الثلاثاء، 7 أكتوبر 2008

لا فضل لعربي على أعجمي إلاّ بالقهوة

 13 يناير 2008

 سـلمان مصـالحة

لا فضل لعربيّ على أعجميّ إلاّ بالقهوة

عندما اندلعت الثّورة
الإيرانيّة الشّعبيّة وأطاحت بالشّاه، استغلّ سفّاح العراق، البعثي القبلي التّكريتي، هذا الوضع الإيراني الحرج فزجّ بالعراق في حرب ضروس مع إيران حرقت الأخضر واليابس في هذين البلدين. لقد ذهب ضحيّة هذه الحرب الّتي استمرّت سنوات مئات الألوف من البشر، إن لم يكن العدد أكبر من ذلك، في هاتين البقعتين. ولمّا طالت الحرب ولم يأت النّصر بدأت تظهر على السّاحة التّعابير الّتي تنمّ عن الشّعوبيّة الشّعبويّة العربيّة النّاهلة من موروثات أسطوريّة قديمة، بدءًا بقادسيّة صدّام وذي قار وانتهاءً باستخدام تعابير الفرس والعجم تكريسًا للقومويّة العنصريّة العربيّة تجاه مسلمين آخرين لمجرّد كونهم لا ينتمون إلى القوميّة العربيّة.

الأساطير لا تموت. الأساطير خُلقت لكي تعيش على مرّ الزّمن. قد تخبو أحيانًا وقد يلفّها النّسيان لبعض الوقت غير أنّها تظلّ كالجمر الكامن تحت الرّماد، فما أن تهبّ ريح على موقدها حتّى يتناثر الرّماد فتستعر من جديد. وها هي الرّياح العاتية تهبّ في هذه المنطقة، وها نحن نشاهد هذا السّعير العنصري من جديد تجاه الفرس والعجم، كما يظهر من كتابات بعض العرب الّذين يشاهدون صباح مساء كيف تبني إيران نفسها في هذه البقعة من الأرض، فيسارعون إلى انتشال التّعابير العنصريّة الّتي تنهل من موروث قديم مشيرين إلى الصّراع بين العرب والعجم.

لا يشكّ أحد في
وقوفي علنًا ضدّ ما يمثّله ملالي إيران، وقد عبّرت عن ذلك في أكثر من مناسبة. غير أنّ هنالك فرقًا شاسعًا بين الوقوف ضدّ الملالي وبين النّظرة العنصريّة العربيّة تجاه الشّعب الإيراني المغلوب على أمره. فرغم كلّ قد يُقال عن طبيعة هذا النّظام، إلاّ أنّ المرء ملزم بقول الأمور صراحة أيضًا. فرغم كلّ ذلك، يبقى النّظام الإيراني والشّعب الإيراني أكثر تعدّديّة وديمقراطيّة من جميع الأنظمة والشّعوب العربيّة كافّة. ففي الانتخابات الرّئاسيّة الإيرانيّة هنالك أكثر من مرشّح واحد، وهذه حالة معدومة في كلّ الأقطار العربيّة. كما أنّ أحمدي نجاد، أو خاتمي لا ينتميان إلى قبائل تدعمهما بالحديد والنّار، كما هي حال قبائل العربان. من هنا، لزامٌ على الفرد العربي أن ينظر إلى نفسه في المرآة قبل صبّ تعابيره العنصريّة تجاه الآخر الإيراني في هذه الحالة.

لقد ذكرت في أكثر من مناسبة أنّ البلد الوحيد في هذه المنطقة الّذي قد تحدث فيه ثورة ديمقراطيّة حقيقيّة هو إيران بلا أدنى شكّ. إنّ نظام الملالي زائل لا محالة لأنّ هذه هي طبيعة الحياة وسنّة الحياة في العصر الحديث. والشّعب الإيراني المتحضّر والمنفتح على الحضارات بحاجة إلى دعم جميع المتنوّرين في هذا العالم، وهو بحاجة إلى دعم المتنوّرين العرب على وجه التّحديد، لأنّ الثّورة التّنويريّة الحقيقيّة في هذا الشّرق ستأتي من إيران بالذّات، بعد أن يطيح الشّعب الإيراني بنظام الملالي القابع في غياهب الماضي.

كذلك، على العرب تحديدًا
أن يلجموا النّظرة العنصريّة الشّائعة لديهم تجاه الفرس والعجم. فيكفي لهم أن ينظروا قليلاً في تاريخهم ليجدوا أنّ للفرس والعجم فضلاً كبيرًا على حضارتهم العربيّة والإسلاميّة في كافّة المجالات. ففي المجالات الدّينيّة نذكر على سبيل المثال لا الحصر، البخاري ومسلم والتّرمذي والنّسائي والبيهقي والسّرخسي وأبو حنيفة وغيرهم الكثير، فهل كان المسلمون سيحفظون دينهم لولا هؤلاء وأمثالهم من ذوي الأصول الفارسيّة؟ وفي مجال اللّغة العربيّة ذاتها، كيف كانت أحوال تلك اللّغة لولا سيبويه والزّمخشري والفيروزابادي وابن المقفع وغيرهم؟ وماذا بخصوص البيروني والرّازي والجرجاني والخوارزمي في سائر العلوم الطبيّة والموسيقيّة إلى آخر قائمة العلماء والفلاسفة وغيرهم الكثير الكثير الّذين كان جلّهم من أصول غير عربيّة، بل كانوا في الغالب من أصول فارسيّة على وجه التّحديد. إذن، قبل أن يتفوّه البعض من العرب بتعابير تنمّ عن نظرة عنصريّة مقيتة عليهم النّظر إلى كلّ هؤلاء بنوع من الإجلال والتّواضع.

حتّى أنّ ما ذُكر من حديث
بشأن عدم فضل العربيّ على الأعجميّ إلاّ بالتّقوى، فيبدو أيضًا أنّه حتّى في هذه الأمور لم يعد للعرب فضل على أحد. فحتّى هذه التّقوى لم تعد من صفاتهم، وعلى ما يبدو لم تكن يومًا من الأيّام من سماتهم. فنظرة واحدة إلى تاريخ العرب وتاريخ الخلفاء والرّؤساء قديمًا وحديثًا لنرى أنّها كانت أبعد ما يكون عن ذلك، بل يمكن القول إنّ ما كان يميّزها هو القتل والسّحل لبني البشر في كلّ مكان.


لم يبق إذن للعرب سوى
القهوة يتفاخرون بها على غيرهم، إذ هنالك خرافة لا ندري مدى صحّتها تقول إنّ العرب هم الّذين اكتشفوا القهوة. ولأنّي مولع بشرب القهوة صبوحًا وغبوقًا، وفي أيّ وقت كان، فأنا لهم من الشّاكرين. ولكن حتّى هذه القهوة، لم يعد للعرب فضل بها على غيرهم، إذ أنّ الإسپرسّو الطّلياني أو الفرنسي أفضل مذاقًا من كلّ ما يتشدّق به العرب من فضل القهوة العربيّة على غيرها.
بعد كلّ هذا، أليس من حقّنا أن نقول للعالم أجمع كلّ عام وأنتم بخير، وبالفارسيّة: سال نو مبارك!

والعقل وليّ التّوفيق.

يناير 2008


محمود درويش: شاعر، قاتل، قارئ

سلمان مصالحة ||

محمود درويش: شاعر، قاتل، قارئ



كان محمود درويش
على علم بكلّ التّفاصيل. نعم، كان يعرف كلّ التّفاصيل لأنّه شاعر. والشّعر ليس من الشّعور، أي العواطف والأحاسيس، كما شاع الفهم لدى جهلة العامّة والـ"خاصّة" من العرب. إنّما هو من الاستشعار، أي الفطنة والحدس. لقد عرف العرب ذلك منذ قديم الزّمان، فقالوا: "وسُمّي الشّاعرُ شاعرًا لفطنته، وهو الفقيه أيضًا، والفقه عندهم الفطنة..."، وقالوا أيضًا: لأنّ الشّاعر "يَظُنّ فيُحَقّق". لقد نسي العرب هذا الكلام من زمان أيضًا، فصاروا، لشدّة ما هم عاطفيّون، يظنّون أنّ الشّعر من الشّعور والعواطف.

ولأنّه كان شاعرًا بمعنى
هذه الفطنة، فقد كان يعرف ماذا سيجري بعد رحيله، فقال: "يُحبّونني ميّتًا ليَقُولوا: لقد كانَ منّا، وكانَ لنا. / سمعتُ الخُطَى ذاتها... تأتي / ولا تفتحُ الباب". هكذا، بفطنته الشّعريّة، وضع درويش تعليماته شعرًا لزمرة المخرجين المسرحيّين الّذي يعملون حثيثًا على إخراج جنازته على خشبة المعاناة الفلسطينيّة، والعربيّة أيضًا، وها هو الشّاعر "يظنّ فيحقّق". فما أن أسدل جفنيه في نوم أبديّ على "سرير غريب" وراء البحار، حتّى سارعت "الخطى ذاتها" تذرف دموع التّماسيح، الّتي أضحت على ما يبدو ماركة عربيّة مسجّلة، على الفقيد.

فقط بالأمس القريب،كانت مقل التّماسيح جافّة، وإن كان في تلك المقل شيء من رطوبة فقد كانت تلك رطوبة سامّة. نعم، بالأمس القريب كانت كلّ تلك التّماسيح تكيل الاتّهامات إلى درويش، مرّة بسبب الغيرة منه ومرّة بسبب الحيرة منه. وبين غيرة وحيرة كان ثمّة أناس ممّن أطلق عليهم اسم "مراهقي العروبة" يصمونه سياسيًّا، حينًا لأنّه يظهر في قراءات مع شعراء إسرائيليّين في أوروبا أو غيرها، ومرّة لأنّه جاء ليقرأ شعره على أهله وربعه في حيفا. هكذا كان بالأمس القريب. لكن، ما أن أغمض عينيه حتّى انهالت دموع هؤلاء مدرارة "هنا" و"هناك"، "هناك" و"هنا"، كما شاعت مفرداته في السّنوات الأخيرة.

وها هو درويش يسمع كلّ هؤلاء الّذين "يحبّونه ميّتًا"، يسمع خطاهم على عتبة بيته. بالأمس القريب، لم تكن الخطى "تفتح الباب". فقط الآن، الآن فقط، بعد أن اشتمّت الخطى أنّ العيون قد أغمضت في رحلة أبديّة، راحت تتدافع على الدّخول. نعم، كانت قبلُ "تأتي ولا تفتح الباب. لكنّها تدخل الآن"، فقد أزفت ساعة الاتّجار، وكلّ واحد يرغب بفتات ضوء من هالة أحاطت به حيًّا، والآن ميتًا.

وها هي الخطى تدهم
الباب دهمًا. وها هي الخطى تتشكّل أمام أعيننا المشدوهة، تتشكّل أمام عينيه المغمضتين: "يخرج منها الثّلاثة: شاعرٌ، قاتلٌ، قارئٌ". ليسوا ثلاثة أيّها الشّاعر، إنّهم أكثر ممّا تستطيع أن تُحصي الآن. إنّهم شعراء، قتلة وقرّاء يصطفّون على عتبة بيتك يذرفون دمعًا شفّافًا، أستطيع أن أرى خلله ما يُضمرون وما يسترون في دواخلهم. فيا لك من شاعر مخرج، ويا لها من مسرحيّة. فما أكثر المندسّين الآن على هذه الخشبة. كلّهم هواة تمثيل أيّها الشّاعر المهاجر، وكلّهم يصرّ إنّه الممثّل الشّرعي الوحيد، أيّها الشّاعر، ولا شرع، ولا شعر ولا ما يحزنون أيّها الشّاعر. وبقدر ما تنفتح أعيننا على مصاريعها اندهاشًا، بقدر ما تتّسع مقل التّماسيح ذرفًا وانتهاشًا.

لم تشأ أنت أن تشاهد
العرض المسرحيّ إلى نهايته لأنّك أنت رسمت نهايته، فأسرعت خارجًا من القاعة. أستطيع أن ألمح تلك الابتسامة الّتي تحاول أن تخفيها في ظلمة القاعة. طلبت منهم أن يكونوا بطيئين: "قلت: سأسألكم أن تكونوا بطيئين، أن / تقتلوني رويدًا رويدًا". غير أنّك، وإن كنت فطنًا شعرًا، لم تكن فطنًا إلى قوانين الغابة العربيّة. فما أن انسللت خارجًا حتّى سارعوا إلى اعتلاء خشبة المسرح، منهم الـ"شّاعر"، ومنهم الـ"قاتل"، ومنهم الـ"قارئ". ولأنّك لم تكن فطنًا على ما يبدو أو ربّما لأنّك، كعادتك، لم تشأ أن تُغضب السّياسيّين لم تضف إلى هؤلاء الثّلاثة واحدًا رابعًا، هو الـ"سياسي"، رجل السّلطة "هنا" و"هناك"، "هناك" و"هنا". ولأنّي كنت صريحًا مع ذاتي، فقد كنت صريحًا معك وكتبت أمورًا أغاظتك كما نما إلى أسماعي من صديقة وفيّة لك ولي. غير أنّ الأمور اطمأنّت في الآونة الأخيرة، ودار الحديث عن لقاء هادئ لجسر البعيد وكسر الجليد. كنت تعلم حقّ العلم، وقبل أن تخرج في رحلتك الأبديّة أنّ ذلك البعيد لم يكن بعدًا بل قربٌ، وأنّ ذلك الجليد لم يكن قرًّا بل حبٌّ، أيّها الشّاعر المهاجر.

أمّا الآن، وبينما
أنت مسجّى الآن أمام أعين جميع هؤلاء المنتمين إلى فصيلة التّماسيح، من صنف أولئك الّذين لا "يظنّون" ولا "يحقّقون"، نقول لك بكلامك: "ما زال في الدّرب دربُ". وأمّا "الكلام الّذي قلته لزوجة قلبك"، فسيبقى لك على الدّهر.
فنم هنيئًا أيّها الفتى العربيّ، فأنتم السّابقون.
***

نشرت المقالة في إيلاف 13/8/2008

****


سلمان مصالحة

نصوص
  • شفا القلق

    خُذْ مِنْ بَقَايا الرُّوحِ مُرْتَمَقًا،
    وَانْثُرْ بَقايَاكَ عَلَى الوَرَقِ

    لَمْ يَبْقَ مِنْ شَـيْءٍ تُسَـائِلُـهُ
    إلاّ سَبَايَا الهَمِّ فَانْطَـلِـقِ

    وَارْسِمْ حُرُوفًا لَيْسَ يُدْرِكُـها
    قَوْمٌ تَوَارَوْا عَنْ خُطَى الأَرَقِ



محتويات الموقع

 
مختارات
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره.


  • كشف أسرار الرهبان

    "اعلم أنّ بعض هذه الطائفة أعظم الأمم كذبًا ونفاقًا ودهاء، وذلك أنّهم يلعبون بعقول النصارى ويستبيحون النساء وينزلون عليهم الباروك، ولا يعلم أحد أحوالهم...
  • مواطنة شرف

    عقب حرب حزيران في العام 1967، أو حرب الأيام الستّة كما شاع اسمها إسرائيليًّا،  أو النكسة، كما وسمها الإعلام العربي...
    تتمة الكلام
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة...
    تتمة الكلام...

قراءات
  • يهوه التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح ...


  • سبحان الذي أسرى

    نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...
    تتمة الكلام...

مكتبة دير سانت غال، سويسرا، يوليو 2026 (س.م.)