتعلّق بمحاولة الحكومة الإسرائيلية دفع المصادقة على اقتراح قانون بخفض الأصوات الخارجة من مكبّرات الصوت المثبتة في المساجد وذلك لما تشكّله هذه من إزعاج للبشر القاطنين على مقربة من هذه المكبّرات الصوتية.

ولأنّ طبيعة هذه الحكومة الإسرائيلية، بتشكيلتها الائتلافية اليمينية وبممارساتها العنصرية في الكثير من الأحيان، لا تخفى على كلّ ذي بصر وبصيرة، فإنّ اقتراح قانون يُلزم بخفض الأصوات الصادرة من مكبّرات الصوت في المساجد يثير شكوك الطرف الآخر، أي المواطنين المسلمين. حيث يخرج الكثير من هؤلاء بدعاوى مثل كون هذه القوانين عنصرية وما شابه ذلك من مقولات. غير أنّ أحدًا من هؤلاء لم يكلّف نفسه بالنظر إلى هذه القضية من ناحية واقعية وما تشكّله ظاهرة هذه المكبّرات من أزعاج، ليس في الوسط اليهودي فحسب، بل في المدن والقرى العربية على وجه التحديد.

إنّ المدن والقرى العربية داخل إسرائيل تعاني من ظاهرة مكبّرات الصوت ليس فقط تلك المثبتة في المساجد، بل ومكبّرات الصوت التي تجوب المدن والقرى طوال ساعات النهار زاعقة بحملات تجارية، بدءًا ببائعي الخضار وانتهاء ببائعي القباقيب والكنادر، والتي لها أول وليس لها آخر. وفي الحقيقة لا ندري ما هي الأصول الحضارية التي يستند عليها كلّ هؤلاء المزعجين الذين يملؤون البيئة ليل نهار بكلّ هذه الضوضاء التي تصمّ الآذان. إنّهم، وفي كلّ هذه السلوكيات، يضربون عرض الحائط بحاجة المرضى والعجزة والأطفال، وسائر البشر إلى الهدوء والراحة في بيوتهم وحاراتهم.

إنّه لمن السهل، على خلفية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، توجيه تهمة العنصرية للخصم الإسرائيلي المتمثّل في هذه الحكومة البغيضة في كلّ شاردة وواردة. غير أنّ مسألة الضوضاء في الفضاء العام والحفاظ على بيئة نقيّة من الضجيج لا علاقة لها بالصراع في هذا الوطن. إنّ مكبّرات الصوت في المساجد وما تثيره من إزعاج للمواطن هي مسألة تتخبّط فيها كلّ المجتمعات العربية وفي عقر دار العرب في دولهم العربية بعيدًا عن إسرائيل وفلسطين وعن الصراع القائم هنا.

وللتدليل على ما نقول نورد هنا بعض التطرّقات لهذه القضيّة من أقطار عربية لا يشكّ أحد في مدى إيمان المواطنين فيها بالإسلام وبتراثه. ليس هذا فحسب، بل إنّ الكثيرين من أصحاب العلم في هذه القضايا الدينية قد تطرّقوا لهذا الموضوع الإشكالي. ففي سنوات السبعينات من القرن المنصرم صرّح الداعية الشهير محمد متولي الشعراوي: "لو كان الأمر بيدي لمنعت استخدام الميكروفونات من المساجد في أذان الفجر". والسبب من وراء ذلك واضح للعيان، فساعات الفجر هذه هي أكثر الساعات هدوءًا حيث يرقد البشر في نوم عميق قبل الاستيقاظ للكدّ بحثًا عن الرزق، فانطلاق الضجيج الملوّث للبيئة من مكبرات الصوت هذه والذي يقضّ مضاجعهم هو المثال الأبرز على مثل هذا الإزعاج.

المواطنون في العالم العربي يعانون كثيرًا من هذه الظاهرة المقلقة وكثيرًا ما يبحثون عن حلّ لها؛ كما إنّهم يستجدون فقهاء المسلمين لوضع حدّ لها. ولهذا نرى التطرّق لهذه القضية ونشر فتاوى بهذا الشأن. فها هي الشبكة الإسلامية تعرض فتاوى اللجنة الدائمة ذاكرة أنّ ”وضع جهاز راديو أو نحوه لإذاعة القرآن بصوت مرتفع في المسجد يوم الجمعة قبل مجيء الإمام لا يجوز... وكذا إذا اشتمل تشغيلُ المذياع على التشويش على الناس وخصوصًا المرضى ونحوهم وأذيتهم فهو ممنوع...“. كما إنّ استخدام مكبرات الصوت والميكروفات يجب ”أن يُقتصر في ذلك على المكبرات الداخلية لئلا يتأذي من في خارج المسجد، وأما إذا كان صوت الإمام يبلغ المصلين فلا مُسوّغَ لاستعمال مكبر الصوت في هذه الحال“. (أنظر: ”مسائل حول استخدام مكبرات الصوت بالمساجد“، مركز الفتوى، الشبكة الإسلامية).

من هنا نلاحظ أنّ هذه المسألة هي مثار للجدل في العالم العربي والإسلامي لما تتضمّنه من قضايا بدأت تؤثّر سلبًا على حياة المواطنين في هذا العصر. ولذا، فلزام على النوّاب العرب من القائمة المشتركة في الكنيست الإسرائيلي حينما يتطرّقون إلى هذه القضيّة أن يبتعدوا عن إطلاق الشعارات الشعبوية جانحين إلى المكابرات الصوتية، وأن ينظروا في المسألة بعيدًا عن الحساسيات النابعة من خلفية الصراع في هذا الوطن. إذ إنّ الدعوة إلى الحفاظ على البيئة ومكافحة التلويث البيئي على كافّة أشكاله هي مصلحة المواطنين أجمعين بمعزل عن الخلافات والخلفيات السياسية.

ليس صدفة أن يجد النواب العرب الشعبويين دعمًا لهم في رفض هذا القانون من طرف الأحزاب الدينية الحريديّة اليهودية الأكثر تشدّدًا من ناحية دينية، إذ إنّ هؤلاء أيضًا يخشون من طرفهم أن يتمّ تقييد إزعاجاتهم الدينية اليهودية.

لكن، وكما أسلفنا سابقًا، لأنّ الأوضاع القومية والوطنية في ربوعنا غير طبيعية نرى الجميع يجنح إلى الشعبويّة حتّى في القضايا التي يجب أن يكون ثمّة إجماعٌ عليها لمصلحة المواطنين. ورغم كلّ ذلك، جدير بنا أن نؤكّد على أنّ الموقف الأمثل في مثل هذه القضايا هو وضع حدّ للإزعاج الديني، وغير الديني، مهما كان مصدره، ومهما كانت خلفيات المزعجين، أكانت هذه خلفيات يهودية، إسلامية، مسيحية أو من أيّ طائفة أخرى من الناس. أليس كذلك؟
*
الحياة، 19 نوفمبر 2016

مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



مواضيع مختارة


أرشيف الجهة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن