20 فبراير 2010

عيد الحبّ العربي

سـلمان مصـالحة

عيـد الـحــبّ العـربـي


لا أدري حتّامَ سيظلّ العرب
مغرمين بتقليد التقليعات الغربيّة. لن أتحدّث في هذه المقالة عن الفنون بجميع مجالاتها ولا عن الملبس أو المشرب، فكلّ هذه الأمور صارت واضحة للعيان. فعلى ما يبدو فلقد أضحى العرب مغرمين بقشور الحضارة الغربية دون لبّها، أمّا كلّ ما يتعلّق بالأمور الجوهرية المتمثّلة بالحريّة الفكريّة وحريّة الفرد ومساواة الرجل والمرأة والديمقراطية وتداول السلطة عبر الاقتراع الحرّ وفصل الدين عن الدولة فإنّ العرب لا يقربون كلّ هذه الأمور ولا يحاولون تقليدها أبدًا، وإذا حاولوا فإنّ هذه التّقليدات تأتي بصورة مشوّهة ومضحكة تكشف عن هزل التّقليد.


وما من شكّ في أنّ سلطات الاستبداد العربية على جميع تقليعاتها التّوريثيّة من سلطنات وإمارات، من ممالك وجمهوريات إلى آخر قائمة دول الأفخاذ والبطون، تفسح للعامّة من النّاس، عبر فضائيّات التّجهيل العربيّة، أن تتسلّى بهذه التقليعات السطحيّة الغربيّة، بشرط أن لا يقرب النّاس ما ينفع النّاس وما يمكث في الأرض.

وفي هذه المقالة سأتحدّث عمّا يُسمّى بـ "عيد الحب" الّذي يتسلّى به الكثير من العرب والمسلمين. ولكن، وقبل أن أتطرّق إلى هذه المسألة، بودّي أن أقول بأنّي لست ضدّ الحبّ بأيّ حال من الأحوال، بل على العكس من ذلك تمامًا. غير أنّ ما يثير حفيظة المرء في هذه القضيّة هو كلّ هذا الهراء الّذي ينصبّ من جعبة هؤلاء الجهلة السّطحيّين الّذين يدّعون اللّيبراليّة والانفتاح والحريّة، على مرأى ومسمع النّاس في هذه البقعة من الأرض، بينما غالبيّة هؤلاء هم أبعد ما يكونون عن جوهر هذه الحريّة واللّيبراليّة، إنّما اتّخذوها شعارًا يطلقونه كيفما اتّفق.

تحضرتي في هذا السّياق طرفة، وهي حكاية حقيقيّة، روتها على مسامعي صديقة أميركيّة من أصل فلسطيني. حكت لي أنّ والدها كان يدّعي اللّيبرالية ويتظاهر باللّيبراليّة أمام المجتمع الأميركي وما إلى ذلك من هذه الشعارات، وقد كانت تعتقد أنّه كذلك حقًّا حتّى دعت صديقها لزيارتها في البيت والتعرّف على أهلها. صديقها الأميركي كان من الأميركيين السود، وبعد أن غادر الصديق البيت هبّ والدها غاضبًا زاعقًا في وجهها: "نوو عبيد! نوو عبيد". وهكذا ذهبت ليبراليّته أدراج الرياح ولم يتبقّ منها شيء، وطفت على السطح وعلى وجهه عنصريّته الكامنة فيه.

ونعود إلى عيد الحبّ. لا أدري لماذا يصرّ هؤلاء النّفر من العرب على الأخذ بتقاليد أجنبيّة تتأسّس أصلاً على جذور قدّيسين مسيحيّين. فعيد الحبّ هذا له علاقة بـ"القدّيس ڤالنتاين" أو قدّيسين آخرين بهذا الاسم، وقد نفهم أنّ العالم الغربي أو العالم المسيحي على العموم يحتفل بهذا اليوم وبالقدّيس ڤالنتاين، لما له من علاقة وطيدة به. لكن، ما الّذي يربط العربي، والمسلم على وجه الخصوص، بالقدّيس ڤالنتاين أو غيره من القدّيسين؟

وأعود وأقول مؤكّدًا أنّي لستُ ضدّ أن يحتفل العرب والمسلمون بعيد الحبّ، بعيد القدّيس ڤالنتاين أو غيره، فهذا شأنهم وليقلّدوا من يشاؤون وما يشاؤون. لكن، في الوقت ذاته يجب أن يدركوا جذور هذه التّقاليد وألاّ يأخذوا بسطحيّاتها. غير أنّ الّذي أدعو إليه هو أن يؤسّس العرب، والمسلمون على وجه التّحديد، طقوسهم على حضارتهم هم. فللعرب أعيادهم وللعرب حبّهم، وللعرب آلهة حبّهم، وما عليهم إلاّ أن يؤسّسوا عيدًا للحبّ مؤسّسًا على هذه الحضارة، لكي لا يظهروا كمقلّدين فقط للحضارات الأخرى، ولكي لا يظلّوا معزولين عن جذورهم الحضاريّة.

عيد الحبّ العربيّ:
وها أنذا أدعو إلى إحياء الحبّ العربيّ الأصيل، وإلى الاحتفال بعيد الحب العربيّ المؤسّس على الحضارة العربيّة الجامعة لكلّ العرب على اختلاف طوائفهم ومللهم ونحلهم، وليكن هذا العيد في الثامن والعشرين من شباط كلّ عام. إنّه عيد "إساف ونائلة" أو "عيد الحبّ العربيّ". ولمن لا يعرف حكايتهما، فها نحن نبسطها على مرأى ومسمع القرّاء.

يذكر الأخباريّون العرب قصّة إساف ونائلة ويجمعون على أنّهما كانا صنمين في الكعبة، أو في موقعي الصّفا والمروة. وإساف هو ابن عمرو الجرهمي ونائلة هي بنت سهيل الجرهميّة، وقد كانا قد أحبّا بعضهما البعض، فجاء إساف خاطبًا ايّاها من أبيها فرفض هذا، فتواعدا على أن يلتقيا في الكعبة في موسم الحجّ، وكان كذلك والتهبّ عشقهما بينما كانا في الكعبة، فضمّها وقبّلها، أو قيل غير ذلك. ثمّ تضيف الرّوايات أنّهما مُسخا حجرين، صنمين، وقد صار العرب يعبدونهما، ويتمسّحون بهما ويلتمسونهما." (حول قصّة إساف ونائلة أنظر: أخبار مكّة للأزرقي: ج 1، 155-162؛ مغازي الواقدي: ج 1، 841؛ الملل والنحل للشهرستاني: ج 2، 231، 273؛ سبل الهدى والرشاد للصالحي الشامي: ج 2، 177-178؛ معارج القبول للحكمي: ج 2، 465).

وعلى الرّغم من تحطيم أصنام الكعبة، فلم تختف طقوس عبادة "إساف ونائلة" بعد الإسلام، إنّما تمّ استيعاب هذه الطّقوس حيث انتقلت وحفظت عبر طقوس السعي بين الصّفا والمروة. فقد ذكرت الروايات: "وقيل إن اسم الصّفا ذكرٌ بإساف، وهو صنم كان عليه، مذكر الاسم. وأُنّثت المروة بنائلة، وهو صنم كان عليه، مؤنث الاسم." (النكت والعيون للماوردي: ج 1، 111). وهكذا نرى أنّ العرب لا ينقصهم تراث له علاقة بالحبّ.

إذن، فليتمّ إحياء عيد الحبّ العربيّ، "عيد إساف ونائلة"، وليكن الثامن والعشرين من شباط الآزف عيدًا عربيًّا خالصًا للحبّ. هكذا فقط بوسعنا أن نؤسّس تقليدًا، لعيد عربيّ جديد، مبنيًّا على جذور حضاريّة عربيّة تليدة. أليس كذلك؟

والعقل وليّ التوفيق.
***
المقالة نشرت في "إيلاف"


مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن