25 مايو، 2009

لماذا التّرجمة، وكيف؟



سلمان مصالحة

لماذا التّرجمة، وكيف؟


حضارتنا القديمة، على العموم،
هي حضارة البداوة الشّفهيّة المعتمدة على الحفظ السّماعي للشّعر أوّلاً، ثمّ للرّواية الأدبيّة والتاريخيّة لاحقًا حتّى جاء عصر التّدوين، وهو العصر الّذي نقل العربيّ من مرحلة العقل الپاسيڤي السّماعي إلى مرحلة العقل الفاعل الواعي. لهذا، ربّما ليس صدفة أنّ المصطلح "ترجمة" المستخدم في العربيّة قد وفد عليها من مصدر غير عربيّ. فالأصل من اللّغة الأكديّة، ثمّ عبر إلى الآراميّة ثمّ إلى العربيّة في مرحلة متأخّرة. وما من شكّ في أنّ انعدام وجود مصطلح في لغة شعب من الشّعوب هو خير شاهد على انعدام ما يحمله هذا المصطلح من مفاهيم دلاليّة وذهنيّة في حضارة هذا الشّعب. فهل كان لتأخُّر وفود هذا المصطلح على العربيّة أثرٌ على تخلُّف المعارف العربيّة؟ أغلب الظنّ أنّ الإجابة هي بالإيجاب، إذ أنّ الطّفرة العلميّة والأدبيّة العربيّة في القرون العربيّة الوسطى قد حدثت عقبَ حصول التّرجمات الّتي نقلت إلى العربيّة معارف الشّعوب الأخرى. وأغلب الظنّ أيضًا أنّ العرب دخلوا عصر الانحطاط مع توقُّف عمليّة التّرجمة هذه. وهذا ما يشهده العالم العربي في عصرنا الحاضر، كما تشير إليه تقارير التّنمية البشريّة الصّادرة عن الأمم المتّحدة.

على كلّ حال، يصحّ أن نقول الآن إنّ التّرجمة، على اختلاف مجالات المعارف المنقولة، هي شبكة الإنترنت الأولى قبل أن تداهمنا هذه الشّبكة المعاصرة. فالتّرجمة هذه هي الّتي قرّبت العالم من بعضه البعض في العصور الخوالي، ولولاها لما تثاقف العالم ولما تطوّرت العلوم وتكدّست المعارف وتناقلتها الشّعوب فيما بينها. فالتّرجمة هذه هي هي الّتي حوّلت العالم القديم - ولا زالت تفعل كذلك في عصرنا الحاضر - إلى قرية كونيّة منفتحة على بعضها.

ولمّا كنّا في هذه المقالة في معرض الحديث عن الشّعر، فربّما كانت عمليّة التّرجمة ذاتها، هي الّتي دفعت الجاحظ إلى إطلاق رأيه الفريد فيما يتعلّق بالشّعر العربيّ. وهو رأي لو تفكّرنا فيه قليلاً لسارعنا إلى لطم وجوهنا حزنًا على حالنا من جهة، أو لانْشَرحَ صدرنا وبششنا كثيرًا لفطنة هذا الرّجل من جهة أخرى.

لنقرأ ما يقول الجاحظ في الجزء الأوّل من كتاب الحيوان: "وقد نُقلت كتب الهند، وتُرجمت حكم اليونانيّة، وحُوّلت آداب الفرس، فبعضها ازداد حُسنًا، وبعضها ما انتقص شيئًا، ولو حُوّلت حكمة العرب، لبطلَ ذلك المُعجز الّذي هو الوزنُ، مع أنّهم لو حوّلوها لم يجدوا في معانيها شيئًا لم تذكُرْه العجمُ في كتبهم الّتي وضعت لمعاشهم وفطنهم وحكمتهم".

وبكلمات أخرى،
يمكننا أن نلخّص أقوال الجاحظ بأنّ ترجمة آداب الشّعوب الأخرى على مجالاتها المختلفة إلى اللّغة العربيّة قد يزداد بعضها حسنًا، أو قد لا ينتقص من بعضها شيئًا. بينما لو تُرجمت حكمة العرب، أي آدابها الشّعريّة، لَغابَ عنها الوزنُ، والوزنُ فقط، وهو ما يعتبره العربُ إعجازًا. إذ أنّ ترجمة المضامين الشّعريّة العربيّة لا تأتي بمنفعة إلى الشّعوب الأخرى، ولا تحمل إليهم معاني جديدة لا يجدونها في كتبهم. الوزنُ إذن، كما نبّهنا بفطنته الجاحظ، هو كلّ ما يملكه الشّعر العربيّ. والوزن هذا الّذي يعنيه الجاحظ ليس سوى شكل من أشكال التّطريب الّتي لصقت بالذهنيّة العربيّة، شعرًا وموسيقى وخطابة، حتّى عصرنا هذا، دون فكاك من قيود هذا التّطريب، إلاّ فيما ندر طبعًا.

وهكذا، وعندما اكتشف العرب
في تلك القرون أنْ ليس لديهم ما يهبونه للشّعوب الأخرى من معارف، عادوا إلى دعوى الإعجاز العربي الموهومة، أي إلى دعوى التّقوقع في خانة هذا الوزن التّطريبي الّذي لا يمكنُ في رأيهم أنْ يُتَرجَم إلى لغات أخرى. وربّما كانت هذه النّظرة هي بالضّبط ما دفعهم إلى الانكفاء على أعقابهم وهجر التّرجمات من إبداعات ولغات الشّعوب الأخرى. وبذلك دخل العرب في عصر الظّلمات قرونًا طويلة، حتّى جاء الاستعمار إليهم حاملاً معه المطبعة، فبدأت تظهر من جديد على السّاحة العربيّة حركة بطيئة من التأليف ثمّ التّرجمات الّتي شقّ بصيص منها بعض سدول الظّلام الّذي خيّم على العالم العربي طوال قرون.

وهكذا أيضًا بدأ التّأثُّر شعريًّا بما وفد على العرب من ترجمات للشّعر الغربي من جهة، وبما قام به روّاد الشّعر العربي الحديث من شقّ طريق جديدة لهذا الشّعر، وللشّعريّة العربيّة على العموم، حتّى اتّسعت جادة هذه الشّعريّة فدخل فيها الشّعراء العرب زرافات ووحدانا.

صحيح أنّ القطيعة
الّتي شهدها الشّعر العربي المعاصر مع التّراث الشّعري العربي القديم هي، بلا شكّ، من مؤثّرات الانفتاح على التّراث الشّعري العالمي، اطّلاعًا وقراءةً من جهة، وترجمة لهذا الشّعر إلى اللّغة العربيّة من الجهة الأخرى. غير أنّ لهذه القطيعة وجهين: واحد إيجابيّ والآخر سلبيّ يلقي بظلاله على مجمل الحركة الشّعريّة العربيّة المعاصرة.

فالعزوف عن المعجز العربي، بلغة الجاحظ، أي إلقاء الوزن والتّطريب عرض الحائط له جانب إيجابي، ففيه ما يُهدّئ من انفعالات عاطفيّة عربيّة. وهذه هي حال نفسيّة عربيّة طالما كانت تُشكّل حجابًا مُسْدَلاً على عمل العقل، أي تحجب عنه إمكانيّة الولوج في مضامين الكلام وسبر أغوارها. ولكن، ومن جهة أخرى، فإنّنا نرى أنّ الشّعر العربي، وعلى وجه التّعميم أيضًا، قد أخذ يفقد مع هذا العزوف كلّ تلك القيم المضافة الّتي تجعل من الشّعر شعرًا، لما لَهُ من وقع مختلف في النّفس البشريّة على اختلاف مللها ونحلها وتعدد ألسنها. كما يمكننا أن نقول، إنّه لا ينبغي للشّاعر العربي أن يبدأ البناء في الهواء، إنّما يتوجّب عليه أن يقف أوّلاً على أسس صلدة، بدءًا من تراثه ومن أرضه، من ترابه وصخره هو. لأنّه، فيما عدا ذلك، سينهار بناؤه مع هبوب أوّل عاصفة عليه. ومتى ما تمكّن الشّاعر العربيّ من أسس هذا البناء المتينة وأثبت فيه أبوابه ونوافذه وسقوفه واتّجاهات انفتاحه على الفضاء الرّحب من حوله، يستطيع حينئذ أن يختار وجهة الخروج عبر أبوابه ونوافذه إلى الهواء الطّلق، ليسرح ويمرح في فضاء الشّعر كما يشاء.

بالإضافة إلى ذلك، فمن شأن هشاشة القراءات والتّرجمات من اللّغات الأخرى، إن لم نذهب إلى ما هو أبعد من ذلك كتشويه نصوص الشّعوب الأخرى في التّرجمات العربيّة الّتي قلّما تتمّ من اللّغة الأصليّة للنصّ الشّعري المنقول وإنّما عبر لغة ثالثة، وما تولّده هذه الهشاشة التّرجمانيّة من فهم مخطوء، قد تضع القارئ - الشّاعر- العربيّ في وضع يخيّم فيه الجهل بحقيقة النّصّ الشّعري الأصلي على ما يحويه هذا النّص في لغته الأصليّة.
وهنا نصل إلى عمليّة التّرجمة ذاتها.

ومرّة أخرى نعود لنأخذ بقول الجاحظ
فيما ينبغي للمترجم أن يكون أوّلاً قبل البدء بهذه المهمّة: "ولا بدّ للتَّرجُمان من أن يكون بيانُه في نفس التّرجمة... وينبغي أن يكون أعلمَ النّاس باللّغة المنقولة والمنقول إليها، حتّى يكون فيهما سواءً وغايةً". وهذا العلم باللّغة الّذي يذهب إليه الجاحظ ليس علمًا مقصورًا على لغة القاموس، إنّما هو علم بكلّ طبقات هذه اللّغة على مرّ العصور، إذ أنّ اللّغة هي الأخرى كالبناء، تبدأ من زمان ومن مكان على هذه الأرض، ومن ثمّ تنبني لبنةً فوق أخرى، أو تتشكّلُ وتتلوّنُ مكوّنةً قصورًا مُنيفةً من المعارف الحضاريّة البشريّة.

ولذلك فإنّ التّرجمة، على غرار رياضة البدن، هي مهمّة شاقّة ومتعبة. غير أنّها، وعلى غرار الرّياضة البدنيّة، تحمل معها نفعًا هو ما يمكن أن نطلق عليه رياضة العقل. ومثلما ينتفع المترجمُ في عمله من الغوص في طبقات اللّغة المنقولة، فإنّه ينتفع أيضًا بالغوص في طبقات لغته إذ هو يحاول أن ينقل النّصّ إليها. فمن خلال هذه الرّحلة في أروقة وثنايا بيته اللّغوي كثيرًا ما يعثر على درر بأشكال مختلفة، هي ملك له، كانت محجوبة عن ناظريه ردحًا من الزّمن، فيسارع إلى انتشالها من تلك الأقباء المظلمة ليعيد عرضها على الملأ بحلّة جديدة.


وإذا كانت هذه
هي حال التّرجمة على العموم، فإنّ ترجمة النّصوص الشّعريّة هي ملكة هذه التّرجمات، لما ينضاف إلى جوهر الشّعر في التّراث الإنساني من قيم جماليّة تفرقه عن سائر الصّناعات الأدبيّة.



***


نشرت في "إيلاف"، 16 يونيو 2005


مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


    نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

    نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام