مرگ بر ديكتاتور

الأساطير لا تموت. الأساطير خُلقت لكي تعيش على مرّ الزّمن. قد تخبو أحيانًا وقد يلفّها النّسيان لبعض الوقت غير أنّها تظلّ كالجمر الكامن تحت الرّماد، فما أن تهبّ ريح على موقدها حتّى يتناثر الرّماد فتستعر من جديد.
تتمة الكلام...

الاثنين، 10 يناير 2011

بالرّوح، بالدّم، نفديك يا فُلان!

هكذا، بشعار: "بالرّوح بالدّم، نفديك يا فُلان" يتمّ اختزال الوجود العربي، البشريّ والحضاريّ، في هذا الـ "فلان" كائنًا من كان...
----

سـلمان مصـالحة

بالرّوح، بالدّم، نفديك يا فُلان!

هكذا وعلى مرّ التّاريخ العربي المعاصر تتعالى الأصوات من لَهَوات الحُلُوق والحناجر. فمرّة تعلو هذه في مسيرات مُسَيّرة، لا مُخَيَّرة، في الشّوارع، ومرّة تعلو هذه الأصوات من مؤتمرات ما يُسمّى زورًا وبهتانًا نقابات صحفيّين أو مُحامين في بلاد لا صحافة فيها ولا محاماة.

بالرّوح، بالدّم، نفديك يا فُلان: "فلان وفلانة: كناية عن أسماء الآدميين. والفلان والفلانة: كناية عن غير الآدميين. تقول العرب: ركبتُ الفُلان، وحلبتُ الفُلانة... وعن ابن السّكّيت: إذا كنيت عن الآدميين قُلتَه بغير ألف ولام، وإذا كنيت به عن البهائم قُلتَه بالألف واللاّم.... وقال ابن بُزُرْج: يقولُ بعضُ بني أسد: يا فُلُ أقْبِلْ، ويا فُلُ أقْبِلا، ويا فُلُ أقْبِلُوا... وقال ابنُ بَرِّي: فلانٌ لا يُثنّى ولا يُجمَع. وقوله عزّ وجلّ: "يا ويلتا ليتني لم اتّخذ فُلانًا خليلا"، قال الزّجّاج: لم اتّخذ فُلانًا الشّيطان خليلاً". وهنالك أيضًا من يفرد ويثنّي ويجمع: فل وفلان وفلون (عن لسان العرب، مادّة: فلن)
***
هكذا، بشعار: "بالرّوح بالدّم، نفديك يا فُلان" يتمّ اختزال الوجود العربي، البشريّ والحضاريّ، في هذا الـ "فلان" كائنًا من كان، ويتمّ على هذا الأساس نفيُ الإنسان وعَزْلُ الأوطان. ولمّا كان هذا الـ "فُلان"، أكان من بني البشر أو من ذوي الوبر، آيلاً للزّوال، فما على العربان إلاّ استنساخ فلان بفلان في سمفونيّة التّهليل لكلّ حاكم ضِلّيل. وعندما يرتفع هذا التّهليل على خلفيّة مبنيّة على أسس التّهويل فما من سبيل إلى سواء السّبيل.

بالرّوح، بالدّم، نفديك يا فُلُ، ويا فُلان، ويا فلون. هكذا بشعار واحد يغيب البشر، طوعًا وكراهية، عن الوجود. وعندما ينفي الإنسيُّ وجوده كمخلوق عاقل فاعل في هذه الطّبيعة تُضحي صورةُ الشّعب صورةً طبق الأصل لهذا الفلان الّذي يتمّ افتداؤه بالرّوح وبالدّم. وإذا كان الفُلانُ نَزِقًا مُتهوّرًا يتطبّع الشّعبُ بهذه النّعوت. وإذا كان جاهلاً فهو يغدو كارهًا للعلم وللعلماء ويطبع النّاس بطبعه. وإن كان فاسدًا فسد النّاس معه، لأنّ النّاس تنازلت، تَمَثُّلاً به طبعًا، عن ملكة العقل تَزَلُّفًا. فالفُلانُ الرّابخ على سدّة الحكم، يُفكّر باسم الجميع، ويتكلّم باسم الجميع. وإن شاء أيضًا فهو المُخوَّلُ أيضًا بأن يُغيّر رأيه باسم الجميع. وما على الشّعب سوى أن يُوقّع على صكوك الولاء الأبدي السّرمدي لفُلان الفُلانيّ.

ولمّا كان الفُلانُ، كسائر الحيوان، مصيرُه الزّوالُ يقينًا، فلا خشية أن تتبدّل هذه الذّهنيّة لدى بني يَعرُب. فـ"فلان" هذا، كسائر مخلوقات الطّبيعة، يُعقِبُ نسلاً على شاكلته، مثلما أنّ الشّعوبُ هذه المتطبّعة بذهنيّة "فلان" تُعقبُ هي الأخرى نسلاً على شاكلتها. وما أن يأتي فُلانٌ جديد حتّى تأتي فُلُونٌ أخرى تهتفُ من قعر رؤوسها، المُفرّغَة طوعًا وكراهية، بافتداء "الفُلان الجديد" بالأرواح والدّماء الرّخيصة.
***
ولمّا كانت الأجيال العربيّة النّاشئة تعيش في حالٍ من الأوهام. ولمّا كانت هذه الأجيال لا تقرأ شيئًا من تراثها، وإن قرأت لا تفهم، وإن لم تفهم فهي لا تتجرّأ على الاستفهام، فها نحنُ نذكّرهم ببعض ما رُوي من أقوال عن السّلف، لعلّ في ذلك ما يدفعهم إلى مساءلة هؤلاء الحُكّام، وإلى قول كلمة الحقّ علانيةً، لا يخشون في ذلك لومة من أحد اللّوّام. فقد ورد في حديث عليّ الإمام (عليه السّلام): "عن أبي جعفر قال: خطب أمير المؤمنين الناس بصفين، فكان مما قاله: فلا تُكلّموني بما تُكَلَّمُ به الجبابرة، ولا تتحفّظوا منّي بما يُتَحفّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمُصانعة، ولا تظنّوا بي استثقالاً في حَقٍّ قيل لي، ولا التماسَ إعظامٍ لنفسي لما لا يصلح لي. فإنّه من استثقلَ الحَقَّ أن يُقالَ له، أو العدلَ أن يُعرضَ عليه، كان العملُ بهما أثقلَ عليه. فلا تكفّوا عني مقالةً بحقٍّ، أو مشورةً بعدلٍ، فإنّي لستُ بفوق أن أُخطئ، ولا آمَنُ ذلك من فِعْلي، إلاّ أن يكفي الله مِنْ نفسي ما هو أمْلَكُ به منّي؛ فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون"، (عن: بحار الأنوار للمجلسي، ج 27، ص 253)
***
ولمّا كانت السّياسة ليست دينًا، كما أنّها ليست توحيدًا إلهيًّا، وليست أيّ شيء من هذا القبيل، فحريّ بنا أن نفكّر في سبيل آخر للخروج من هذا المأزق. بكلمات أخرى، بوسعنا أن نقول، إنّه فيما يخصّ السّياسة والنّظم الّتي تسيّر أمور النّاس فإنّنا، نحن العربان، بحاجة إلى مبدأ الـ"شِرْكٍ" في هذه السّياسة. أي قد آن الأوان إلى الخروج من شراك هذا الشّعار "التّوحيدي" الّذي يعني، في أعرافنا المتوارثة كابرًا عن كابرٍ، الحاكم القائد الرّمز الفرد الواحد الأحد، الّذي تسلّط على ذهنيّة العربان السّياسيّة.

وهذا الـ"شِرْكُ" الّذي نعنيه في السّياسة هو بمعنى الـ"مشاركة" في تسيير أمور البشر، كمجتمع عصري متكامل متكافل. والمشاركة تعني أيضًا عدم الاقتصار على فُلان الفُلاني، أكان هذا الـ"فلان" من بني تميم أو بني قيس أو بني أسد، في السّيطرة على مصائر هؤلاء البشر وتصريف أمور المجتمع والدّولة. بل يجب أن ينضاف إليه "عَلاّن" آخر أو أكثر من علاّن واحد. بل نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول، إنّه يجب أن يتمّ استبدال فلان بـ "علاّن" في دورات انتخابيّة محدودة الزّمن من بين صفوف النّاس في الوطن. ألم نقرأ في المأثور: "لا يُغيّر الله ما بقوم حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم". أو لنقل، حتّى يُغيّروا المفاهيم الّتي يترعرعون عليها في بيوتهم وفي كتاتيبهم الّتي شاعت باستخدام مصطلح مدارسهم.

وما لم يسر العربُ في هذه الطّريق، فلن يتمّ إسكات هذا الوسواس الخنّاس.

أليس كذلك؟
*
نشرت في "إيلاف"، 24 أغسطس 2006
__________________

الجمعة، 7 يناير 2011

المؤمنون هم أعدى أعداء الله


سـلمان مصـالحة

المؤمنون هم أعدى أعداء الله


رغم ما قد يتبادر إلى ذهن البعض من المفارقة الواضحة في هذا العنوان غير أنّ ما نشهده على طول وعرض الساحة العربيّة وغيرها يكشف هذه الحقيقة المرّة على الملأ.
سلمان مصالحة

نصوص
  • القصيدة الأندلسية

    رَكِبْتُ ضُحًى صَهْوَةَ القَلْبِ شَوْقَا
    كَمَنْ شَدَّهُ الحُلْمُ، أَوْ رَامَ نُطْقَا

    وَيَمَّمْتُ وَجْهِيَ صَوْبَ رُبُوعٍ
    نَمَتْ فِي الجَنَانِ، فَأَوْرَقَ رَوْقَا

    وَأَعْمَلْتُ فِكْرِيَ بَعْضَ نَهَارٍ
    بِمَا أَوْرَثَ البَحْرُ فِي الأَرْضِ أُفْقَا



محتويات الموقع

 
مختارات
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره.


  • كشف أسرار الرهبان

    "اعلم أنّ بعض هذه الطائفة أعظم الأمم كذبًا ونفاقًا ودهاء، وذلك أنّهم يلعبون بعقول النصارى ويستبيحون النساء وينزلون عليهم الباروك، ولا يعلم أحد أحوالهم...
  • مواطنة شرف

    عقب حرب حزيران في العام 1967، أو حرب الأيام الستّة كما شاع اسمها إسرائيليًّا،  أو النكسة، كما وسمها الإعلام العربي...
    تتمة الكلام
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة...
    تتمة الكلام...

قراءات
  • يهوه التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح ...


  • سبحان الذي أسرى

    نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام...