بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني


هكذا وخلال سنوات طويلة، اختفت مليارات الدولارات التي قُدّمت دعمًا لفلسطين وأهلها من طرف الدول المانحة، وانتشر الفساد في كلّ شبر من الأرض الفلسطينية التي تخطو فيها السلطة الفلسطينية المنبثقة من «اتّفاقات أوسلو».


سلمان مصالحة ||

بؤس الخطاب السياسي الفلسطيني

يكاد المرء يُصاب بمرض عضال من الملل، إن لم يكن مرضًا مزمنًا من الخجل، وذلك من جرّاء التكرار والاجترار الذي يسم في العقود الأخيرة الخطاب السياسي العربي بعامّة، والفلسطيني على وجه التحديد.

ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس. قد يظنّ البعض، على هذه الخلفيّة، أنّ القضيّة الفلسطينية والاحتلال الإسرائيلي قد تمّ اختزالهما في هذه الخطوة الأميركية المنوي اتّخاذها. هل هذه هي قضيّة فلسطين؟ وهل هذه هي قضيّة القدس أصلاً؟ أيوجد بها سفارة أميركية أم لا؟

جدير بأن يتذكّر كلّ هؤلاء المتذمّرين ومُحبّري البيانات الآن أنّه، ومنذ احتلال المدينة، لم تنوجد في القدس سفارة أميركية. فهل كان الأمر على ما يرام كلّ هذه الأعوام؟ لماذا، إذًا، يتمّ الآن اختزال الخطاب السياسي الفلسطيني في مسألة ثانوية، لا تقدّم ولا تؤخّر فيما يتعلّق بشأن الوضع القائم في المدينة، وكما هو مُطبّق على الأرض منذ احتلالها؟

إنّ الحقيقة التي يجب ألاّ تغيب عن الأنظار هي أنّ القدس المحتلّة كانت كلّ هذه الأعوام مجرّد خيوط من صوف يحيك منها المتاجرون شالات من الشعارات يلفّون بها أعناقهم في المناسبات التي تتكرّر سنة تلو أخرى. غير أنّه، وفي الوقت ذاته، كان بعض الذين ينتمون إلى ما يُسمّى «قيادات فلسطينية» يحصلون على امتيازات بتزويد الاسمنت والباطون للمستوطنات التي يتمّ إنشاؤها في هذه القدس المحتلّة ذاتها التي يتاجرون بها. ليس هذا فحسب، بل الحقيقة هي أنّ عشرات الآلاف من العمّال الفلسطينيّين هم الذين بنوا المستوطنات بأيديهم ليس في القدس وحدها بل في كلّ أرجاء الأراضي الفلسطينية المحتلّة.

هكذا وخلال سنوات طويلة، اختفت مليارات الدولارات التي قُدّمت دعمًا لفلسطين وأهلها من طرف الدول المانحة، وانتشر الفساد في كلّ شبر من الأرض الفلسطينية التي تخطو فيها السلطة الفلسطينية المنبثقة من «اتّفاقات أوسلو». إنّ الحقيقة التي يحاول الخطاب السياسي الفلسطيني أن يخفيها هي حقيقة مرّة. إذ إنّ هذه السلطة الفلسطينية القادمة من تونس قد جلبت معها كلّ فساد العالم العربي المزمن وأنشأته هنا بذات المقاسات الفاسدة في فلسطين، وما من رقيب وما من حسيب.

إنّ الفساد لا يقتصر على سلطة رام الله وحدها، بل يمتدّ إلى سلطة حماس في غزّة. فلو لم تكن هاتان السلطتان فاسدتين أصلاً لما وصلت قضيّة فلسطين إلى هذا الدرك. ففي كلتا الحالتين هناك طبقة من المنتفعين لا تفكّر بعيدًا عن أرنبات أنوفها، لأنّ تفكيرًا بعيد المدى يقتضي أن تتنحّى هذه الطبقة عن امتيازاتها الاقتصادية والسياسية، وعن ارتباطاتها الفاسدة بالعالم العربي، وبإسرائيل وبسائر العالم أيضًا.

طوال أعوام الاحتلال الإسرائيلي لم يقم الفلسطينيّون ببلورة خطاب سياسي يُجمعون عليه بشأن رؤيتهم للمسير في الصراع والمصير الذي يرغبون أن يكون من نصيبهم. لقد كانت الشعارات هي سيّد الموقف في كلّ شاردة وواردة. وهكذا مرّت الأعوام وازدادت التخبّطات وتراكمت.

وهكذا رأينا أنّ الخطاب السياسي الفلسطيني الذي اختزل النضال الفلسطيني في مسألة القدس والأقصى قد وقع في فخّ اللعبة الاستراتيجية الإسرائيلية. فالقيادات الإسرائيلية المختلفة تعي جيّدًا الحساسية الدينية للمدينة القديمة، ولهذا فهي تستثير الفلسطينيّين بين فينة وأخرى في مسألة الأقصى، ثمّ تأتي ضمانات بعدم المساس بالوضع الراهن فيركن الفلسطينيّون إلى السكينة. ولكن، وخلال هذه السكينة تواصل إسرائيل تكثيف الاستيطان وبناء الأحياء وتوسيعها لتسدّ بذلك الطريق على أيّ إمكانية لإعادة العجلة إلى الوراء.

وهكذا أيضًا، مرّت الأعوام تلو الأعوام أنشأت خلالها سلطات الاحتلال الأحياء الاستيطانية الكبرى التي أحاطت بالقدس من كلّ جانب، وذلك في خطّة بعيدة المدى لغرض فصلها نهائيًّا عن الضفّة الغربية، ولغرض شطر الضفّة الغربية نصفين لقطع التواصل بين الشمال والجنوب بغية قطع الطريق عن إمكانية قيام كيان فلسطينيّ مستقلّ. وفي الحقيقة، لم يكن الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزّة سوى خطوة واحدة ضمن هذه الاستراتيجية الكبرى لقطع الصلة بين قطاع غزّة والضفّة، والتركيز على مواصلة تقطيع الأرض في الضفّة عبر تكثيف الاستيطان فيها.

لهذا، فإنّ مسألة وجود سفارة أميركية في القدس أو عدم وجودها ليست هي المسألة الجوهرية. إنّ من ينتفض على خلفية القدس والأقصى فقط، ولا يفعل ذلك على خلفية الاستيطان المكثّف الذي يتغلغل في المدينة والذي يُطوّقها من الخارج هو الخاسر في هذه اللعبة. إذ إنّ المصير الذي ينتظر مدينة القدس العربية هو مصير أشبه بمصير مدينة يافا التي أضحت حيًّا صغيرًا ضمن مدينة تل-أبيب الكبرى. وهكذا ستضحي هذه القدس حيًّا صغيرًا ضمن أورشليم الكبرى.

لقد كنت قد تطرّقت في الماضي مرارًا وتكرارًا إلى هذه الاستراتيجية الإسرائيلية وما ترمي من ورائها. ولكن لا حياة، والأصحّ لا حياء، لمن تنادي.
*
الحياة، 31 يناير 2017

مشاركات:

تعقيبات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • المرأة هي الحل

    لا مناص لنا سوى رؤية عرب اليوم كعربان الأمس حتّى وإن ركبوا الطّائرات وقادوا السيّارات وتشاتتوا في الإنترنت. حتّى أولئك الّذين ولدوا وترعرعوا في دول الغرب لم تتغيّر مفاهيمهم...
  • عنصرية عربية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قضايا محلية
  • شعب واحد أم تشعّبات

    لم يتغيّر شيء في الذّهن العربيّ منذ الجاهليّة الجهلاء. فالوحدة السياسيّة الفاعلة في هذا المجتمع لا تزال إلى يومنا هذا هي وحدة القبيلة، والعشيرة، والحمولة والعائلة.
  • عروس عروبتكم

    منذ العام 67 وبعد حرب حزيران تسيطر إسرائيل على شطري مدينة القدس شرقها بغربها. وبين الفينة والأخرى تطفو على السّطح قضيّة القدس بأبعادها الفلسطينيّة، العربيّة والإسلاميّة.
قضايا ثقافية
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال...

انقر لإرسال إيميل
موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


نصوص شعرية
  • كلام الواحد الثاني

    الحُلْمُ فِي قَفَصٍ
    يَزْقُوهُ صَاحِبُهُ،
    بِفِكْرَةٍ وَقَعَتْ مِنْ
    غَيْمِ نِسْيَانِ.



  • أي، نعم

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.

    فَأَنَا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ
    أَقِدُ الحَسْرَةَ فِي قَلْبٍ، وَفَمْ


  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.



أرشيف الجهة

 
دراسات
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • إيلوهيم في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."

  • الإسراء إلى هيكل سليمان

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
نصوص نثرية
  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة. اليد التي ارتفعت بحركة بطيئة وأمسكت بطرف منها ودّت أن تفعل هذه السّتارة أمرًا ما؛ أن لا تسمح مثلاً...
  • كل الطيور تؤدي إلى روما

    كنت لا أزال طفلاً يافعًا، ولم تكن تنقصني سذاجة من سذاجات تلك الأيّام الغابرة. آنذاك لم يخطر أبدًا على بالي العربيّة الغضّة طرفُ خيط أمسك به، أو فكرة تحملني على معرفة النّوايا الخفيّة لأسراب الطّيور الّتي كانت تحطّ في حقول الزّيتون لقرية المغار الجليليّة المطلّة على بحيرة طبريّة...
  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
ترجمات
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
لغات أخرى