1 أكتوبر 2017

بعبع التطبيع: بكري بعد دويري


بعبع التطبيع يفتك بالجميع


سلمان مصالحة ||

بعبع التطبيع: بكري بعد دويري


منذ سنوات، دهم مصطلح جديد السوق العربية للتجارة بالكلام. وهي، على كلّ حال، سوق لم تُفرض فيها الجمارك على الحكي. وحينما يكون الكلام بلا مكوس فلا عجب أن يتلقّفه كلّ عابر، أو ممانع مأخوذ بتجارة الكلام «البليغ» الذي يُعبّئ سامعه.

وهكذا، بين فينة وأخرى، تخرج إلينا طيور الصحافة العربية صادحة بزقزقات تهمة «التطبيع» مع إسرائيل، أو مع «الكيان الصهيوني»، وفق الخطاب «الممانع»، وهي التهمة الجاهزة التي توجّه إلى فلان أو علّان. وهكذا الحال راهناً، إذ اجتمعت التهمة ذهاباً وإياباً عابرة للحدود بين «الكيان» ولبنان، هذا البلد الذي قد لا يمكن وصفه بأنه «كيان» أحد.

هناك في لبنان، استلّ الممانعون تهمة التطبيع وصدحوا بها في وجه زياد دويري، الفنّان السينمائي اللبناني، لا لشيء إلا لأنه زار إسرائيل، للعمل على فيلم رغب في أن يكون قريباً من المكان الذي يتمحور حوله. ثمّ لم يمرّ وقت طويل حتّى خرج هؤلاء الممانعون إيّاهم احتفاءً بفنّان سينمائي فلسطيني قادم من إسرائيل، فانتفض ممانعون فلسطينيّون شاهرين تهمة التطبيع مع «الكيان الصهيوني» في وجه الممانعين اللبنانيّين.

ولم تقف الأمور في حروب الممانعة هذه عند هذا الحدّ، بل اختلط حابل التطبيع بنابل الممانعة، إسرائيليّاً، فلسطينيّاً ولبنانيّاً. إذ ما إن نُشر خبر احتفاء الممانعين اللبنانيين بمحمد بكري في بيروت، حتّى خرجت وزيرة الثقافة الشعبوية الإسرائيلية، وهي من صنف الممانعين إيّاهم، طالبة من المدّعي العام الإسرائيلي التحقيق مع بكري لزيارته دولة معادية هي لبنان وتصريحاته للصحافة هناك. لقد جاءت تصريحات الوزيرة الإسرائيلية صورة طبق الأصل عن مطالب الممانعين في لبنان تقديم الفنان دويري للمحاكمة بسبب زيارته «الكيان الصهيوني». بالطبع هي لم تلصق نعت «كيان» ولا حتّى نعت «مزعوم» بلبنان، كعادة الممانعين لدى التطرّق إلى إسرائيل، بل مجرّد لبنان حاف، بوصفه دولة معادية، ليس إلا.

لقد صرّح بكري للصحافة الإسرائيلية، عقب ذلك، بأنّ أقواله التي نُشرت في الصحافة اللبنانية حول التطبيع مع إسرائيل قد أُخرجت من سياقها. بالطبع، كثيراً ما تفعل الصحافة ذلك مع أناس لا يفكّرون قبل إطلاقهم الكلام بلا جمارك على عواهنه. والحقيقة هي أنّ بكري ليس ضدّ إسرائيل بأيّ حال. بوسعنا العودة إلى مقالة - رسالة نشرها في صحيفة «هآرتس»، وفيها ما يكشف عن موقفه. يكتب بكري في رسالته تلك: «هنالك شريك للسلام لا مثيل له في الجانب الفلسطيني- لا تخسروه!... انهضوا لأجل أولادنا. انهضوا واعملوا شيئاً ما. إسرائيل ليست مستوطنة. إسرائيل هي دولة صغيرة وجميلة من دون مستوطنات. حكومة إسرائيل مدينة لنا بمستقبل أولادنا. انهضوا واصنعوا ذلك. اصنعوا السلام». (هآرتس، 10/7/2014). إذاً، من يكتب متغزّلاً بالعبريّة بأنّ «إسرائيل ليست مستوطنة»، وإنّما هي «دولة صغيرة وجميلة»، لا يمكن أن يكون ممانعاً وضدّ إسرائيل بأيّ حال. ربّما على العكس من ذلك.

إضافة إلى ذلك، يعتقد كلّ مهووسي بعبع التطبيع أنّ إسرائيل معنيّة أصلاً بهذا التطبيع مع العالم العربي. كلّ من يمتلك ذرّة من بصر أو بصيرة يعرف أنّ إسرائيل ليست معنيّة بأيّ تطبيع مع هذه المنطقة المأزومة. إنّها معنيّة بالتطبيع مع العالم الآخر، خارج هذه المنطقة، فليس لدى هذه المنطقة ما تستطيع تقديمه لإسرائيل سوى الهدوء على الحدود، أمّا دون ذلك فلا شيء. على العكس، فإسرائيل هي التي لديها ما تقدّمه لهذه المنطقة في كلّ المجالات التي قد تخطر على بال، وهذا هو التطبيع الوحيد الذي تبحث عنه إسرائيل، ليس إلا. وهذا أيضاً ما هو حاصل، وراء الكواليس، بلا «شور أو دستور» من هذا الممانع أو ذاك. إنّ الأرشيفات الإسرائيلية تعجّ بالوثائق التي تكشف هذا «التطبيع» منذ نشأة الحركة الصهيونية وحتّى قيام إسرائيل وما بعد بعد قيام إسرائيل.

على هذه الخلفيّات، حريّ بنا أن نضع بعض النقاط على بعض الحروف المبهمة. إذا كان «جرم التطبيع» نابعاً من مبدأ عام له علاقة بحقوق إنسانية فلسطينية، فيجب أن يسري هذا المبدأ على الجميع وفي كلّ مكان. من هذا المنطلق، فإنّ الوقوف ضدّ التطبيع يجب أن يسري على «الكيان اللبناني» أيضاً، إذ يعرف القاصي والداني كيف يتعامل الكيان اللبناني مع الفلسطينيّين القابعين فيه. وهكذا، ربّما تتحوّل التهمة فتصبح ضدّ بكري لأنّه يُطبّع أصلاً مع كيان لبناني يهضم الحقوق الإنسانية للفلسطينيين. وكلّ هذا ناهيك بتعامل هذا الكيان مع اللاجئين السوريين الذين هُجّروا من وطنهم بسبب براميل الممانعة المتفجّرة فوق رؤوسهم. بل أبعد من ذلك وأخطر: ها هم هؤلاء الممانعون الذين هدموا البلاد فوق العباد يتحدّثون عن التجانس المجتمعي في بلد هُجّر نصف سكّانه، كما يصرّحون بما معناه أن لا مكان لعودة هؤلاء إلى بلادهم. بكلمات أخرى، أسقط الممانعون عن هؤلاء السوريّين «حقّ العودة» إلى أوطانهم.

إذاً، والحال هذه، عن أيّ تطبيع ومع من يتمّ التطبيع في كلّ هذا اللغط الكلامي؟ وهل بقي شيء طبيعيّ أصلاً في هذا المشرق المأزوم بذهنيّاته والمهزوم بقياداته؟
*
الحياة، ملحق تيارات، 1 أكتوبر 2017




مشاركات:


تعليقات فيسبوك:

0 تعليقات:

إرسال تعليق

قضايا عربية

  • سورية في ذمة الله

    كلّ هذا الخراب الذي أصاب البشر والحجر في هذا البلد هو خراب ليس فقط للتمدّن السوري، بل هو خراب لهذه الـ”هويّة“ السورية التي أُشيعت لعشرات السنين بعد جلاء الاستعمار. كما يسعنا القول إنّه خراب أبعد من ذلك بكثير؛ إنّه خراب يتخطّى هذه الحدود الضيّقة ناخرًا في الهويّة الـ”عربيّة“ في الدائرة الأوسع.

    تتمة الكلام

    تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • دول عصابات

    هل ”الوطن العربي“، بحسب التعبير الشائع، هو حقًّا وطن للمواطن أم إنّه مسرح تتجاذبه العصبيّات التي لها أوّل وليس لها آخر؟ لننظر من حولنا ونحاول الإجابة على هذه الأسئلة لأنفسنا أوّلًا، هل العراق وطن حقًّا لشيعته، سنّيّيه، أكراده، إيزيدييه، أشورييه إلخ، أم إنّه كيان مزعوم تتناحر عليه العصابات بعصبيّاتها؟ وهل سورية هي حقًّا وطن السوريّين أم هي الأخرى كيان مزعوم مرؤوس من قِبَل مستبدّين دمّروا البلاد فوق رؤوس العباد؟

    تتمة الكلام

    البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

شعر

  • ألا يا أيها الساقي

    أَلا يَا أيُّها السَّاقِي
    سَبَيْتَ اليَوْمَ أَحْدَاقِي

    إِذا ضَاقَتْ بِيَ الدُّنْيَا
    وَأَذْكَى اللَّيْلُ أَشْوَاقِي

    سَأَلْتُ الكَأْسَ أَنْ تَرْنُو
    إلَى مَنْ عِشْقُهُ بَاقِ

    تتمة الكلام
  • ثمّ فاخف

    لَيْسَ الكَلامُ بِأَحْرُفٍ.
    فَاعْلَمْ، وَإنْ أُعْطِيتَ حَرْفَا،
    أَنَّ الكَلامَ مَعَادِنٌ
    نُعِفَتْ عَلَى الطُّرُقَاتِ نَعْفَا.

    تتمة الكلام
  • متاهة

    الأرضُ تشتهي الأحياء.
    الأحياءُ يشتهون السماء.
    السّماءُ فضاءٌ بلا شَهْوة.
    الشَّهْوة حلمُ العاقل.
    العاقلُ يعرفُ الطريق.
    الطريقُ فضاءٌ بين رحلتين.

    تتمة الكلام

ترجمات

  • سفر المزامير

    (1) هُوَ ذَا مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ: إذْ فَرَّ مِنْ وَجْهِ أَبْشَالُومَ ابْنِهِ. (2) يَا كَيُّونُ، مَا أَكْثَرَ مَنْ ضَيَّقَ حَدِّي؛ كُثْرٌ، يَقُومُونَ ضِدِّي. (3) كُثْرٌ يَقُولُونَ لِنَفْسِي: لَا خَلَاصَ لَهَا بِاللّهِ ”سِلَاهْ“.

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة


  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...
    تتمة الكلام


انقر الصورة للاتصال


موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز


أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • مدينة الزهرة الماشية

    هنا، بين الواقع والخيال، بين الأرض والسّماء، تتهادى القدس في التّلال غير بعيد عن مفرق الرّوح. تخطو على حبل ممدود بين وادي جهنّم وبين زهرة تهيم على وجهها فوق ثرى المدينة. في خيالاتي الطّفوليّة ارتبطت القدس بخرافات سمعتُها عن أشراط السّاعة...

    تتمة الكلام

  • كلّ الطُّيور تُؤَدّي إلى روما

    كانت غمامةُ الطّيور تنسلخ عن ذرى أشجار الزّيتون، تتسلّق الهواء أعلى التلّة، تحوم في السّماء قليلاً ثمّ سرعان ما تختفي وراء الأفق. وهكذا، حَوْلاً بعد حول، موسمًا بعد موسم عادت الأسرابُ لعادتها القديمة، تناولت ما يسدّ رمقها وعادَ الأهالي هم أيضًا إلى صنوجهم وضجيجهم....

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام