الاثنين، 2 يناير، 2017

حلم البحث عن قبيلة جديدة



أوليس هذا الخراب الكبير في الأحوال العربية مردّه إلى خراب بنيوي وتمزّق متجذّر لم يستطع العرب وطوال قرون طويلة جمع شراذمه القبلية والطائفية في كيان سياسي واحد عابر لهذه العصبيات.



سلمان مصالحة ||

حلم البحث عن قبيلة جديدة


هكذا، وبينما نغذّ الخطى لتوديع عامنا هذا، ما من سبيل لدينا لوصف أحوالنا سوى الرجوع إلى الأيام الخوالي، والزمن الذي مضى وانقضى. نعم، هكذا دارت الأيام ومرّت الأعوام على هذه الأمّة، ولا زالت مآسي ”البعاد والخصام“ تنهال عليها من كلّ حدب وصوب.

غير أنّ الأنكى من كلّ ذلك هو أنّ الغالبية العظمى من هذه المآسي ليست من صنع أحد سوى أهل هذه البلاد الذين سجنوا أنفسهم على مرّ التاريخ في ذهنيّاتهم، وما بدّلوا تبديلا. وهكذا ألفى الفرد العربيّ نفسه هائمًا على وجهه في أنفاق مظلمة، لا يجد بصيصًا من أمل للخروج من غياهبه في المستقبل المنظور.

كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته. كلّ هذه الأجيال العربية الحالمة بمواكبة العصر لم تفلح في فرز تيّارات وقيادات تتخطّى الذهنيات البالية التي جُبلت عليها هذه الأقوام من قُطّان المنطقة. وهكذا، طفت على السطح تيّارات متصارعة فيما بينها على فتات من هنا وفتات من هناك سائرة بذلك على خطى الأنظمة التي انتفضت عليها والتي لا تقلّ بلادة وفسادًا وطغيانًا في آن معًا. وهكذا أيضًا، وجد العربيّ الحالم نفسه بين مطرقة التخلّف الديني والعصبويّات الطائفيّة وبين سندان الأنظمة المستبدّة بالبلاد والعباد، المفسدة في الأرض.

إنّ المأساة الكبرى هي أن يجد هذا العربيّ الحالم نفسه بين هذين الخيارين. أليس ثمّة طريق ثالثة أو خيار ثالث أو رابع؟ وهل كُتب على العربيّ أن يبقى متخبّطًا بين خيارين هما الشرّ في أسوأ مظاهره؟ والآن، وبعد كلّ هذه الأعوام المنصرمة والدماء السائلة في مشارق العرب ومغاربهم، أليس من حقّنا أن نسأل: أين هو الخير في هذه الأمّة؟ وما السبيل للوصول إليه؟

أليس من حقّنا أن نتساءل؟ أن نطرح تساؤلاتنا على الملأ سوية محاولين التفكّر في البحث عن مخارج؟ أوليس الذين يجنحون إلى تعليق المآسي العربية على كاهل الآخرين هم في نهاية المطاف جزء من هذه المآسي العربية. إنّ شعوب العالم التي انتظمت في كيانات سياسية تسمّى دولاً لها مصالحها وهذه الدول تخطّط سياساتها استنادًا إلى هذه المصالح، ليس إلاّ. وفي عالم اليوم تقف المصالح في مرتبة أعلى من مرتبة القيم. فأين هم العرب من مصالحهم؟ وهل هناك حقًّا مصلحة عربية، أم إنّ هنالك مصالح مختلفة باختلاف الشعوب والطوائف العربية الشتّى؟

والسؤال الكبير الذي نجد لزامًا علينا أن نطرحه أيضًا على الملأ: هل بعد كلّ هذه المآسي، التي شهدها أو شاهدها كثيرون من أبناء جلدتنا، يستطيع الفرد العربيّ أن يصرّح أمام ذاته في المرآة، ماذا تعني له هذه ”الهويّة العربية“ التي طالما تغنّى بها؟ وهل هذه الهوية قائمة حقًّا في الواقع، أم إنّها مجرّد أوهام أخفت حقائق أكثر تجذّرًا في بنية المجتمعات العربية، نرى ليل نهار نتائجها النازفة الآن؟

أوليس هذا الخراب الكبير في الأحوال العربية مردّه إلى خراب بنيوي وتمزّق متجذّر لم يستطع العرب وطوال قرون طويلة جمع شراذمه القبلية والطائفية في كيان سياسي واحد عابر لهذه العصبيات. ألسنا بحاجة إلى المصارحة مع ذواتنا لأجل الخروج من مآزقنا المزمنة؟

كلّ ما في الأمر أنّ الدولة كمصطلح في الثقافة العربية، ومنذ القدم، لا تعني سوى غلبة بطون قبلية واحدة على بطون أخرى لأجل مسمّى. ولولا وجود هذه الثغرات البنوية في الهويّات والعصبيّات العربية لما استطاع أحد الدخول واللعب على تشتيت هذه الأقوام المسمّاة عربًا كتسمية جامعة.

خلاصة القول، لزام على كلّ من يدّعي الانتماء إلى هذه الأمّة، بدءًا بالنخب الثقافية، والاجتماعية والسياسية، أن يعي هذه الحقائق المتجذّرة في هويّات هذه الأقوام وألاّ يغفلها لدى البحث عن سبيل للخروج من هذه المحن. إنّ الشعارات، على اختلاف مدارسها الأيديولوجية الواردة إلينا من العالم الآخر، لا تستطيع تطبيب هذه الآفات العربية والإسلامية.

ولكوننا نعرف الخلفية الحضارية التي ترعرعنا فيها، ونعرف أيضًا مدى تأثير الدين على مجتمعاتنا، فإنّ الخطوة الأولى في رحلتنا الطويلة للشفاء تبدأ بفصل الدين، كلّ دين، عن الدولة. إنّ هذا الفصل لا يعني انتقاصًا من الدين، بل هو اعتراف بثقله في حياة الأفراد. كما يعني ابتعاد الدولة عن دين الأفراد وخصوصياتهم الروحية. كما يعني هذا الفصل احترامًا لكيان سياسي يقف على مسافة واحدة من الرعايا مهما اختلفت عقائدهم الدينية. كذلك، فإنّ هذه الخطوة يجب أن تترافق أيضًا بفصل آخر، وهو فصل القبيلة عن الدولة، وهو فصل يهدف إلى خلق ”قبيلة“ كبرى، ألا وهي ”قبيلة المواطنة“ العابرة لكلّ البطون والأفخاذ البيولوجية. فإذا كان ”دودنا من عودنا“، فما علينا إلاّ البحث عن مسبّبات هذا الدود الذي نخر العود وأفسد الوجود.

من هذه الخطوة الأولى تكون بداية الرحلة للشفاء. وما لم نخطها، فسنظلّ نتخبّط في مستنقعاتنا الآسنة إلى يوم يبعثون.
*
الحياة، 2 يناير 2017



مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • شوون عربية

    دول ومجتمعات بلا حدود

    جزيرة العرب هي مهد «العروبة»، بمعنى طبيعة الأفراد المنتمين إليها إثنيًّا وثقافيًّا. لقد خرج العرب من الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، مكتسحين مناطق شاسعة في الجوار ومستوطنين فيها. إنّ الخروج من الجزيرة العربية لم يشكّل بأيّ حال خروجًا من الطبيعة البريّة والصحراوية للأفراد.

    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    جلسة لمساءلة النفس

    ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    شؤون فلسطينية

    نكبة الليلة ونكبة البارحة

    مرت الأعوام تلو الأعوام فوجد الفلسطينيون أنفسهم مؤخّرًا أنّ النكبات لم تعد حكرًا عليهم دون غيرهم، فنكبات الآخرين - سورية مثالاً - لا تقلّ مأساوية وبشاعة عن نكباتهم...

    تتمة الكلام


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام