7 أكتوبر، 2008

رحيل محمود درويش


سلمان مصالحة

ــــــــــــــــــــ

محمود درويش: شاعر، قاتل، قارئ


كان محمود درويش

على علم بكلّ التّفاصيل. نعم، كان يعرف كلّ التّفاصيل لأنّه شاعر. والشّعر ليس من الشّعور، أي العواطف والأحاسيس، كما شاع الفهم لدى جهلة العامّة والـ"خاصّة" من العرب. إنّما هو من الاستشعار، أي الفطنة والحدس. لقد عرف العرب ذلك منذ قديم الزّمان، فقالوا: "وسُمّي الشّاعرُ شاعرًا لفطنته، وهو الفقيه أيضًا، والفقه عندهم الفطنة..."، وقالوا أيضًا: لأنّ الشّاعر "يَظُنّ فيُحَقّق". لقد نسي العرب هذا الكلام من زمان أيضًا، فصاروا، لشدّة ما هم عاطفيّون، يظنّون أنّ الشّعر من الشّعور والعواطف.

ولأنّه كان شاعرًا بمعنى

هذه الفطنة، فقد كان يعرف ماذا سيجري بعد رحيله، فقال: "يُحبّونني ميّتًا ليَقُولوا: لقد كانَ منّا، وكانَ لنا. / سمعتُ الخُطَى ذاتها... تأتي / ولا تفتحُ الباب". هكذا، بفطنته الشّعريّة، وضع درويش تعليماته شعرًا لزمرة المخرجين المسرحيّين الّذي يعملون حثيثًا على إخراج جنازته على خشبة المعاناة الفلسطينيّة، والعربيّة أيضًا، وها هو الشّاعر "يظنّ فيحقّق". فما أن أسدل جفنيه في نوم أبديّ على "سرير غريب" وراء البحار، حتّى سارعت "الخطى ذاتها" تذرف دموع التّماسيح، الّتي أضحت على ما يبدو ماركة عربيّة مسجّلة، على الفقيد.
فقط بالأمس القريب،
كانت مقل التّماسيح جافّة، وإن كان في تلك المقل شيء من رطوبة فقد كانت تلك رطوبة سامّة. نعم، بالأمس القريب كانت كلّ تلك التّماسيح تكيل الاتّهامات إلى درويش، مرّة بسبب الغيرة منه ومرّة بسبب الحيرة منه. وبين غيرة وحيرة كان ثمّة أناس ممّن أطلق عليهم اسم "مراهقي العروبة" يصمونه سياسيًّا، حينًا لأنّه يظهر في قراءات مع شعراء إسرائيليّين في أوروبا أو غيرها، ومرّة لأنّه جاء ليقرأ شعره على أهله وربعه في حيفا. هكذا كان بالأمس القريب. لكن، ما أن أغمض عينيه حتّى انهالت دموع هؤلاء مدرارة "هنا" و"هناك"، "هناك" و"هنا"، كما شاعت مفرداته في السّنوات الأخيرة.
وها هو درويش يسمع كلّ هؤلاء الّذين "يحبّونه ميّتًا"، يسمع خطاهم على عتبة بيته. بالأمس القريب، لم تكن الخطى "تفتح الباب". فقط الآن، الآن فقط، بعد أن اشتمّت الخطى أنّ العيون قد أغمضت في رحلة أبديّة، راحت تتدافع على الدّخول. نعم، كانت قبلُ "تأتي ولا تفتح الباب. لكنّها تدخل الآن"، فقد أزفت ساعة الاتّجار، وكلّ واحد يرغب بفتات ضوء من هالة أحاطت به حيًّا، والآن ميتًا.

وها هي الخطى تدهم

الباب دهمًا. وها هي الخطى تتشكّل أمام أعيننا المشدوهة، تتشكّل أمام عينيه المغمضتين: "يخرج منها الثّلاثة: شاعرٌ، قاتلٌ، قارئٌ". ليسوا ثلاثة أيّها الشّاعر، إنّهم أكثر ممّا تستطيع أن تُحصي الآن. إنّهم شعراء، قتلة وقرّاء يصطفّون على عتبة بيتك يذرفون دمعًا شفّافًا، أستطيع أن أرى خلله ما يُضمرون وما يسترون في دواخلهم. فيا لك من شاعر مخرج، ويا لها من مسرحيّة. فما أكثر المندسّين الآن على هذه الخشبة. كلّهم هواة تمثيل أيّها الشّاعر المهاجر، وكلّهم يصرّ إنّه الممثّل الشّرعي الوحيد، أيّها الشّاعر، ولا شرع، ولا شعر ولا ما يحزنون أيّها الشّاعر. وبقدر ما تنفتح أعيننا على مصاريعها اندهاشًا، بقدر ما تتّسع مقل التّماسيح ذرفًا وانتهاشًا.

لم تشأ أنت أن تشاهد

العرض المسرحيّ إلى نهايته لأنّك أنت رسمت نهايته، فأسرعت خارجًا من القاعة. أستطيع أن ألمح تلك الابتسامة الّتي تحاول أن تخفيها في ظلمة القاعة. طلبت منهم أن يكونوا بطيئين: "قلت: سأسألكم أن تكونوا بطيئين، أن / تقتلوني رويدًا رويدًا". غير أنّك، وإن كنت فطنًا شعرًا، لم تكن فطنًا إلى قوانين الغابة العربيّة. فما أن انسللت خارجًا حتّى سارعوا إلى اعتلاء خشبة المسرح، منهم الـ"شّاعر"، ومنهم الـ"قاتل"، ومنهم الـ"قارئ". ولأنّك لم تكن فطنًا على ما يبدو أو ربّما لأنّك، كعادتك، لم تشأ أن تُغضب السّياسيّين لم تضف إلى هؤلاء الثّلاثة واحدًا رابعًا، هو الـ"سياسي"، رجل السّلطة "هنا" و"هناك"، "هناك" و"هنا". ولأنّي كنت صريحًا مع ذاتي، فقد كنت صريحًا معك وكتبت أمورًا أغاظتك كما نما إلى أسماعي من صديقة وفيّة لك ولي. غير أنّ الأمور اطمأنّت في الآونة الأخيرة، ودار الحديث عن لقاء هادئ لجسر البعيد وكسر الجليد. كنت تعلم حقّ العلم، وقبل أن تخرج في رحلتك الأبديّة أنّ ذلك البعيد لم يكن بعدًا بل قربٌ، وأنّ ذلك الجليد لم يكن قرًّا بل حبٌّ، أيّها الشّاعر المهاجر.

أمّا الآن، وبينما

أنت مسجّى الآن أمام أعين جميع هؤلاء المنتمين إلى فصيلة التّماسيح، من صنف أولئك الّذين لا "يظنّون" ولا "يحقّقون"، نقول لك بكلامك: "ما زال في الدّرب دربُ". وأمّا "الكلام الّذي قلته لزوجة قلبك"، فسيبقى لك على الدّهر.
فنم هنيئًا أيّها الفتى العربيّ، فأنتم السّابقون.
***

المقالة في إيلاف





******************

سلمان مصالحة


العائد الأَبَديّ


لِسانُكَ نِصْفانِ. نِصْفٌ تَلَوَّى كَحَبْلِ حَرِيرٍ عَلَى
صَهْوَةٍ لِحِصَانٍ. رَبَطْتَ بِهِ رُقْعَةً مِنْْ غَمامٍ أَصِيلٍ.
رَبَطْتَ بِهِ آهَةً وَقَعَتْ مِنْ حَنِينٍ إلَى بَلَدٍ عَائِمٍ فِـي
بَقايَاكَ حَيْثُ رَحَلْتَ. "هُنَا"كَ "هُنَا"يَ هُنا. لَنْ
أَبُوحَ لِطَيْرِ السَّماءِ بِسِرٍّ ثَنَى أَضْلُعِي حَوْلَ قَلْبٍ
كَلِيلٍ، لِئَلاّ يَطِيرَ الفَراشُ إلَى راحِلٍ شَدَّنَا لِلتُّرابِ.
كَـنَبْضَةِ قَلْبٍ أَنا، لَمْ أَعِشْها، اسْتَفاقَتْ عَلَى رَعْشَةٍ
مِنْ ذِكْرِ حُبِّـي الشّمالَ البَعِيدَ. هُناكَ "هُنا"يَ الَّذِي
يَرْقُبُ البَحْرَ كَـيْلا يَجِفَّ. خُطانا مَدًى مَدَّنَا
فَوْقَ مَوْجٍ سُدًى. مَطَرٌ عائِدٌ للسَّرابِ شَذًى، نَدًى
نازِفٌ مِنْ عُيُونِ الشَّبابِ شَظايا لَهَبْ.
*
لِسانُكَ نِصْفانِ. نِصْفٌ تَغَنَّى بِنِصْفٍ تَلَعْثَمَ إذْ
مَطَرَتْ دَمْعَها غَيْمَةُ الصُّبْحِ دافِئًا، لَوْعَها دافِقًا فِـي
كُرُومِ عِنَبْ. وَحِينَ تَدَلَّتْ قُطُوفُ التِّلالِ كَـثَدْيٍ
حَلالٍ، تَرَكْتَ الهِلالَ وَحِيدًا وَيَمَّمْتَ وَجْهَكَ
صَوْبَ ظِلالٍ مِنَ النُّورِ، تِبْحَثُ عَن لَـحْظَةٍ، فِكْرَةٍ،
فُرْصَةٍ لِلرُّجُوعِ الفَصِيحِ. سَبَحْتَ زَمانًا بِأَضْوائِها،
ضَحْلَةٌ مِثْلُ لَوْنِ النُّزُوحِ. وَحِينَ أَفاقَ الفَراشُ
لِيَمْضِي إلَى تَلَّةٍ فِـي الجنوبِ الوَحِيدِ، القريبِ البَعيدِ،
نَظَرْتَ كَمَنْ شَاقَهُ الصَّيْفُ سِرًّا لِسِرٍّ دَفِـينٍ. نَظَرْتَ
كَمَنْ عَلَّقَ الكَفَّ فَوْقَ الجَبِينِ سَحابَةَ يَوْمٍ وَلَمْ يَرَ
كَـيْفَ تَمُرُّ السُّنُونُو مُحَمَّلَةً زَمَنًا فِـي جَناحِ السِّهامِ
الّتِـي انْطَلَقَتْ لا لِشَيْءٍ. وَلَمْ يَرَ كَـيْفَ تَصِيرُ هُناكَ
العُيُونُ شَواهِدَ بِئْرٍ، وَنَبْعًا نَضَبْ.
هُناكَ هُنا. مَنْ هُنا؟ مَنْ لَنَا؟ مَنْ هُناكَ بِكُلِّ الجِهاتِ
بَراهُ التَّعَبْ؟ وَمَنْ باكرًا فِـي الصَّباحِ الغَرِيبِ رَأى
كَـيْفَ يَمْضِي الجُنُونُ إلَى حَتْفِهِ فِـي غُرُوبٍ نَضِيرٍ؟
وَمنْ يَرْكَـبُ الرَّأْسَ مُذْ دُحِيَتْ فِكْرَةُ الخَلْقِ فَوْقَ
ماءٍ غَزِيرٍ، بِغَيْرِ سَبَبْ؟
*
لِسانُكَ نِصْفانِ. نِصْفٌ نَمَا قَمْحُهُ حِينَ عادَ
الرَّبيعُ إلَى رَبْعِهِ فِـي مَواسِمِ ذِكْرَى.يَرُدُّ الجَمِيلَ
جَمالاً وَفِـيرًا. لِسانُ كَنارٍ قَضَى عُمْرَهُ راحِلاً
خَلْفَ فَرْعٍ بَعِيدٍ، وَفَرْعٍ سَعِيدٍ يُعِيدُ إلَيْهِ الغِناءَ
الَّذِي قَدْ ذَهَبْ. وَنِصْفٌ مُقَفَّى بِأَحْرُفِ غَيْمٍ،
تَدَلَّى عَلَى شُرْفَةِ البَيْتِ عِنْدَ غُرُوبِ شُهُبْ.
يَرَى الطَّيْرَ كَـيْفَ يَعُودُ إلَى عُشِّهِ فى البَرارِي.
وَمَا مَنْ يُعِيدُ إلَيْهِ الحُرُوفَ الّتـي هَجَرَتْ سِرْبَهَا
فِـي القَوافِـي، فَظَنَّ بِأَنَّ الخَيالَ الَّذِي شَدَّهُ
كَالرِّحالِ اسْتَحالَ خُيُولاً تَرُدُّ لَهُ ما مَضَى
مِنْ زَمانٍ ذَهَبْ.

لِسانُكَ نِصْفانِ. نِصْفٌ فَؤَادٌ، وَنِصْفٌ نَمَا
مِثْلَ نَبْضِ اللَّمَى حِينَمَا كَـتَبَ الدَّهْرُ بَيْنَهُمَا
ما كَـتَبْ. فَلا يَلْتَقِـي النِّصْفُ بِالنِّصْفِ،
إلاّ إذا عَرَفَتْ شَفَةُ الهَوَى أَصْلَهَا، فَصْلَها،
رَفَعَتْ نَصْلَهَا فاعِلاً قَبْلَ فِعْلِ الكَلامِ الكَبِيرِ.
وَلا يَسْتَوِي الفِعْلُ إلاّ إذَا رُسِمَتْ بَسْمَةٌ،
هُمِسَتْ قُبْلَةٌ فِـي عُيُونِ الصَّغِيرِ الوَحِيدِ.
فَكُلُّ الكَلامِ صَغِيرٌ، وَكُلُّ الوُجُودِ صَغِيرٌ.
صَغِيرٌ هُوَ العالَمُ المُسْتَتِبّْ.
*
لِسانُكَ نِصْفَانِ. نِصْفُ اللِّسانِ زَمانُ
صَباحٍ عَفِـيفٍ. مَضَى هائِمًا فِـي الرُّبَى
مِثْلَ حُلْمٍ خَفيفِ الجَناحِ. نَفتْهُ عُيُونُ
المُسافِرِ لَيْلاً إلَى يَقْظَةٍ فِـي لَيالِـي الشِّتاءِ
الطَّوِيل. وَنِصْفُ اللِّسانِ عِتابُ الخَرِيفِ
الَّذِي راحَ يَبْنِـي سِتارًا مِنَ النَّوْمِ خَلْفَ
الحَياةِ. ويُخْفِـي عَنِ الأَعْيُنِ السّاهِماتِ
صَباحًا تَأَخَّرَ، لا بُدَّ آتِ. فَلَمْ تَلْتَفِتْ
للحَمامِ الَّذِي هَجَرَ السَّطْحَ حِينَ نَمَتْ فِـي
جَناحَيْهِ رِيحُ انْفِلاتِ. فَعَلَّلْتَ نَفْسَكَ سَاعَةَ
عَصْرٍ بِنَسْمَةِ غَرْبٍ عَلِيلَهْ. وصَلَّيْتَ كَيْ يَحْمِلَ
المَوْجُ الدُّعاءَ، كما زَبَدٍ ناطِقٍ فِـي الحُرُوفِ.
فَلَمْ يَعُدِ الطَّيْرُ عَصْرًا، وَلَمْ تَعْتَرِفْ أَبَدًا بِقُدُومِ
الضُّيُوفِ عَلَى زَوْرَقٍ مُبْحِرٍ نَحْوَ شاطِئِ قَلْبٍ،
عَلَيْهِ اسْتراحَ المَساءُ. بِهِ اخْتَبَأَتْ قِصَّةُ البَدْءِ
مُذْ نَزَلَ الخَلْقُ عَنْ ظَهْرِ حُوتِ.
*
لِسانُكَ نَهْرانِ. تَمْتَدُّ بَيْنَهُمَا واحَةٌ مِنْ نَخِيلٍ.
بَنَيْتَ بِها بَيْتَ شِعْرٍ صَغِيرًا. وَأَفْرَدْتَ شَطْرًا خَفِـيًّا،
يَكُونُ بِهِ مَلجَأٌ آمِنٌ لِلنُّزُوحِ. هُنا سالَ نَهْرُ كَلامٍ مِنَ
الشَّوْق،ِ يَنْبُعُ مِنْ أَعْيُنٍ عُلِّقَتْ فِـي رُمُوشِ السُّفُوحِ.
وَنَهْرٌ هُناكَ، بَقايا نَهارٍ كَسِيحِ. خُطًى عَبَرَتْ عَتْبَةَ
الصُّبْحِ عَصْرًا. مُنًى تَرَكَتْ أَثَرًا دارِسًا فِـي السُّطُوحِ.
"هُنَا"كَ "هُنَا"يَ هُنَا. حَجَرٌ عَرَفَتْهُ يَدَا حالِمٍ، مُسْتَرِيحٍ
لِـمَا أَوْصَلَتْهُ بَقايا القُرُوحِ بِكَـفَّيْهِ، إذْ رَفَعَ الأَرْضَ فَوْقَ
رَمادِ الحَكايا، وَعَلَّقَها رَايَةً نَزَفَتْ فَوْقَ رُوحِي.
*
لِسانُكَ نِصْفانِ. نِصْفٌ مُقَفَّى بِحَرْفٍ عَلِيلٍ، وَنِصْفٌ
كَـرِيشَةِ طَيْرٍ نَمَا فِـي الجَلِيلِ الأَخِيرِ يَمامًا طَلِيقًا،
وَألْسِنَةً سُبِكَتْ مِنْ لَهَبْ. تَناساهُ أَهْلُهُ حِينَ تَنَادَوْا
إلَى رِحْلَةٍ فِـي الرِّمالِ الّتِـي نَثَرَتْ عِقْدَهَا عَنْ كَـثَبْ.
يَعِيشُ عَلَى غابِرٍ صامِدٍ فِـي كَـثِيبٍ مُصَفَّى مِنَ البَحْرِ،
أَوْ مِنْ بَقايَا غَمامٍ يَمُرُّ فَلا يُمْطِرُ النّاسَ شِعْرًا، حَيْثُ
وُلِدْنا لأَرْضٍ عَجُوزٍ. غَفَتْ فِـي هِلالٍ خَصِيبٍ،
قَضَتْ نَحْبَهَا مِنْ نَصَبْ.
*
لِسانُكَ نِصْفانِ. نِصْفٌ مُقَفَّى، وَنِصْفٌ تَبَعْثَرَ مِنْ غَيْرِ
نَظْمٍ عَلَى شاطِئِ النَّفْسِ، حَيْثُ اعْتَرَفْتَ بِضِيقِ الصَّحَارِي
الّتِـي أَيْنَعَتْ فِـي الخُطَبْ. فَعُدْتَ إلَى القَلْبِ فَرْخَ حَمامٍ،
رَماهُ الرُّمَاةُ عَلَى الدَّرْبِ، تَسْأَلُ عَمَّا دَهاكَ لِتَتْركَ عُشًّا
وَفِـيرَ الزَّغَبْ. تَذَكَّرْتَ حَرْفَكَ، حَتَّى نَسِيتَ القَوافِـي
عَلَى بابِ بَيْتٍ بِأَرْضِ العَرَبْ. "هُنا"كَ هُنا، "هُنا"يَ هُنا.
وَحَيْثُ الْتَقَيْنَا نُوَدِّعُ أَشْعارَنَا، نُودِعُ الغَيْمَ زُغْرُودَةً
فِـي تُرابِ النَّسَبْ.
*
لِسانُكَ نِصْفانِ. نِصْفٌ تَدَثَّرَ بِالهَمْسِ مِثْلَ حَفِـيفٍ
قَضَى بَيْنَ إغْفاءَةٍ فِـي الحُقُولِ، وَبَيْنَ الهُرُوبِ إلى النَّبْعِ
حِينَ بَراهُ سَغَبْ. تَرَكْتَ لِسانَكَ خَلْفَ التِّلالِ الّتِـي
أَيْـنَـعَتْ فِـي الطَّرَبْ. وَجُبْتَ البَوَادِيَ، ثَمَّ الحَواضِرُ
أَضْحَتْ غَضَبْ. وَكَانَ الكَلامُ عَلَيْكَ ثَقِيلاً، فَلا لَـثْغَةٌ
بَقِيَتْ لَكَ، لا صَوْتَ غَيْرَ سُؤَالِ التُّرابِ عَنِ البِئْرِ، عَنْ
وَرَقِ التّوتِ، حَيْثُ عَرَفْتَ الجَوابَ. تَرَكْتَ لِسانَكَ،
ما مِنْ عَرِيبٍ أَتَاكَ يُحَدِّثُ عَمَّا جَرَى لَكُما فِـي بِلادِ
العَرَبْ. لَأنَّ الحَدِيثَ هُناكَ حَرامٌ عَلَى النّاسِ، حَرامٌ
عَلَى أَوْلِياءِ الأمُورِ - ما أكثرَ الأَوْلياء - حَرامٌ
عَلَى الوَطَنِ المُغْتَصَبْ.
*
لِسانُكَ نِصْفٌ، وَنِصْفٌ لِسانِي. غَرِيبانِ هَامَا بِكُلِّ مَكانٍ.
مَكانِـي شَتِيتٌ إذَا رُحْتُ أَبْحَثُ فِي القَفْرِ عَنْ قَتْبِ رَحْلِي،
إذَا طَافَ لَفْظِـي عَلَى بَحْرِ رَمْلٍ، وَهَامَ يُدَوِّرُ فِي مَطْلعِ
الشّمسِ عَنْ مَنْبعٍ دافِقٍ فِـي لِسَانِي.

***

من مجموعة: لغة أم
منشورات زمان، القدس 2006



مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام