15 مارس 2017

فلسطين - لعبة البلاغ ونكبة البلاغة


وهكذا بدأت الاستعدادات العربية للحرب بغية إفشال القرار الأممي الذي قضى بتقسيم فلسطين وإنشاء دولتين، يهودية وعربية

الحاج أمين الحسيني مع هتلر

سلمان مصالحة ||

فلسطين - لعبة البلاغ ونكبة البلاغة


في الوقت الذي بات فيه الفلسطينيّون يفاوضون على أقلّ من ربع فلسطين الانتدابية الذي احتلّته إسرائيل في حرب «النكسة»، كما وسمتها الأنظمة العربية المهزومة تخفيفًا للصدمة الكبرى التي منيت بها، فإنّ نظرة سريعة على الصحافة الفلسطينية في السنوات التي سبقت النكبة تكشف لنا جزءًا من مسبّبات هذه النكبة التي لا يزال الفلسطينيون يعانون من نتائجها حتّى هذه اللحظة.

عندما أخذت تلوح في الأفق الخطط الفعلية لتقسيم فلسطين الانتدابية هبّت الأنظمة العربية معارضة لهذه الخطّة، مستعينة بلغة البلاغة العربية التليدة، ودون أن تأخذ بالحسبان موازين القوى الدولية الخارجة من الحرب العظمى الثانية وما تمليه عليه مصالحها الكبرى.

فها هي عناوين مثل: «الجامعة العربية ترفض تقسيم فلسطين»، أو «العواصم العربية تقابل مشروع تقسيم فلسطين بالرفض“ وما شابه ذلك، هي جزء من العناوين التي تصدّرت الصفحات الأولى في الصحافة الفلسطينية في ذلك الأوان. ليس هذا فحسب، بل ربّما استنادًا إلى هذه التصريحات القادمة من العواصم العربية الـ«مقاومة» والـ«ممانعة» آنئذ، فها هو جمال الحسيني، نائب رئيس اللجنة العربية العليا يعلن عام 1946 بلغة البلاغ: «سنقاوم التقسيم بكلّ ما أوتينا من قوة، وإذا أراد الله وزلنا من الوجود أثناء مقاومتنا هذه قبل أن نصل إلى هدفنا المنشود، فسيتولّى عرب الأقطار الشقيقة هذه المقاومة بعدنا.» («الوحدة»، 30 ديسمبر 1946)

ولمّا لم يكن الـ«ممانعون» في ذلك الأوان على علم بخبايا السياسة الدولية وموازين القوى الفاعلة فيها، فقد جاءت الصدمة مع التغيّر في الموقف السياسي السوڤييتي الذي عبّر عنه غروميكو في تصريحه بهيئة الأمم المتحدة قبل التصويت على قرار التقسيم: «موقف عجيب لمندوب روسيا في عطفه على اليهود وآلامهم.» («فلسطين»، 15 مايو 1947)

أمّا ردّ الجامعة العربية على تصريح غروميكو فقد جاء على لسان عبد الرحمن عزام، الأمين العام لجامعة الدولة العربية: «إنّ الاقتراح الروسي الذي أبداه المسيو جروميكو في الجمعية العمومية لهيئة الأمم بشأن إنشاء دولتين للعرب واليهود أو دولة ثنائية في فلسطين اقتراح لا يقبله العرب.“ («فلسطين»، 16 مايو 1947).

وهكذا بدأت الاستعدادات العربية للحرب بغية إفشال القرار الأممي الذي قضى بتقسيم فلسطين وإنشاء دولتين، يهودية وعربية: «لجنة الجامعة الفرعية تتخذ التدابير الدفاعية عن فلسطين. 7 آلاف جندي مصري إلى سيناء وتدفّق الفرق السوريّة“ («فلسطين»، 17 أكتوبر 1947)

ثمّ أخذت البيانات البلاغية العربية تتوالى وتنتشر في الأجواء. فها هو المتحدّث باسم الجامعة العربية يتطرّق إلى الحالة في فلسطين معلنًا: «إنه ستُوجّه إلى فلسطين فعلا بعض الضربات الشديدة في الأيام المقبلة، ولكن لم يبق غير أسبوع أو أسبوعين ثمّ تشتد المعركة إلى حد بالغ وتدخل في دور جديد تظهر فيه قوة العرب جلية وواضحة.» («فلسطين»، 29 يناير 1948)

وفعلاً فقد اشتدّت المعارك على الأرض،ثمّ بدأت تنتشر الـ«بطولات» العربية في الصحافة: «القوات العربية تضيّق الحصار على المعتدين اليهود... اشتراك الوحدات العربية التي أحرزت النصر في معركة كفر عصيون.» («الدفاع»، 4 أبريل 1948). أمّا جلالة الملك فارق فيقول: «الجيوش العربية تحتل فلسطين لتسلمها من بعد إلى أهلها.» («فلسطين»، 14 أبريل 1948)

وها نحن نورد هنا نبذة فقط من عناوين الـ«بطولات» في الصحافة الفلسطينية: «حركة التفاف بارعة طوّق فيها الأبطال العرب 500 من الأشرار اليهود.»، «معركة الجليل تسفر عن 60 قتيلاً وعشرات الجرحى من اليهود بينهم شخصيات كبيرة.»، «قرى الجنوب تتبارى في تحطيم القوافل وتأديب ركابها الأشرار.»، «أشلاء اليهود تتطاير مع مصفّحاتهم في الجنوب».

ثمّ لم يمض وقت طويل، وبين ليلة وضحاها استفاق الفلسطينيون على النكبة التي حلّت بهم، فتشتّت منهم مئات الألوف ملتجئين إلى ديار العرب المجاورة التي حصرتهم في مخيّمات اللجوء منذ ذلك الأوان.


وعلى هذه الخلفية، حريّ بنا أن نستعيد ما كان قد دوّنه المؤرّخ قسطنطين زريق في العام 1948 في مؤلّفه «معنى النكبة»: «سبع دول عربية تعلن الحرب على الصهيونية في فلسطين، فتقف أمامها عاجزة. ثمّ تنكص على أعقابها. خطب نارية يلقيها ممثلو العرب في أعلى الهيئات الدولية منذرة بما ستفعله الدول والشعوب العربية... فإذا النار خافتة باهتة وإذا الصلب والحديد صدئ ملتو سريع العطب والتفتّت.». ثمّ يمضي قسطنطين زريق في اقتفاء أثر الأسباب التي أدّت إلى هذه النكبة فيقول:«من الحقّ والواجب كذلك أن نقرّ بأخطائنا ونتبيّن مصادر الضعف في كياننا، وأن نعرف مسؤوليّتنا في هذه الكارثة التي أصابتنا. ومن الشرّ كلّ الشرّ أن نتهرّب من هذه المسؤولية، ونعمي أبصارنا عن مناحي تقصيرنا.»

كما يكتب قسطنطين زريق كلامًا وكأنّه كُتب في هذا القرن وفي هذا الأوان، وليس في العام 1948 من القرن المنصرم: «فما أكثر ما نسمع بيننا اليوم من شتم لليهود، ومن تنديد بالإنكليز والأميركان والرّوس، وبمجلس الأمن و... و...».

وخلاصة الكلام، ألا يتفكّر الزعماء العرب ومن يواليهم من نخب عربية في الويلات التي يجرّونها على شعوبهم وبلادهم بعد كلّ هذه المصائب والنكبات التي حلّت بهم جرّاء هذه البلاغة التي أدمنوا عليها؟
مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام