28 يناير 2016

أين هي الأسرة الدولية؟


لا يوجد على الكلام جمرك، كما يقال في أمثالنا الشعبية. وهكذا ألفى المواطن العربي ذاته هائمًا على وجهه في خضمّ ما أفرزدته الجرائم المتبادلة بين أقوام هذه البقعة من الأرض.

سلمان مصالحة ||

أين هي الأسرة الدولية؟


بين فترة وأخرى، من عديد السنوات الخمس المنصرمة، تستثير الأحداث التي تعصف بمنطقتنا أصواتًا عربية تعرض على القارئ تساؤلات مثل ”أين الأسرة الدولية، ولماذا لا تُحرّك ساكنًا لوقف هذا النزيف في سورية وفي غيرها من أقطار هذه البقعة من الأرض“؟

إنّ استخدام مصطلح مثل ”الأسرة الدولية“ يشي بأنّ مُطلقه ينطلق في إصدار أحكامه وتساؤلاته من قناعة بانتمائه وانتماء من يحاول التحدّث باسمهم إلى ”أسرة“، ”عائلة“ أو مجموع بشري ذي أواصر قربى بما تحمله هذه المصطلحات من معانٍ.

غنيّ عن التأكيد هنا بأنّ الانتماء إلى هذه الـ”الأسرة“ الدولية لا يمكن أن يأتي من طرف واحد. إذ إنّ معنى الإنتماء يتطلّب إجماعًا من طرفين: من طرف طالب الانتماء وطرف المُنتمَى إليهم. هذا الإجماع مشروط بقواعد تضبطه وتضبط أطرافه على أكثر من صعيد واحد.

إنّ العواصف الأخيرة التي شهدتها المنطقة مع ما خلّفته من سفك لا يزال متواصلاً للدماء كشفت أيضًا على الملأ كلّ هذا التخبّط في الخطاب العربي الموجّه للداخل والخارج على حد سواء. فعلى الصعيد الداخلي، وأعني به الخطاب العربي الموجّه للرأي العام العربي لم نلاحظ أنّ ثمّة ”أسرة“ عربية واحدة تلتقط هذا الخطاب وتستوعبه. لقد كشف هذا الخطاب عن حقيقة الشرذمة الإثنية والطائفية التي تنخر هذا المجموع البشري الذي درجنا على أن نطلق عليه مصطلح الانتماء لهذه الـ”عروبة“.

وهكذا لاحظنا، في الكثير من الأحيان، أنّه وعلى الرغم من تغليف الكلام بكلام معسول وبلاغة عربية عن ممانعة ومقاومة وكسر شوكة الإرهاب من جهة، أو نشود الديمقراطية والحرية والمواطنة من جهة أخرى، كانت المواقف المُعلنة تشي بانتماء صاحبها ليس إلى مجموع بشري واحد، أسرة أو عائلة عربية واحدة، بل إلى ”قبيلة“ لها ميراث طائفي هو ميراث في جوهره اختلافي غير ائتلافي، وذلك على غالبية الأصعدة الاجتماعية منها، والسياسية، والثقافية والطائفية.

بكلمات أخرى، إنّ الخطاب الأيديولوجي المعسول، أصدر عن هذا الطرف أو ذاك، لم يعد ينطلي على أحد من أبناء هذه الأقوام المسمّاة ”عربيّة“. إذ إنّ الشرخ الإثني والطائفي هو الّذي كان المحرّك لاتّخاذ المواقف وهو الّذي كان يتبدّى للقارئ وللمستمع على طول هذه الأرض وعرضها.

لقد ظهر هذا الشرخ أيضًا في كلّ ما يتعلّق بمخاطبة العرب سائر العالم. إذ مرّة أخرى انكشف على الملأ أنّ ثمّة أصواتًا كثيرة بنبرات مختلفة تعبّر عن جوهر هذا التخبّط. فمن جهة، الكثيرون من أولئك الذين طالما شنّفوا آذاننا بمطالبة العالم، ويقصدون به القوى العظمى والغربية على وجه التحديد، بعدم التدخُّل في شؤون هذه المنطقة الداخلية قد أضحوا بين ليلة ”ربيع عربيّ“ وضحاها من أكثر الصّائتين المطالبين بتدخّل تلك القوى في شؤون هذه المنطقة النازفة. هكذا فجأة تتحوّل قوى الاستعمار الغربي إلى ”أسرة“ واحدة مطالَبة بوضع حدّ للنزيف داخل هذه الـ”عائلة“الدولية التي يدّعون الانتماء إليها.

ومن جهة أخرى، كشفت الأحداث التي مرّت بها هذه المنطقة زيف شعارات كلّ أولئك الذين، وعلى مرّ عقود، أدمنوا على إثارة عواطف الأجيال العربية الناشئة بدءًا بمقولات الأمّة الواحدة والرسالة الخالدة، مرورًا بالاشتراكية والديمقراطية، وانتهاءً بالمقاومة والممانعة، وما إلى ذلك من هذه البلاغة البليدة التي كانت بمثابة أفيون تزوّده هذه الأنظمة والأيديولوجيات الكاذبة للأجيال العربية. لقد تلقّفته هذه الأجيال حتّى أضحى نقمة عليها وعلى بيئتها، وصار من الصعب عليها عدم تناول هذه الوجبات اليومية من المخدّرات البلاغية العربية.

أين هي الأسرة الدولية؟ يتكرّر هذا السؤال لدى الكثيرين من أمثال هؤلاء. مرّة أخرى، كلّ هؤلاء الذين طالما علا صراخهم محيلين السامعين إلى مؤامرات القوى الغربية يطالبون الآن هذه القوى، ”الأسرة الدولية“ كما يسمّونها، أن تتدخّل. لكنّ كلّ هؤلاء يتهرّبون من طرح السؤال الأصعب، ألا وهو: أين ”الأسرة العربية“؟ أوليست لهذه الـ”أسرة“ دول وجيوش جبّارة؟ فلماذا لا تتدخّل جيوشها لوقف هذا النزيف؟

لا يوجد على الكلام جمرك، كما يقال في أمثالنا الشعبية. وهكذا ألفى المواطن العربي ذاته هائمًا على وجهه في خضمّ ما أفرزدته الجرائم المتبادلة بين أقوام هذه البقعة من الأرض.

ليس من السهل الخروج من هذه المآزق العربية. كلّ من يعتقد أنّ نفسيّات البشر، الذين مرّوا بهذه المآسي التي خلّفت مئات آلاف القتلى وملايين اللاجئين والمهجّرين من أوطانهم وبلدانهم، قد تتعافى قريبًا مُخطئ بالطبع. لا تمّحي هذه الكوارث بين ليلة وضحاها وكأنّ ”اللّي فات مات“.

لقد انتهى عهد في هذه البقعة من الأرض. لن تعود هذه الكيانات بناسها إلى سابق عهدها وعهدهم. إنّنا بلا شكّ على عتبة عهد جديد لا يمتّ بصلة إلى كلّ ما عرفناه عن هذه المنطقة. وما علينا إلاّ تلمّس طريق النجاة بأقلّ الخسائر البشرية. لأنّ الإنسان في نهاية المطاف هو هذه الأوطان الممزّقة.
*
الحياة، 28 يناير 2016

مشاركات:

تعليقات فيسبوك:



تعليقات الموقع:
يمكن كتابة تعليق في الموقع هنا. لا رقابة على التعليقات مهما كانت مخالفة للرأي المطروح، بشرط واحد هو كون التعليقات وصيلة بموضوع المادة المنشورة.

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية
  • دول عصابات

    ليس أسهل على العربيّ القابع في بلاد ينخر فيها الفساد من كيل السباب على العالم بأسره، ما دام لا يقترب سبابه من المنظومات السياسية، الدينية والاجتماعية التي تنيخ عليه كلاكلها...


    فتوى علمانية

    فلو أنّ الأمور اقتصرت على هذه الفتاوى لضحكنا ومضينا في طريقنا غير آبهين بها. غير أنّ ما يثير الحفيظة هو توقُّف الكثيرين عند هذه المضحكات بينما يدسّون، كالنّعامات، رؤوسهم في الرّمال...
  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...
    تتمة الكلام

    الأولى أم الأخيرة؟

    إنّ الطغم العسكرية التي اغتصبت البلاد والعباد وسيطرت على مقاليد الحكم في بعض الأقطار بعد جلاء الاستعمار، حوّلت الإتجار بالمسألة الفلسطينية إلى درع يقيها من أيّ محاولة لنقدها من جانب المواطنين.
أصوات
  • عباس كيارستمى

    عندما عُدتُ إلى مسقطِ رأسي
    لم أستطع العثور
    على بيت أبي
    ولا على صوت أمّي.

    تتمة الكلام
  • كاترينا إليوپولو

    حلمتُ عن امرأة
    امرأتي ليستْ أربعاء الرّماد
    كما ليستْ هي الجمعة الحزينة
    وليستْ أحدَ الصُّعُود
    امرأتي هي دَوْمًا الخميس.

  • ڤيسلاڤا شيمبورسكا

    نحنُ أبناءُ هذا العَصْر،
    إنّه عصرٌ سياسيّ.

    كلّ ما يحملُ يومُك من أعباء
    أو ليلُك، أعباؤك أعباؤنا، أعباؤكم
    هي أعباءُ سياسة.

شؤون محلية
  • خفايا اليسار

    ليس مصادفة اختفاء المؤرخين، ليس الجدد فحسب بل القدامى أيضاً، عربياً. إذ إنّ النّظر في حيثيات ماضينا البعيد والقريب، يستلزم أوّلاً وجود أرشيفات مفتوحة ووضع اليد على الوثائق الأصلية للمسألة المبحوثة...
  • هذيان ثنائي القومية

    على خلفية الحروب الاهلية في العالم العربي يتم سماع طلبات بضم المناطق الفلسطينية لاسرائيل (من اليمين)، أو اقامة دولة ثنائية القومية في ارض اسرائيل – فلسطين (من اليسار)، وهي مطالب هذيانية مأخوذة من عالم من يسيرون اثناء النوم والمقطوعون عن كل ما يحدث من حولهم...
    تتمة الكلام

قراءات
  • بلد من كلام

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟
  • لا نبي في وطنه

    بخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

أرشيف

 
دراسات وأبحاث
  • "إيلوهيم" في الإسلام

    عن عُقبة بن بشير أنّه سأل محمد بن عليّ: مَنْ أوّل من تكّلم بالعربيّة؟ قال: إسماعيل بن إبرهيم، صلّى اللّه عليهما، وهو ابن ثلاث عشرة سنة. قال، قلتُ: فما كانَ كلامُ النّاس قبل ذلك يا أبا جعفر؟ قال: العبرانيّة. قال، قلت: فما كانَ كلامُ اللّه الّذي أنْزلَ على رُسُله وعباده في ذلك الزّمان؟ قال: العبرانيّة."
  • "يهوه" التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.


  • سبحان الذي أسرى

    وبعد أن رأينا أنّ مصطلح "مسجد" هو مكان عبادة عام وليس مخصّصًا لملّة دون أخرى، نتقدّم الآن خطوة أخرى للوقوف على ماهيّة هذا "المسجد الأقصى" الّذي ورد ذكره في سورة الإسراء، أو بالاسم الأقدم للسورة وهو سورة بني إسرائيل...

    تتمة الكلام
ترجمات عربية
  • نشيد الأناشيد

    (1) أَنَا زَنْبَقَةُ الشَّارُونِ، سَوْسَنَةُ الوِدْيَانِ. (2) كَسَوْسَنَةٍ بَيْنَ الأَشْواكِ، كَذَا حَلِيلَتِي بَيْنَ البَنَاتِ. (3) كَتُفَّاحَةٍ بَيْنَ شَجَرِ الوُعُورِ، كَذَا حَبِيبِي بَيْنَ البَنِينِ؛ فِي ظِلالِهِ رُمْتُ لَوْ جَلَسْتُ، وَثَمَرُهُ حُلْوٌ فِي حَلْقِي. (4) جَاءَ بِي إلَى بَيْتِ الخُمُورِ، وَرَايَتُهُ عَلَيَّ هَوًى.
    تتمة الكلام
  • الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ. (3) مَا الجَدْوَى، للإنْسَانِ، مِنْ كُلِّ كَدِّهِ الَّذِي يَكِدُّهُ، تَحْتَ الشَمْسِ.
  • بالكريشنا ساما

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    مَنْ يُحِبّ الطُّيُورَ لَهُ رُوحٌ رَقيقَةٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطيعُ أكْلَ لَحْمِها
    لَهُ مَشاعِرُ مُقَدَّسَةٌ.
  • حانوخ ليڤين

    الوالدُ اشْترَى جَريدَة،
    وذَهبَ مَعَها للمِرْحاض،

    جَلسَ، قَرَأَ، وفِي هذه الأثناء
    بُمْ، طَخْ، ضْراط، مِنَ الوَراء!
  • جهة الفيسبوك

    تعليقات أخيرة

  • زيارات شهرية


    عدد قراء بحسب البلد

    Free counters!

    قراء هنا الآن

  • مواضيع مختارة