5 يناير 2012

هل حقًّا ”الشعب السوري ما بينذلّ“؟

يجب أن لا يغيب عن الذّهن أيضًا أنّ الدّعوة إلى إسقاط هذا النّظام يجب أن تترافق مع دعوة لصيقة بها وهي دعوة إسقاط كلّ هذه التّوجّهات العنصريّة الدينيّة الأخرى الّتي لا تقلّ خطرًا عن الاستبداد البعثي.

سلمان مصالحة

هل حقًّا ”الشعب السوري ما بينذلّ“؟


هكذا، وبعد أن شاهد الناس
كيف بدأت ماكينة القمع البعثيّة عملها قتلاً وسحلاً ودوسًا على رؤوس الأطفال والكبار، ناهيك عن استئصال الأعضاء البشرية، انطلق ذلك الشّعار العفوي على ألسنة النّاس: ”الشعب السوري ما بينذلّ“. لقد انطلقت هذه الصرخة من قحف الرأس السوري الذي داسته طغمة البعث التي استبدّت بالبشر والحجر والشّجر طوال عقود طويلة. لقد انطلقت الصرخة من أعماق ذلك الذلّ الذي فرضته هذه الطغمة الرابخة على صدور هذا الشعب سنوات طوال.

إنّ هذا الشعار يعني
بين ما يعنيه، أنْ كفى ذلاًّ دام عقودًا. إنّه يعني أنْ، كفى ضحكًا على النّاس بشعارات الدّجل البعثي التليدة والبليدة، عن الأمّة الواحدة والرسالة الخالدة. كفى دجلاً بشعارات الصمود والتصدّي وما إلى ذلك من بلاغات الماضي، التي استُبدلت في المرحلة الجديدة بشعارات لا تقلّ بلادة عن ذلك الماضي، من مثل شعار ”الممانعة“، وشبيهاتها. فها هي هذه الـ”ممانعة“ البعثية تنكشف حقًّا على الملأ. العالم بأسره يشاهد ما تفعله ماكينة القمع الـ”ممانعة“ في محاولة منها لـ”منع“ البشر من التعبير عن رفضهم لبقاء هذا النّظام جاثمًا على صدور العباد.

في الواقع، لقد انذلّ الشّعب السوري
طويلاً، مثلما انذلّ الشّعب العراقي طويلاً من قبل. إنّ الحقيقة المرّة التي لا مناص من مواجهتها هي أنّ أيديولوجيّة البعث الكاذبة هذه، في بلاد الرافدين وفي الشام، قد أذلّت الناس على مختلف أطيافهم وطوائفهم. لقد رفعت شعارات طنّانة تدغدغ بها عواطف العامّة بغية إحكام القبضة الحديديّة القبليّة على البشر، لتنتهي بهم إلى توريث الحكم كما لو كانت البلاد مزرعة قبليّة وطائفيّة.

إنّ ماكينة القتل البعثية هذه
هي خير مثال على هذا الحضيض العربي. إنّها خير مثال على كلّ هذا الدّجل العروبي الذي طالما تغنّت به هذه الأيديولوجيّة. إنّ ماكينة القتل هذه تكشف على الملأ هشاشة هذه الهويّة، بل هشاشة هذه الهويّات العربيّة التي تعيش في الشّعار ليس إلاّ، بينما هي الواقع خلاف ذلك تمامًا. صحيح أنّ هنالك شعارًا آخر يُرفع بين حين وآخر، وهو: واحد، واحد، واحد. الشعب السوري واحد“. غير أنّه هو الآخر، إنّما يُرفع تمنّيًّا، بينما الوضع في الواقع هو خلاف ذلك. لأنّ هذا ”الشّعب المتوهّم“ هو خليط من الملل والنّحل والقبائل الّتي تُضمرُ الكراهيةً للآخر، في الوقت الّذي تتغنّى فيه بالوحدة شعارًا فقط.

يكفي النّظر إلى أيّ بقعة صغيرة،
إلى قرية أو بلدة أو مدينة في هذا المشرق، يعيش فيها عرب من طوائف مختلفة، لمعرفة حقيقة الدّجل بخصوص هذه الهويّة العربيّة المتوهّمة. إنّ حال البلدة الصغيرة هي حال البلد الكبير، فـ”هذه العصا من تلك العصيّا“، كما يقال في لغة الأعراب. فالبلدان، والحارات مفروزة طائفيًّا وقبليًّا وهذه الطوائف والقبائل لا تتداخل فيما بينها إلاّ فيما ندر. إنّ الاستثناء يشهد على عمق هذه القاعدة في نهاية المطاف. وعندما أؤكّد على هذه الحقيقة، فإنّي لا أستثني أحدًا من كلّ هذه الملل والنّحل ومن كلّ أصحاب هذه النّعرات.

إنّ الخروج ضدّ الطائفيّة والقبليّة
يجب أن يكون خروجًا جذريًّا، وعلى جميع تشكيلات وتنويعات هذه النّعرات الدينية والإثنية. إنّ هذه النّعرات هي التي تقف حاجزًا يصعب تخطّيه في الطّريق إلى خلق مجتمع عصري ودولة مدنية يتساوى فيها الأفراد، من ذكر وأنثى، على اختلاف خلفيّاتهم.

يجب أن لا يغيب عن الذّهن أيضًا أنّ الدّعوة إلى إسقاط هذا النّظام يجب أن تترافق مع دعوة لصيقة بها وهي دعوة إسقاط كلّ هذه التّوجّهات العنصريّة الدينيّة الأخرى الّتي لا تقلّ خطرًا عن الاستبداد البعثي. إنّ شعار ”الشعب يريد إسقاط النّظام“ يجب أن يكون شعارًا أكثر عمقًا، أي بمعنى إسقاط كلّ هذه المنظومات الذهنية التي تعشّش في مخّه وتنخر في جسد هذا ”الشعب“.

إنّ هذه الطغمة القبليّة
الّتي استولت على الحكم واستبدّت بالعباد عقودًا طويلة ستزول عاجلاً. وإذا اقتضت الحال بالاستعانة بقوى خارجية، فليكن كذلك. لقد كنت كتبت قبل زمن طويل إنّ الاستعمار كان أرحم بالعباد في هذه البلاد مقارنة بكلّ هذه الأنظمة اللقيطة التي نبتت وراءه.

لا يغترّنّ أحد بهذه الجيوش التي تقتل شعبًا يُفترض أنّه شعبها. فبقدر ما تُظهره هذه الجيوش أمام النّاس العُزّل من جبروت وقوّة، فإنّ انهيارها المدوّي سيكون أسرع وأكثر مدعاة للسخرية من هذه الجبروت الزّائفة، لدى أوّل تدخّل خارجيّ.

ورُبّ سائل يسأل،
وكيف تعرف ذلك، يا أخا العرب؟ والإجابة على التّساؤل هي في غاية البساطة. إنّ هذا النّوع من الجيوش ليس من النّوع الّذي يُطلَق عليه مصطلح ”جيش الشعب“. لأنّ جيش الشعب الحقيقي لا يُطلق النّار على شعبه الأعزل أصلاً، ولا يدكّ مدنه وقراه بالقذائف وبالبوارج البحرية. إنّ الجيش الّذي يفتك بمن يُفترض أنّهم شعبه، كما يفعل جيش النّظام السّوري، إنّما هو جيش من مرتزقة النّظام القبلي ليس إلاّ. لذلك، فعندما يحسّ هؤلاء بأنّ النّظام القبلي آيل للسّقوط فإنّهم سيسارعون إلى نزع بزّاتهم العسكرية وإلى إلقاء أسلحتهم وسيهرول كلّ منهم إلى قبيلته وعشيرته ومنطقته للاحتماء بتلك الانتماءات المتجذّرة.

أليس هذا هو ما حصل في العراق مع جيش صدّام العرمرم؟ لذلك، فما من شكّ في أنّ هذا السيناريو هو بالضبط ما سيحدث في الشّام. إذ أنّ ”الحسن أخو الحسين“، كما يقال في عاميّتنا.

وإنّ غدًا لناظره قريبُ.
*
نشرت في: ”إيلاف“، 4 يناير 2012
___________________

مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن