دروس من الحرب السورية

 إنّ ما يهمّنا في هذه العجالة هو النّظر إلى طبيعة هذا الكيان السوري الذي وصل إلى هذا الدرك، وعلى جميع الأصعدة السياسية، الاجتماعية، وفوق كلّ ذلك الأخلاقية.

سلمان مصالحة ||

دروس من الحرب السورية


هل هنالك من عبر يخرج بها المتمعّن في الحرب الأهلية الطاحنة التي ضربت سورية في الأعوام الأخيرة؟ إنّه سؤال مؤرّق ومقلق لأنّ الذي انكشف على الملأ هو طرف واحد فقط من جبل الجليد الذي بقي جلّه خافيًا عن الأنظار في أعماق معتمة.
لا مناص من الحديث عن كلّ شيء بصراحة. إنّ مواصلة السلوك كالنعام ودسّ الرأس في الرمال لا يمكن أن تصل بنا إلى حسن المآل أو راحة البال.

طوال هذه الأعوام التي انصرمت على المذبحة السورية خرج الكثيرون في بلاد العرب بمقولات متعارضة ومتناقضة في آن. لقد كشفت المذبحة السورية عن اصطفافات عربية هي أبعد ما تكون عن الأخلاق. وخلال كلّ هذه الأعوام لم يكن الإنسان في مركز هذه المواقف المتناقضة، وإنّما جنحت الأطراف السورية ومن ورائها الأطراف العربية والدولية إلى الاصطفاف مع جمهرة أصحاب المصالح المتناقضة.

لنترك جانبًا الآن القوى العظمى البعيدة والقوى الإقليمية القريبة التي لعبت أدوارًا خبيثة في صبّ الزيت على نار هذه الحرب التي أكلت الأخضر واليابس. كلّ هذه القوى قد تُبدّل مواقفها من النقيض إلى النقيض إذا رأت حاجة لذلك، فلا يُسيّرها سوى مصالحها وهي لا تأبه بأيّ حال بمصائر البشر في هذا البلد المنكوب.

إنّ ما يهمّنا في هذه العجالة هو النّظر إلى طبيعة هذا الكيان السوري الذي وصل إلى هذا الدرك، وعلى جميع الأصعدة السياسية، الاجتماعية، وفوق كلّ ذلك الأخلاقية. والأسئلة التي لا مناص من طرحها على الملأ هي: ما هي الأسس السياسية والاجتماعية التي انبنى عليها بنيان هذا الكيان؟ وهل هنالك من تربة ثقافية واجتماعية رفدت فروع هذه الشجرة بسموم كامنة في ثقافة هذا المشرق فأوصلتها إلى اليبس والانهيار؟

لأجل استجلاء بعض الخطوط العريضة لهذا الوباء الذي ينخر في عظام هذا المشرق، يكفي أن ننظر في هذه الانزياحات الديموغرافية التي تجري على الساحة السورية علانية. من الواضح أنّ الحرب الأهلية السورية التي نشبت في البدء كانتفاضة شعبيّة تنشد الحريّة وضدّ حكم الاستبداد الذي أطبق عقودًا على البلد، سرعان ما تحوّلت إلى عصبيّات طائفيّة عابرة للحدود.

ما كانت هذه الانتفاضة الشعبيّة لتصل إلى هذا الطريق المسدود لولا طبيعة هذه السلطة الحاكمة والمستبدّة بهذا البلد منذ عقود. فطبيعة هذا الحكم، لم تكن في يوم من الأيّام طبيعة وطنيّة جامعة لأطياف البشر الذين يقطنون هذا البلد. ولأنّ السلطة البعثية قد سقطت في براثن الطائفيّة منذ تولّي حافظ الأسد مقاليد الحكم في سورية وتجذيره لهذه الطبيعة، فقد وضع الأسس منذ ذلك الوقت لعملية توريث الحكم مستقبلاً. والتوريث لا يمكن أن يكون بأيّ حال وطنيًّا، فالتوريث قبليّ أوّلاً وقبل كلّ شيء وطائفيّ ثانيًا.

وعلى هذه الخلفيّة، فمن منظور سلطة من هذا النوع فإنّ أيّ حراك شعبيّ ومهما كان ذا صبغة وطنيّة فهو يُشكّل خطرًا على السلطة والحاكم. هكذا كانت الأرضيّة مهيّأة للجنوح إلى البطش وارتكاب المجازر. إنّ أبرز وأبشع ما يمثّل هذه السلطة هو شعارات مثل: «الأسد إلى الأبد» أو «الأسد أو نحرق البلد». أي إنّ الشعارات لم تكن وطنيّة، بل شعارت قبليّة محضة، وطائفيّة في نهاية المطاف.

لولا وجود هذه الجذور الطائفيّة في هذا البلد لما استطاعت الدول الأخرى أن تتلاعب بمصير البشر فيه. لو كان هنالك بنيان وطني قويّ لما استطاعت القوى الخارجية صبّ كلّ هذا الزيت على النار الطائفيّة الملتهبة فيه. وبكلام آخر، لم يُفلح هذا النّظام المستبدّ في أن يخلق شعبًا سوريًّا عابرًا للطوائف. والحقيقة التي أراها أقرب إلى الصواب، هي أنّ هذا النّظام لم يرغب أصلاً في خلق شعب وكيان مبنيّ على أسس وطنيّة، لأنّ الأساس الوطني للبنيان سيدفعه إلى نهايته عاجلًا أم آجلًا. هكذا أوصل هذا النظام البلد إلى ما هو عليه في هذه الأيام.

إنّ الخراب العمراني والإنساني الذي ضرب هذا البلد هو جزء من مخطّط سلطوي يهدف إلى إجراء زحزحة ديموغرافية وجغرافية في هذا البلد بغية الوصول إلى «تجانس» مجتمعي. لقد كشف الأسد عن هذا الوجه في تصريحاته: «خسرنا خيرة شبابنا وبنية تحتية... صحيح. لكننا بالمقابل ربحنا مجتمعًا أكثر صحة وأكثر تجانسًا بالمعنى الحقيقي... هذا التجانس هو أساس الوحدة الوطنية، تجانس العقائد، تجانس الأفكار، التقاليد، العادات».

والمعنى الأبعد لتصريحات الأسد هو أنّ هذا المجتمع في هذا البلد لم يكن في الماضي متجانسًا أبدًا. إنّ انعدام التجانُس هو الجذور الطائفية التي نخرت هذا البلد وأوصلته إلى هذا الخراب. إنّ الـ«تجانس» الطائفي في العقائد والتقاليد والعادات هو ما يُسيّر هذا المشرق بأسره، وليس سورية لوحدها.

والسؤال الذي لا يني يؤرّق هو: هل بوسع مجتمعاتنا في هذا المشرق أن تشقّ طريقها للخروج من هذه الحلقة المفرغة؟ وللإجابة على هذا السؤال، نحن بحاجة أوّلاً إن نسلك طريق التصارُح إذ إنّّها الطريق الوحيدة التي تُفضي إلى التصالُح.
*
الحياة، 28 مارس 2018


مشاركات:

تعقيبات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • المرأة هي الحل

    لا مناص لنا سوى رؤية عرب اليوم كعربان الأمس حتّى وإن ركبوا الطّائرات وقادوا السيّارات وتشاتتوا في الإنترنت. حتّى أولئك الّذين ولدوا وترعرعوا في دول الغرب لم تتغيّر مفاهيمهم...
  • عنصرية عربية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

قضايا محلية
  • شعب واحد أم تشعّبات

    لم يتغيّر شيء في الذّهن العربيّ منذ الجاهليّة الجهلاء. فالوحدة السياسيّة الفاعلة في هذا المجتمع لا تزال إلى يومنا هذا هي وحدة القبيلة، والعشيرة، والحمولة والعائلة.
  • عروس عروبتكم

    منذ العام 67 وبعد حرب حزيران تسيطر إسرائيل على شطري مدينة القدس شرقها بغربها. وبين الفينة والأخرى تطفو على السّطح قضيّة القدس بأبعادها الفلسطينيّة، العربيّة والإسلاميّة.
قضايا ثقافية
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال...

انقر لإرسال إيميل
موسيقى كلاسيكية

***
موسيقى جاز


نصوص شعرية
  • كلام الواحد الثاني

    الحُلْمُ فِي قَفَصٍ
    يَزْقُوهُ صَاحِبُهُ،
    بِفِكْرَةٍ وَقَعَتْ مِنْ
    غَيْمِ نِسْيَانِ.



  • أي، نعم

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.

    فَأَنَا فِي حَيْرَةٍ مِنْ أَمْرِهِ
    أَقِدُ الحَسْرَةَ فِي قَلْبٍ، وَفَمْ


  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.



أرشيف الجهة

 
دراسات
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • إيلوهيم في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."

  • الإسراء إلى هيكل سليمان

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
نصوص نثرية
  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة. اليد التي ارتفعت بحركة بطيئة وأمسكت بطرف منها ودّت أن تفعل هذه السّتارة أمرًا ما؛ أن لا تسمح مثلاً...
  • كل الطيور تؤدي إلى روما

    كنت لا أزال طفلاً يافعًا، ولم تكن تنقصني سذاجة من سذاجات تلك الأيّام الغابرة. آنذاك لم يخطر أبدًا على بالي العربيّة الغضّة طرفُ خيط أمسك به، أو فكرة تحملني على معرفة النّوايا الخفيّة لأسراب الطّيور الّتي كانت تحطّ في حقول الزّيتون لقرية المغار الجليليّة المطلّة على بحيرة طبريّة...
  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
ترجمات
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
لغات أخرى