سورية كحقل تجارب للأسلحة الروسية

ألا تعني هذه الحال التي يراها القاصي والداني أنّ ما يُسمّى اصطلاحًا ”عروبة“ هو مجرّد أوهام لا تستند إلى أيّ أساس متين؟


سلمان مصالحة ||

سورية كحقل تجارب للأسلحة الروسية


لا أخلاق في سياسات الدول العظمى، فكم بالحري إذا تعلّق الأمر بالحروب وعلى وجه الخصوص تلك التي تنشب في ساحات بعيدة. في هذه الحال تكون المصالح هي سيّدة الموقف. والمصالح، مهما تمّ تغليفها بكلام معسول، هي مصالح اقتصادية في نهاية المطاف. أمّا الشعوب ومصائرها فليست بذات بال في حسابات الربح والخسارة لدى واضعي السياسات في أروقة الدول العظمى.

لننظر، على سبيل المثال، إلى تصريح الجنرال الروسي، فلاديمير شامانوف، في البرلمان الروسي مؤخّرًا. فقد أشار هذا الجنرال إلى أنّ الجيش الروسي قد دفع إلى ساحات القتال في سورية بـ 200 نوع من الأسلحة الروسية الجديدة لإجراء التجارب عليها. ثمّ أضاف هذا الجنرال أنّ هذه التجارب قد أثبتت نجاعة وفعالية السلاح الروسي. وهو الأمر الذي سيزيد مبيعات السلاح الروسي في العالم وسيدفع بالاقتصاد الروسي قدمًا. وإذا علمنا أنّ الاقتصاد الروسي يتأسّس على الصناعات العسكرية فقط، فليس لدى روسية ما تصدّره للعالم سوى هذه السلع العسكرية فمعنى ذلك أنّ الحرب الروسية في سورية هي فرصة يستغلّها القيصر الروسي لاختبار الأسلحة الروسية الجديدة. وما ينطبق على روسيا في هذا المجال ينطبق على أميركا وسائر الدول العظمى، فكما ذكرنا، لا أخلاق في السياسة.

هكذا أضحت الحال السورية بتعقيداتها الطائفية والدينية مسرحًا للتجاذبات وشدّ الحبل وحقل تجارب لكلّ القوى الإقليمية والدولية. أمّا الزعامات العربية التي تدعو ”المجتمع الدولي“ للتدخّل لوضع حدّ للمأساة السورية فإنّما تعبّر بهذه التصريحات عن فشلها القومي الذريع في تدارك ما يجري في ساحاتها العربية.

فلو كان هنالك شيء اسمه ”عروبة“ ذات أواصر قوية بحقّ وحقيق، لما دعا هؤلاء وأمثالهم ”المجتمع الدولي“ للتدخّل لوضع حدّ لهذه المذابح والمجاز. ولو كان هؤلاء عربًا حقيقيّين لهم أواصر تجمعهم لتدخّلوا هم لوضع حدّ للمذابح التي تُرتكب بحقّ أبناء جلدتهم. أليسوا زعماء يقفون على رأس دول ولديها جيوش جرّارة؟ فما بالهم، والحال هذه، يقفون مكتوفي الأيدي ويطالبون ”الغرباء“ من المجتمع الدولي أن يتدخّلوا لحلّ مشاكلهم هم؟ ولماذا لا يفعلون ما يطالبون المجتمع الدولي القيام به؟

ثمّ لاحظوا الفرق بين سلوك العالم الآخر مع اللاجئين الذين طرقوا أبوابه وبين سلوك العرب مع لاجئين يُفترض أنّهم أبناء ملّتهم. ألا ترى، عزيزي القارئ، أنّ مخيمات اللاجئين موجودة فقط في بلاد العرب والمسلمين. انظر إلى الملايين التي نزحت إلى أوروبا، فكلّ هذه الملايين لا تعيش في مخيمات لاجئين، وإنّما يتمّ استيعابها في المدن الأوروبية فتصبح جزءًا من المواطنين. فقط في بلاد العرب والمسلمين، الأردن، لبنان، تركيا وغيرها يتكدّس العرب في مخيّمات مزرية. فماذا يعني هذا؟ إنّه يعني شيئًا واحدًا، وهو أنّ العرب والمسلمين لا يستوعبون لاجئين بخلاف سائر الشعوب الأوروبية، وهي الشعوب ”الكافرة“ بنظر الأيديولوجيات التي رضعوها وترعرعوا عليها.

ألا تعني هذه الحال التي يراها القاصي والداني أنّ ما يُسمّى اصطلاحًا ”عروبة“ هو مجرّد أوهام لا تستند إلى أيّ أساس متين؟ ثمّ عندما يستعين نظام يدّعي العروبة، كالنظام السوري مثالاً، بطيران أجنبي روسي للفتك بمن يُفترض أنهم ”مواطنيه أو أبناء شعبه“، ألا يعني ذلك أنّ هذا الذي يُفترض أنه شعب واحد ليس كذلك بأيّ حال؟

إنّ هذه الحقائق التي تتكشّف أمام ناظرينا تدعو العربي الذي لا يزال يملك ذرّة من كرامة إنسانية أن يخجل من انتمائه إلى هذه الأمّة البائسة وزعاماتها على اختلاف مشاربها التي طالما أشبعته بالشعارات الفارغة. إنّها عقود طويلة من علك لشعارات لم تقدّم شيئًا للمواطن العربي، فماذا كانت حصيلة هذه الشعارات بعد كلّ هذه العقود؟ لقد أضحى العرب شراذم بشرية لا يجمعها شيء، تهيم على وجهها في عالم من التصحّر السياسي والاجتماعي والثقافي والأخلاقي.

لقد أضحت الجغرافيا العربية مختبرًا تجري فيه الدول العظمى تجاربها، وأضحى العرب حيوانات مختبرية تهيم على وجهها فلا تعرف سبيلاً للخروج من أزماتها. هذه هي الحقائق جلية وعلى الملأ ولا يمكن كنسها وإخفاؤها تحت البساط.
*
الحياة، 2 مارس 2018


For English, press here


مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

أصوات
  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • روبرت فروست

    يَقُولُ البَعْضُ: سَيَنْتَهِي العَالَمُ بِالنّارِ،
    وَالبَعْضُ يَقُولُ: بِالجَلِيدِ.

    مِمَّا كُنْتُ ذُقْتُ مِنَ الأَشْواقِ
    أَمِيلُ إلَى رَأْيِ القائِلِينَ بِالنّارِ.
  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك

    زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء من العالم هنا الآن

  • مواضيع مختارة