27 نوفمبر 2015

جلسة طارئة لمساءلة النفس


حريّ بكلّ من يمتلك ذرّة من بصير أو بصيرة من أفراد هذه الأمّة أن يواجه حقيقة لا مناص من مواجهتها.

سلمان مصالحة :

|| جلسة طارئة لمساءلة النفس ||


العمليات الإرهابية التي نفّذها تنظيم «داعش» في باريس مؤخّراً وأودت بحياة المئات من الضحايا والجرحى، طرحت للتناول مسألة الإسلام والإرهاب.

بالطبع، وكالمعهود في حالات كهذه، جاء التنديد بهذه الجرائم من أطراف إسلامية وعربية شتّى. لكن، وفي الآن ذاته، كان هنالك من حاول تبرير الخلفية التي نبتت فيها هذه الأعشاب الإرهابية وفهمها. بل، أكثر من ذلك، في غمرة هذا الحدث والصدمة التي رافقته، كان هنالك من ذهب بعيداً إلى المفاضلة بين دولة الخلافة الإرهابية هذه وبين نظام الأسد، مرجّحاً كفّة هذا النّظام في هذا الوضع العربي المأزوم.

لا حاجة إلى تأكيد أنّ هذه المفاضلة بين الشرّين وترجيح أحدهما على الآخر هما الشرّ بعينه. إذ لا يمكن أن يفضل شرّ شرّاً. صحيح أنّ ثمّة تدريجاً للجريمة، غير أنّ الجريمة تبقى في خانة الجريمة مهما كان موقعها على سلّم العقوبات. فحتّى وإن كانت الجريمة تقع في قاع سلّم العقوبات فهي لا تعبر حدود الخانة إلى خارج الجريمة. وهكذا، فالمفاضلة بين نظام الأسد ونظام «داعش» كالاستجارة من الرمضاء بالنار، أو كالمفاضلة بين الطاعون والإيبولا.

إنّ الأصوات، غير القليلة، التي تصدح بربط هذه الجرائم بما فعله الاستعمار في البلاد العربية والإسلامية طوال عقود طويلة، والأصوات التي تربط بين هذه الجرائم وحالات التهميش المجتمعية في بلاد «الغربة» تنسى أو تتناسى التربة التي ينمو فيها هذا الإرهاب. حريّ بجميع هؤلاء أن يتذكّروا أنّ الدول الاستعمارية لم تستعمر البلدان العربية والإسلامية وحدها، بل استعمرت بلداناً وشعوباً أخرى. كما أنّ التهميش المجتمعي ليس شأناً خاصّاً بالعرب والمسلمين في بلاد الغربة، إذ إنّ هنالك فئات سكّانية من إثنيات ومعتقدات أخرى لا تقلّ تهميشاً عن العرب والمسلمين في هذه البلدان. غير أنّنا، وعلى رغم ذلك، لا نرى أفراداً من تلك المجتمعات الأخرى يرتكبون مثل هذه الجرائم الإرهابية البشعة. وهذه الحقيقة كافية لإحالتنا إلى البحث عن مصدر آخر لهذا الإرهاب.

حريّ بكلّ من يمتلك ذرّة من بصير أو بصيرة من أفراد هذه الأمّة أن يواجه حقيقة لا مناص من مواجهتها. إذ من الملاحظ في العقود الأخيرة أنّ الغالبية العظمى، إن لم نقل جميع هؤلاء الإرهابيين، خرجوا أو تخرّجوا من الزوايا والمساجد الإسلامية في الشرق والغرب على حدّ سواء، كما يبرّر جميع هؤلاء جرائمهم باسم الإسلام استناداً إلى موروثات إسلامية.

فماذا تعني هذه الحقيقة المرّة؟ هل هنالك شيء في ما يتلقّونه من تعليم وتعاليم دينية في تلك المواقع يدفع بهم إلى هذه الهاوية الإجرامية؟

لا يجب أن تبقى هذه الأسئلة خارج البحث، ولا يجب أن تبقى مطروحة على قارعة الطريق من دون تقصّي ملابساتها، بغية الوصول إلى إجابات شافية عليها. إنّ الطواقم المكلّفة الإجابة يجب أن تشمل شرائح النخب الدينية والثقافية معاً. فلا يستطيع الجاهل مواجهة العارف في هذه المسائل الخطيرة، وفي الكثير من الأحيان نلاحظ ردود فعل من قبل نُخب ثقافية مندّدة بجرائم الإرهابيين، وعلى رغم أنّ هذه الردود نابعة من صدق النّوايا، فإنّها تظلّ معبّرة عن جهل أصحابها بجذور القضيّة. أمّا النخب الدينية الرسمية والشعبية، إن جازت التسمية، فهي الأخرى تعبّر عن تنديدها بهذه الجرائم المقترفة باسم الإسلام. لكنّ هذه النخب الدينية، التي هي بلا أدنى شكّ على صلة معرفية بالتراث، لا تمتلك الجرأة الأخلاقية لمساءلة ذلك الموروث الديني الذي يتأسّس عليه الإرهاب الإسلامي.

فعلى سبيل المثال فحسب، عندما نشأ هذا التنظيم الذي وسم بـ «داعش»، ثمّ «دولة الخلافة الإسلامية»، وبدأت تنتشر على الملأ الجرائم التي يقترفها، أصدر عشرات من «العلماء» المسلمين بياناً مندّداً بـ «دولة الخلافة» هذه، وبزعيمها البغدادي. غير أنّ هذا الجدل التنديدي جاء شكليّاً فحسب، إذ تطرّق إلى الظروف التي تُعلن فيها الخلافة، وإلى المخوّلين بإعـلانها وما إلى ذلك من مسائل شكلية، ليس إلّا. أمّا بخصوص النصوص من الموروث الديني الدّموي الذي انبنت عليه أيديولوجية «داعش»، فلا يوجد من يسائلها. وهكذا وصلت بنا الحال إلى ما هي عليه اليوم.

ثمّة مهمّة عظمى ومسؤولية كبرى ملقاة على عاتق النخب الثقافية والدينية على حد سواء. وفوق كلّ ذلك، هنالك ضرورة ملحّة لنزع القداسة عن كلّ تلك المنصوصات التراثية الدموية. تتلخّص هذه المهمّة بالعودة إلى هذا الموروث الديني، إلى وضعه في سياقه التاريخي الذي مضى وانقضى ولم يعد نافعاً لكلّ زمان ومكان، كما يتشدّق الإسلامويّون. إنّها مسؤولية ملقاة على عاتق النخب العربية والإسلامية، وقد آن الأوان لتحمّل هذه المسؤولية، إذ من دون ذلك لن تقوم قائمة لهذه المجتمعات، وسنظلّ جميعاً ندور في حلقات مفرغة إلى يوم الدين.
*
الحياة، 27 نوڤمبر 2015

*

مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.
    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...
    تتمة الكلام

  • أن تكون عربيًّا

    هل بقي هنالك شيء يجمع هذه الأمّة المسمّاة «عربية» غير التأوّهات؟ وهل التأوّه فعلٌ أم هو لفظُ أنفاسٍ أخيرة لجسدٍ هامدٍ لا يقوى على فعل أيّ شيء؟ هذه التساؤلات تعلو في الذهن مع انتشار صور البشاعة الجديدة القادمة من خان شيخون في سورية، حيث غاز النظام يخنق الأطفال...
    تتمة الكلام

    مديح الربيع العربي

    لقد أزاحت هذه الرياح كثبان البلاغة من طبقة العروبة الخارجية وكشفت ما كانت تُخفي تحتها من حقائق هذه المجتمعات. ولذا، يُخطئ من يسمّي هذه الحروب الدائرة حروبًا أهليّة...
    تتمة الكلام

    دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • يوم عادي

    أَرَانِي حَنِيَّ الظُّهْرِ،
    أَهْلَكَنِي الصُّبْحُ.
    أَمَا لِلْمَسَا سَيْفٌ لَدَيَّ!
    أَمَا رُمْحُ!

    رَأَيْتُ الهَوَى، أَبْقَى
    عَلَى الأُفْقِ ظِلَّهُ.
    إذَا نَظَرَ المَهْمُومُ،
    نَاءَ بِهِ سَفْحُ.

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • أَيْ، نَعَمْ!

    أَيْنَ مِنِّي طائِرٌ حامَ، وَهَمّْ
    أَنْ يُداوِي حَسْرَتِي، أَوْ بَعْضَ غَمّْ

    كُلَّمَا دَاعَبْتُهُ طَارَ إلَى
    أُفُقٍ قَاصٍ، وَأَبْقَى لِي ٱلأَلَمْ.



ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة الكلام


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز



أرشيف الجهة

مواضيع مختارة


 

مختارات

  • السهروردي

    قِفْ بِنا يا سَعْدُ نَنزلْ ها هُنا
    فَأثيلاتُ النَّقا ميعادُنا

    وَاِبْتغِ لي عَبْرةً أَبكي بِها
    فَدُمُوعي نَفَذَت بِالمُنحَنى

    تتمة الكلام
  • علي بن أبي طالب

    سَمِعْتُكَ تَبْنِي مَسْجِدًا مِنْ خِيانَةٍ
    وَأنْتَ بِحَمْدِ اللّهِ غَيْرُ مُوَفَّقِ

    كَمُطْعِمَةِ الزُّهّادِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها.
    لَكِ الوَيْلُ، لا تَزْنِي وَلا تَتَصَدَّقِي.

  • أبو الحسن بن العلاف

    رَدَدْنا خِمارًا مرّةً بعدَ مرّةٍ
    من السُّوقِ وَاخْتَرْنا خِمارًا على الثَّمَنْ

    وَكُنّا أَلِفْناها وَلَمْ تَكُ مَأْلفًا
    وَقَدْ يُؤْلَفُ الشّيءُ الذي ليسَ باِلحَسَنْ

  • ابن خلدون

    ثم لما أعادهم ملوك الفرس بناه عزيز بني إسرائيل لعهده بإعانة بهمن ملك الفرس الذي كانت الولادة لبنى إسرائيل عليه من سبي بخت نصر وحد لهم في بنيانه حدودًا دون بناء سليمان بن داوود عليهما السلام فلم يتجارزوها.

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...
    تتمة الكلام

  • كلّ الطيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....
    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.
    تتمة الكلام

  • تعليقات أخيرة

  • جهة الفيسبوك




    قراء من العالم هنا الآن