24 يونيو، 2013

مرثية اكسينوفانس

من الأرشيف (يوليو 2005):

وهكذا أيضًا، يمكننا أن نمضي على هدي اكسينوفانس فنقول: إنّه إذا كان الإنسان عنيفًا فإنّ إلهه يرتسم عنيفًا على شاكلته، وإذا كان الإنسان محبًّا فإنّ إلهه يرتسم محبًّا إلى أبعد الحدود لا يفرّق بين بني البشر، وإذا كان قبليّ النّزعة يأتي إلهه قبليًّا على شاكلته...

سلمان مصالحة || مرثية اكسينوفانس

قبل أن يظهر العرب في ساحة التّاريخ وفي مسرح الحضارة البشريّة الّتي تُعاني من مخلّفاتهم في هذا العصر، كان ثمّة نفرٌ من أهل العرفان المحض يضعون الأسس المعرفيّة والأخلاقيّة الّتي لولاها لما عرف بنو البشر للحياة معنى. وبالإضافة إلى الغوص في مسائل الرّوح والنّفس والوجود في هذا الكون فقد أشرع هؤلاء زورق العقل وحرّروه من كلّ قيد، فطفق يجوب في بحر المعارف ويفتح مغاليق الآفاق ليكشف كلّ ما التبس من أسرار الكون المادّي والرّوحي. ففي بلاد الإغريق وفي القرن السّادس وعلى وجه التّحديد في العام 570 ق.م.، أي قبل ألف عام بالضّبط على عام الفيل الّذي يؤرّخ به العربان، ولد في كولوفون في آسيا الصّغرى الشّاعر والفيلسوف الإغريقي إكسينوفانس. ومع توسّع الفرس غربًا انتقل أكسينوفانس إلى صقليّة، ومن صقليّة إلى ماجنا غريقيا حيث اشتهر بوصفه فيلسوفًا مؤسّسًا لمدرسة فلسفيّة. لقد خلّف لنا إكسينوفانس فلسفته في مقطوعات شعريّة متفرّقة وصلت إلينا، ولا زال إشعاعها الفكري بهيًّا إلى يومنا هذا.

لقد ثار إكسينوفانس على عقائد الإغريق، كما عكسها هوميروس وهيسيود، والّتي أغدقت على الآلهة مزايا بشريّة، بما فيها المزايا غير الأخلاقيّة كالسرقات والغشّ وما إلى ذلك. لقد سخر الفيلسوف من أنّ بني البشر يجعلون لآلهتهم لباسًا وكلامًا يتكلّمون به ويجعلون لها أجسادًا على شاكلتهم. وهكذا يقول إنّ أهل الحبشة يصوّرون إلههم وكأنّه ذو أنف أفطس وأسمر اللّون، وأهل تراقيا يصوّرونه أزرق العينين ذا شعر أحمر. ويستمرّ اكسينوفانس في كلامه هذا ليصل إلى القول: "لو كان للثّيران والخيول والأسود أيادٍ، وكانت تعرفُ فنّ الرّسم بأياديها وتبدعُ لوحات فنّيّة كما يفعل بنو البشر، لكانت الخيولُ رسمت آلهتها على هيأة خيول، والثّيران على هيأة ثيران، ولصوّرت أجسادها على شاكلتها باختلاف أنواعها". وهو يريد القول إنّ هذه الآلهة هي من صنع الإنسان، أمّا الحقيقة المطلقة فهي تسع كلّ شيء وترى كلّ شيء وتعقل كلّ شيء، وليس في وسع الإنسان أن يصل إلى منتهاها، إنّما هو يمضي في عمليّة اكتشاف للحقائق الكونيّة على مرّ الزّمن والتّاريخ. 

لقد وصل اكسينوفانس إلى الوعي بأنّ ثمّة إلهًا أوحد فوق كلّ هذه الآلهة.  إنّه الحقيقة الكبرى والمفهوم المجرّد الطّاهر القائم في الكون بأسره، لا يبرح من مكان لمكان.  إنّه ليس شخصًا بعينه أو صورة بعينها، وإنّما هو مبدأ كونيّ مجرّد لم يكشف لنا كلّ شيء منذ البدء، وإنّما يصل بنو البشر إلى هذا الكشف على مرّ العصور والدّهور. أي أنّ معرفة الكون واكتشاف مكنوناته هي مهمّة ملقاة على عاتق بني البشر ذوي البصر والبصيرة، أي هي مهمّة العقل البشري في نهاية المطاف. وإله اكسينوفان الأوحد هذا لا يتّصف بالأنانيّة، وليس مهتمًّا بأن يقدّم له بنو البشر القرابين، ولا بأن يقيموا له الشّعائر، إذ إنّه مبدأ مجرّد مُنزّهٌ عن كلّ هذه الأمور السّخيفة. إنّه ليس "إله الجنود" وليس جبّارًا ولا ما يحزنون. إله اكسينوفانس لا يأمر بني البشر بأن يقتلوا أبناء جنسهم على غرار إله آخر ذاع صيته في فترة لاحقة.  وما مقولة اكسينوفانس إنّه لو كانت الخيول والثّيران تعرف فنّ الرّسم لرسمت آلهتها على هيأة ثيران وخيول، إلاّ لأنّه يريد أن يقول إنّ الإله يتطوّر بتطوّر الإنسان.  فهناك آلهة الشّمس والقمر والشّجر، وهناك آلهة البحر والسّماء، وهناك آلهة الحبّ والجمال على مرّ الأجيال، فبقدر ما يتطوّر الإنسان علمًا وأخلاقًا يتطوّر معه الإله علمًا وأخلاقًا، فتكون معرفة الإنسان هي معرفة الإله. 

وهكذا أيضًا، يمكننا أن نمضي على هدي اكسينوفانس فنقول: إنّه إذا كان الإنسان عنيفًا فإنّ إلهه يرتسم عنيفًا على شاكلته، وإذا كان الإنسان محبًّا فإنّ إلهه يرتسم محبًّا إلى أبعد الحدود لا يفرّق بين بني البشر، وإذا كان قبليّ النّزعة يأتي إلهه قبليًّا على شاكلته. وإن كان الإنسان ترعرع على الكراهية والبغضاء فإنّ إلهه يكون أشدّ كراهية وبغضاء منه، فيصير التّقرُّب إلى إلهه يمرّ عبر بوّابة سفك الدّماء.  فمثلما يكون البشر، كذا تكون صورة آلهتهم. هكذا كان منذ بدء الحياة البشريّة وهكذا يكون إلى الأبد.

أليس من حقّنا، بعد كلّ ما ذكرنا عن اكسينوفانس، أن نقول: تَقدّس سرُّه وطاب ثراه ومثواه؟

***



مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • ترجمات عبرية

    سفر الجامعة || الفصل الأول

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...
    تتمة الكلام

    قضايا عربية

    نشيد الأناشيد || الفصل الثاني

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي...

    تتمة الكلام

    شعر عبري حديث

    آچي مشعول || تَجلٍّ

    في الصّباح الباكر جدًّا
    رأيتُ على حبلِ غسيلي
    ملاكًا ورديًّا عالِقًا في مِلقَط
    وقطًّا أسْوَدَ
    تحتَهُ
    يُحاولُ الإمساك
    بِكُمّه.

    تتمة الكلام


  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    هكذا راحت فلسطين

    نشرت جريدة ”النسر“ الغراء التي تصدر في عمان ”الكلمة التالية“، نعيد نشرها لتطلع عليها جمعيات الأطباء العرب هنا، لتتخذ الإجراءات المناسبة مع هؤلاء الأطباء الذين عرضوا بلادهم للذل والعار والأخطار..

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام