25 يناير 2012

أخي أيّها العربيّ الغبيّ

أليس في هذه الحقائق ما يشهد على هذه الذهنيّة العفنة؟

سلمان مصالحة
| أخي أيّها العربيّ الغبيّ

لا يوجد ما هو أكثر
إثارة للضحك من هذا المنتدى المسمّى ”جامعة الدول العربية“. فلو أنّنا فقط أمعنّا النّظر في هذا الاسم الثلاثي الذي اصطُلح على المنتدى لكان الأمر كافيًا للقهقهة والانفجار ضحكًا حتّى الاستلقاء على أقفيتنا. فالثّلث الأوّل من الاسم، ومع أنّه منحوت من الأصل الثلاثي ”جمع“ إلاّ أنّ استخدامه بصيغة اسم الفاعل الذي يستعمل أيضًا دالاًّ على المؤسّسات الأكاديمية فيه شيء من سخرية الأقدار، إذ أنّ هذا المنتدى العربي هو أبعد ما يكون عن العلم والمعرفة. ولقد كنت تطرّقت في الماضي إلى مهازل هذه المؤسسة وبيّنت جهل القائمين عليها وعلى موقعها السخيف.

أمّا الثّلث الثّاني من الاسم
وأعني به ”الدول“، فهو أيضًا أبعد ما يكون عن مدلوله المعاصر. ربّما كان الأصل العربي الذي اشتقّ منه هذا المصطلح هو الأقرب في حقيقته لجوهر هذه الكيانات التي التأمت في المنتدى. فالـ“دولة“ في العربيّة لها خلفيّة قبليّة، إذ أنّها تعني انقلاب السّلطان وتحوّله من قبيلة إلى أخرى. وأصله من دَوْلة الحرب عندما تنقلب فيها الغلبة من فريق إلى آخر. والـ“دولة“ بضم الدّال هو الفيء (أي ما يُنتهب في الحرب) يتداولونه فيما بينهم. من هنا، وعلى ما يبدو فإنّ هذا الأصل العربيّ التّليد هو الأقرب إلى جوهر هذه الكيانات التي ينتهب فيها السلاطين على شتّى تقليعاتهم مقدّرات البشر في هذه الأصقاع من الأرض.

أمّا الثّلث الأخير من الاسم
فيجب أن نعيده هو الآخر إلى أصله الصحراوي. ولهذا فيمكننا القول إنّ ”الأعراب“ أو ”العُربان“ هو ما يليق بهذه المؤسسة التي لا تأتلف بقدر ما تختلف على صنوف الفيء والمنهوبات التي يتلقّفها ذوو الوجاهة من أصحاب الجلالة والفخامة والسموّ ومن يدور في أفلاكهم من شراذم بطون وأفخاذ العربان.

ولمّا كانت هذه هي الحال،
وهي كذلك بلا أدنى شكّ، إذ يعرف هذه الحقيقة كلّ من لا يزال يمتلك ذرّة من بصر وبصيرة في هذه البقعة من الأرض، فلا حاجة إذن إلى هذا النّوع من المؤسسات. إنّ بقاءها على الساحة هو نوع من الحبوب المنوّمة التي تُعطى في الإعلام العربي لتخدير النّاس. إنّها تُعطى كنوع من مُهدّئات الأوجاع في منطقة تعيش في حال مرضيّة، حال نهايويّة لا شفاء منها.

ولهذا يجب أن نقول كلامًا
صعبًا على الأسماع. إنّنا مطالبون بسلوك طريق ”الموت الرحيم“ لهذه المؤسسة الزّاجلة في العلن والدّاجلة فيما بطن، وإلى موت كلّ ما تمثّله في الذهنية العربية. كفى بنا أنّا شببنا وترعرعنا وها نحن مقدمون على الشيخوخة حتّى أضحت حالنا كحال ذنب الكلب الذي وضع في قالب أربعين سنة، وبعد أن فتح القالب بعد هذه العقود تبيّن أنّه لا يزال أعوج.

هذا الاعوجاج منّا وفينا، ولا يمكن أن نلقي المسؤولية على غيرنا. أسهل الطرق إلقاء المسؤولية على الغير، لأنّ ذلك يجعلنا في حال من الطمأنينة، كأن لا حول لنا ولا قوّة. بينما في الحقيقة ”دودنا من عودنا“، كما نقول في لهجتنا. فلنتفكّر، إذن، في مقولاتنا الشعبيّة ففيها من الحكمة الكثير الكثير.

ولهذا أيضًا، يجب أن نقول صراحة أنّ العروبة وهم أدمنّا عليه حتّى أضحى مرضًا عضالاً. فليس ثمّ ما يجمع بين هذه المجموعات البشرية، لا سياسيًّا ولا اجتماعيًّا ولا اقتصاديًّا. فإذا كان العربيّ غير قادر على التدخُّل في شؤون عربيّ آخر، فما الّذي يجمع هؤلاء إذن؟ يجب أن نقول صراحة أنّ كلّ المنتمين إلى التقليعات العربية، من إسلامويين وقوميين وليبراليين، لم يكونوا في يوم من الأيّام كذلك، بل كانوا دجّالين في الواقع.

أتريدون أمثلة على هذا الدجل؟
لا بأس. الإسلامويون الكذبة يقتلون المسلمين على لون البشرة. هذا ما فعله الإسلامويون في دارفور حينما نفّذ هؤلاء المجازر الرهيبة هناك. وهذا ما يفعله الإسلامويون الكذبة في كلّ مكان إذ يفجّرون المساجد والأسواق لمجرّد الانتماء إلى مذهب آخر. والقومويّون الكذبة، من أصحاب شعارات المقاومة والممانعة، أرسلوا جيوشهم برفقة بوش والجيوش الغربية لضرب واحتلال بلاد قومويّين كذبة آخرين على شاكلتهم. هذا ما فعله نظام البعث الفاشي في الشّام. والقومويّون الإسلامويّون الكذبة، من أمثال نصر الله وحزب الله ومن هم على شاكلتهم يدعمون الآن هذا النّظام البعثي الفاشي الذي ينفّذ المجازر يوميًّا في الشّام. والليبراليّون الكذبة أيضًا من صنف أولئك الذين يتظاهرون بدعم الانتفاضات العربية، من على شاشات فضائيّات النّفط المنتنة، لا ينبسون ببنت شفة إزاء حريّات البشر في ممالك وإمارات العربان الفاسدة والمفسدة في الأرض. وهناك الكثير الكثير من الأمثلة الماثلة للعيان في ربوع العربان.

وفوق كلّ ذلك، فإنّ كلّ هؤلاء الزّاجلين الدّاجلين صباح مساء يلقون المسؤولية على الغرب الـ“كافر“ والـ“متكابر“، وفي الآن ذاته يحلم كلّ هؤلاء الدجّالين بالهجرة بالذّات إلى ذلك الغرب والفوز بجنسيّات بلاد هؤلاء الـ“كفرة“.

أليس في هذه الحقائق ما يشهد على هذه الذهنيّة العفنة؟ أليس من حقّنا أن نتساءل بيننا وبين أنفسنا ما هو مصدر هذا الدّاء الّذي ألمّ بنا منذ ألف وخمسمائة عام؟الحقيقة التي يجب أن تُقال هي أنّنا إذا لم ننظر إلى أنفسنا في المرآة، فلن نصل إلى سواء السبيل.

ولعلّ خير الختام هذا الكلام:
أخي أيّها العربيّ الغَبيّ - أرَى الجَهْلَ يَحكُمنا سَيّدَا
وَما مِنْ سبيلٍ لنَيْل المُنَى - سِوَى العَقْلِ يُحْيِي بِنا سُؤْدَدَا
***
نشرت في: ”إيلاف“، 25 يناير 2012
ــــــــــــ
إقرأ أيضًا: "أخي أيها العربي... الغبي"، مقالة منشورة في الحياة اللندنية بتاريخ 28 يوليو 2002.
***
مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

هناك تعليقان (2):

  1. اسماء اغبارية زحالقةيناير 26, 2012 11:06 ص

    لعلك محق في موقفك من الانظمة العربية بكل اشكالها والوانها، ولكن في اعتقادي الثورات العربية وتحرك الشعوب واثبات نفسها عنصرا فاعلا ومؤثرا ومغيرا في الساحة، وضع هذه الانظمة في محلها الصحيح وكشف ضعفها وهوانها وانتهازيتها، وحولها الى مجرد عنصر في المعادلة، عنصر صعب صحيح، ولكن ليس وحيدا مستبدا قادرا على كل شيء. وعلى هذا نقف لعربنا اجلالا واكبارا ونقول هنيئا لهم ولنا وللتاريخ والمستقبل ان فتحوا آفاقا جديدة وموازين قوى جديدة ومعادلات حديثة وواقعية لمواجهة الواقع، الشعوب اخذت على عاتقها التغيير وبذلك تحملت مسؤولياتها وخرجت من عقدة الضحية والعجز واتهام الآخرين بكل مصائبنا. كان حريا ان تجعل لهم مكانا في مقالك، مكانا كبيرا، خاصة في الذكرى الاولى للثورة المصرية الباسة.

    ردحذف
  2. تكون الاقليات العرقية والدينية في قمة الغباء عندما تتجرأ على مقدسات الاكثرية مستقوية بالغازي الصهيوني او الامريكي كبعض الدروز او المسيحيين او الشيعة من ذوي الاتجاهات الانعزالية والشعوبية ليعلم هؤلاء انهم يرتكبون غلطة عمرهم. فيوم الحساب قادم ولن ينفعهم استقواءهم بالصهاينة او الامريكان. ان عقلاء الطائفة الضرب على ايدي سفهائهم

    ردحذف

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام