عن مخترة جنبلاط وأمثاله

إنّ الزعامات الطائفية الوراثيّة والتوريثيّة في هذا المشرق، وجنبلاط أحد أمثلتها البارزة، لا يمكن بأيّ حال أن تشكّل مثالاً يُقتدى

كلّ يغنّي على ويلاه

إنّ هؤلاء المتخبّطين في الأيديولوجيات العابرة للأقاليم العربية يتجاهلون طبيعة مجتمعاتهم

بين سياسة الأعراب وسياسة الأغراب

وفي الحالة العربية، فمن أيّ الأصول اشتقّ المصطلح ”سياسية“؟

باكستان الشرقية في فلسطين

عندما خطّط الانسحاب من قطاع غزّة كان يضع نصب عينيه شيئًا شبيهًا بما جرى في باكستان

الهوية المعقّدة للعرب في إسرائيل

الفوارق بين المكوّنات الطائفية لهذا المجتمع هي مجرّد أصداء لما هو حاصل في سائر المجتمعات العربية في هذا المشرق.

10.11.15

اغتيال إسرائيلي، والخلفية شرف العائلة


وعلى ما يبدو فالسنوات المقبلة لا تبشّر بخير عميم، لا للفلسطينيين ولا للإسرائيليين. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل اليهود والعرب في هذه البقعة من الأرض ذاهبون إلى عنف بلقاني؟ إنّه سؤال سيبقى مفتوحاً على كلّ الاتجاهات. وبانعدام وجود قيادات إسرائيلية وفلسطينية واعية فإنّ المستقبل يبدو قاتماً.

سلمان مصالحة ||

اغتيال إسرائيلي، والخلفية شرف العائلة

مرّ عقدان على اغتيال اسحق رابين، وما زالت إسرائيل تتخبّط في ما أعقبه هذا الاغتيال من تأثيرات على المجتمع الإسرائيلي من جهة، وعلى وضع القضية الفلسطينية من الجهة الأخرى.


منذ اغتيال رابين في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) 1995، ومن كثرة البحث عن خيوط جامعة للمجتمع اليهودي في إسرائيل، نسي كلّ هؤلاء من هو القاتل وما الخلفية التي ترعرع فيها. انخرط الجميع في محاولة مستمرّة لرأب الشرخ المجتمعي، وانصبّ جلّ الاهتمام على تسمية شارع هنا، وميدان هناك، مؤسسة هنا ومعهد هناك، على اسم رابين.

كلّ أولئك الذين يحاولون دسّ رؤوسهم في الرمال يتجاهلون أمراً في صلب الموضوع. فتحديد اليوم الرسمي لذكرى اغتيال رابين هو وفقاً للتقويم اليهودي-العبري 12 حشوان، وذلك بخلاف التقويم الغربي (4/11). ولهذه الخطوة دور كبير في غمغمة دلالات وخلفية الاغتيال. فقد اغتيل رابين بوصفه إسرائيليّاً وليس بوصفه يهوديّاً. فقط القاتل، وكلّ أصحاب الأيديولوجيات الأصولية الذين استثاروه لفعل ذلك، تصرّفوا استناداً إلى دقّات الزمن اليهودي.

في المجتمعات التي تسير بموجب القوانين القبلية، لا قيمة للفرد، حتى وإن كان رئيس حكومة القبيلة. قيمة الفرد تقاس بالاستناد إلى مقدرته على تبنّي القيم القبلية والسير على هديها. كلّ خروج على هذه القواعد والقيم يؤدّي إلى ردّود فعل عنيفة ومتطرّفة من أولئك الذين يرون أنفسهم رافعي راية القبيلة والمحافظين على كرامتها.

إنّ الخطيئة الصهيونية الأولى جاءت مع إنشاء إسرائيل، حينما لم يقم قادة إسرائيل، من اليمين واليسار، بفصل الدين عن الدولة. هكذا، وبعد مرور عقدين، نشبت حرب حزيران (يونيو) 1967، التي قرّبت القبيلة اليهودية من أماكن مشحونة بقيم دينية وقبلية.

لقد مرّت الأيام والأعوام على هذه الحالة وضربت جذور الاحتلال عميقاً، كما لم يتوقف التكاثر السكّاني. لقد دفعت الانتفاضة الفلسطينية الأولى رابين إلى تغيير في تصوّراته. فرابين هذا، «البطل الإسرائيلي»، الذي كان قائد أركان الجيش في حرب 1967، هو ذاته الذي كان وزيراً للأمن في الانتفاضة الأولى، وشاعت على الملأ مقولته بأنه سيكسر أيدي الفلسطينيين الذين ينتفضون بإلقاء الحجارة.

مع مواصلة الانتفاضة، فهم رابين متأخّراً أنّ استمرار احتلال شعب آخر يواصل تكاثره السكاني سيضع إسرائيل في حالة خطر وجودي بوصفها «دولة يهودية ذات غالبية يهودية»، كما شاء مؤسسوها. لهذا السبب تحوّل بكثير من التردّد والتشكّك إلى طريق أوسلو. لكن، ولأسباب داخلية تتعلّق بطبيعة ائتلافه الحكومي، تخطّى خطوطاً حمراء رسمها رافعو راية القبلية اليهودية. لقد استند في حكومته تلك على دعم نوّاب وأحزاب عربية، وشكّلت هذه الخطوة شرشفاً أحمر أمام ثور الأصولية اليهودية الهائج.

هكذا رفع اليمين شعاراً قبليّاً ضدّه مدّعياً أنّ رابين لا يمكنه مواصلة السير في طريقه لأنّه لا يمتلك «غالبية يهودية». وهكذا بدأ رابين بوصم دعاوى معارضيه بأنّها عنصرية، وقال ذلك بصريح العبارة في مقابلة مع التلفزيون الرسمي، قبل اغتياله بقليل.

وبعدما أصر على مواصلة طريقه السياسية، أخذ شيوخ القبيلة اليهودية بالبحث عن مسوّغات شرعية دينية لإيقاف هذا الابن الضالّ عن مواصلة نهجه. سؤال واحد ثانوي بقي مفتوحاً: من سينفّذ الحكم عليه.

الطلقات النارية التي أردته قتيلاً في «ميدان ملوك إسرائيل» في وسط تل-أبيب خرجت من مسدّس من رأى هذا الميدان ساحة حمى القبيلة اليهودية، وأنّ رابين تخطّى حدود القبيلة. لهذا يمكن القول إنّ رابين قُتل على «خلفية شرف العائلة» و «القبيلة اليهودية»، وذلك نظراً الى ائتلافه مع نوّاب عرب مقابل اليمين القبلي اليهودي.

في السنوات الأخيرة أخذ مصطلح «دولة يهودية» بالتجذّر أكثر فأكثر في الخطاب السياسي الإسرائيلي. وعلى ما يبدو، من وجهة نظر اليمين الأصولي، أفلح اغتياله في وقف تلك المسيرة التي بدأت في أوسلو.

لقد مرّ عقدان على وقف أوسلو الإسرائيلية، وفي هذه الأثناء تجذّر الاستيطان أكثر فأكثر في المناطق الفلسطينية، بينما ما زالت قيادات أوسلو على حالها في الجانب الفلسطيني، وما بدّلوا تبديلاً. بل أكثر من ذلك، انقسم الفلسطينيون كيانين متنافرين لا رابط بينهما، غزة والضفة.

وفي الخلفية ثمّة «عالم عربيّ» طالما تغنّى في الماضي باسم قضية فلسطين. هذا العالم لم يعد قائماً أصلاً، فكلّ يغنّي على ليلاه، وكلّ قطر مشغول بأحواله التي يرثى لها. ناهيك عن أنّ نكبات العرب الأخرى ولضخامة حجمها تضع في الظلال هذه النكبة الفلسطينية.

وعلى ما يبدو فالسنوات المقبلة لا تبشّر بخير عميم، لا للفلسطينيين ولا للإسرائيليين. والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن: هل اليهود والعرب في هذه البقعة من الأرض ذاهبون إلى عنف بلقاني؟ إنّه سؤال سيبقى مفتوحاً على كلّ الاتجاهات. وبانعدام وجود قيادات إسرائيلية وفلسطينية واعية فإنّ المستقبل يبدو قاتماً.
*
الحياة، 10 نوفمبر 2015



مشاركات:



تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

  • شوون عربية

    دول ومجتمعات بلا حدود

    جزيرة العرب هي مهد «العروبة»، بمعنى طبيعة الأفراد المنتمين إليها إثنيًّا وثقافيًّا. لقد خرج العرب من الجزيرة العربية، قبل الإسلام وبعده، مكتسحين مناطق شاسعة في الجوار ومستوطنين فيها. إنّ الخروج من الجزيرة العربية لم يشكّل بأيّ حال خروجًا من الطبيعة البريّة والصحراوية للأفراد.

    تتمة الكلام

    جلسة لمساءلة النفس

    ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون.

    تتمة الكلام

  • شؤون فلسطينية

    بؤس الخطاب الفلسطيني

    ما على القارئ النبيه إلا أن ينظر في تلك الضجّة الكبرى التي تُثار في هذا الأوان حول مسألة نيّة الإدارة الأميركية الجديدة نقل سفارتها من تل-أبيب إلى القدس.

    تتمة الكلام

    قضيّة العرب الأولى؟

    طوال هذه الأعوام، ظلّ الفلسطينيون في الضفة والقطاع في حالة اتّكالية ينتظرون أن يأتي الفرج من الأنظمة العربية ومن منظمة التحرير.

    تتمة الكلام


    نكبة الليلة ونكبة البارحة

    مرت الأعوام تلو الأعوام فوجد الفلسطينيون أنفسهم مؤخّرًا أنّ النكبات لم تعد حكرًا عليهم دون غيرهم، فنكبات الآخرين - سورية مثالاً - لا تقلّ مأساوية وبشاعة عن نكباتهم...

    تتمة الكلام


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 
  • نصوص نثرية

    طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

    مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة.

    تتمة الكلام

  • نصوص شعرية

    شرقية

    عَلَى الأَكْتَافِ أَحْمَالٌ - مِنَ الشَّرْقِ الَّذِي نَزَفَا
    وَفِي عَيْنِي نَدَى بَلَدِي - بِهَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَشِفَا
    فَكَيْفَ أَبُوحُ، أَوْ أَرْوِي - لَكُمْ حُزْنِي الَّذِي أَزِفَا

    تتمة القصيدة

    الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.
  • لغويات

    رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك من دلالات غايتها أن نخاف وأن نرتدع عن القيام بسلوك أو تصرّف ما....

    تتمة الكلام

  • أبحاث

    جذور الإرهاب الإسلامي

    مقدمة
    ”إنّ الإسلام في أزمة اليوم“، يقول محمد مجتهد شبسترى، أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين في جامعة طهران، ويضيف: ”إن دينًا لا يستطيعُ أنْ يعرض قِيَمَه بصورة سليمة هو دين يعيش في أزمة.“

    تتمة الكلام

    «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام