31 يناير، 2017

بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني


هكذا وخلال سنوات طويلة، اختفت مليارات الدولارات التي قُدّمت دعمًا لفلسطين وأهلها من طرف الدول المانحة، وانتشر الفساد في كلّ شبر من الأرض الفلسطينية التي تخطو فيها السلطة الفلسطينية المنبثقة من «اتّفاقات أوسلو».


سلمان مصالحة ||

بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني

يكاد المرء يُصاب بمرض عضال من الملل، إن لم يكن مرضًا مزمنًا من الخجل، وذلك من جرّاء التكرار والاجترار الذي يسم في العقود الأخيرة الخطاب السياسي العربي بعامّة، والفلسطيني على وجه التحديد.

ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس. قد يظنّ البعض، على هذه الخلفيّة، أنّ القضيّة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي قد تمّ اختزالهما في هذه الخطوة الأميركية المنوي اتّخاذها. هل هذه هي قضيّة فلسطين؟ وهل هذه هي قضيّة القدس أصلاً؟ أيوجد بها سفارة أميركية أم لا؟

جدير بأن يتذكّر كلّ هؤلاء المتذمّرين ومُحبّري البيانات الآن أنّه، ومنذ احتلال المدينة، لم تنوجد في القدس سفارة أميركية. فهل كان الأمر على ما يرام كلّ هذه الأعوام؟ لماذا، إذًا، يتمّ الآن اختزال الخطاب السياسي الفلسطيني في مسألة ثانوية، لا تقدّم ولا تؤخّر فيما يتعلّق بشأن الوضع القائم في المدينة، وكما هو مُطبّق على الأرض منذ احتلالها؟

إنّ الحقيقة التي يجب ألاّ تغيب عن الأنظار هي أنّ القدس المحتلّة كانت كلّ هذه الأعوام مجرّد خيوط من صوف يحيك منها المتاجرون شالات من الشعارات يلفّون بها أعناقهم في المناسبات التي تتكرّر سنة تلو أخرى. غير أنّه، وفي الوقت ذاته، كان بعض الذين ينتمون إلى ما يُسمّى «قيادات فلسطينية» يحصلون على امتيازات بتزويد الاسمنت والباطون للمستوطنات التي يتمّ إنشاؤها في هذه القدس المحتلّة ذاتها التي يتاجرون بها. ليس هذا فحسب، بل الحقيقة هي أنّ عشرات الآلاف من العمّال الفلسطينيّين هم الذين بنوا المستوطنات بأيديهم ليس في القدس وحدها بل في كلّ أرجاء الأراضي الفلسطينية المحتلّة.

هكذا وخلال سنوات طويلة، اختفت مليارات الدولارات التي قُدّمت دعمًا لفلسطين وأهلها من طرف الدول المانحة، وانتشر الفساد في كلّ شبر من الأرض الفلسطينية التي تخطو فيها السلطة الفلسطينية المنبثقة من «اتّفاقات أوسلو». إنّ الحقيقة التي يحاول الخطاب السياسي الفلسطيني أن يخفيها هي حقيقة مرّة. إذ إنّ هذه السلطة الفلسطينية القادمة من تونس قد جلبت معها كلّ فساد العالم العربي المزمن وأنشأته هنا بذات المقاسات الفاسدة في فلسطين، وما من رقيب وما من حسيب.

إنّ الفساد لا يقتصر على سلطة رام الله وحدها، بل يمتدّ إلى سلطة حماس في غزّة. فلو لم تكن هاتان السلطتان فاسدتين أصلاً لما وصلت قضيّة فلسطين إلى هذا الدرك. ففي كلتا الحالتين هناك طبقة من المنتفعين لا تفكّر بعيدًا عن أرنبات أنوفها، لأنّ تفكيرًا بعيد المدى يقتضي أن تتنحّى هذه الطبقة عن امتيازاتها الاقتصادية والسياسية، وعن ارتباطاتها الفاسدة بالعالم العربي، وبإسرائيل وبسائر العالم أيضًا.

طوال أعوام الاحتلال الإسرائيلي لم يقم الفلسطينيّون ببلورة خطاب سياسي يُجمعون عليه بشأن رؤيتهم للمسير في الصراع والمصير الذي يرغبون أن يكون من نصيبهم. لقد كانت الشعارات هي سيّد الموقف في كلّ شاردة وواردة. وهكذا مرّت الأعوام وازدادت التخبّطات وتراكمت.

وهكذا رأينا أنّ الخطاب السياسي الفلسطيني الذي اختزل النضال الفلسطيني في مسألة القدس والأقصى قد وقع في فخّ اللعبة الاستراتيجية الإسرائيلية. فالقيادات الإسرائيلية المختلفة تعي جيّدًا الحساسية الدينية للمدينة القديمة، ولهذا فهي تستثير الفلسطينيّين بين فينة وأخرى في مسألة الأقصى، ثمّ تأتي ضمانات بعدم المساس بالوضع الراهن فيركن الفلسطينيّون إلى السكينة. ولكن، وخلال هذه السكينة تواصل إسرائيل تكثيف الاستيطان وبناء الأحياء وتوسيعها لتسدّ بذلك الطريق على أيّ إمكانية لإعادة العجلة إلى الوراء.

وهكذا أيضًا، مرّت الأعوام تلو الأعوام أنشأت خلالها سلطات الاحتلال الأحياء الاستيطانية الكبرى التي أحاطت بالقدس من كلّ جانب، وذلك في خطّة بعيدة المدى لغرض فصلها نهائيًّا عن الضفّة الغربية، ولغرض شطر الضفّة الغربية نصفين لقطع التواصل بين الشمال والجنوب بغية قطع الطريق عن إمكانية قيام كيان فلسطينيّ مستقلّ. وفي الحقيقة، لم يكن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزّة سوى خطوة واحدة ضمن هذه الاستراتيجية الكبرى لقطع الصلة بين قطاع غزّة والضفّة، والتركيز على مواصلة تقطيع الأرض في الضفّة عبر تكثيف الاستيطان فيها.

لهذا، فإنّ مسألة وجود سفارة أميركية في القدس أو عدم وجودها ليست هي المسألة الجوهرية. إنّ من ينتفض على خلفية القدس والأقصى فقط، ولا يفعل ذلك على خلفية الاستيطان المكثّف الذي يتغلغل في المدينة والذي يُطوّقها من الخارج هو الخاسر في هذه اللعبة. إذ إنّ المصير الذي ينتظر مدينة القدس العربية هو مصير أشبه بمصير مدينة يافا التي أضحت حيًّا صغيرًا ضمن مدينة تل-أبيب الكبرى. وهكذا ستضحي هذه القدس حيًّا صغيرًا ضمن أورشليم الكبرى.

لقد كنت قد تطرّقت في الماضي مرارًا وتكرارًا إلى هذه الاستراتيجية الإسرائيلية وما ترمي من ورائها. ولكن لا حياة، والأصحّ لا حياء، لمن تنادي.
*
الحياة، 31 يناير 2017


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام